مشروع المؤمن في رمضان.. د. الرضى يرسم معالم الفلاح في هذا الشهر الفضيل

Cover Image for مشروع المؤمن في رمضان.. د. الرضى يرسم معالم الفلاح في هذا الشهر الفضيل
نشر بتاريخ

أطلقت قناة الشاهد الإلكترونية بمناسبة شهر رمضان الأبرك سلسلة جديدة تحت عنوان “في رحاب التروايح”، تستضيف في عدد من ليالي الشهر الفضيل عضوا من أعضاء مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان في بث مباشر تفاعلي مع الجمهور، يجيب فيه الضيف عن أسئلة المحاور وأسئلة المعلقين. وقد شارك في اللقاء الأول الدكتور عبد الصمد الرضى عضو مجلس الإرشاد، والأستاذ الجامعي في تخصص الاجتهاد والتطورات المعاصرة، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

البرنامج كما ذكر مقدمه الدكتور عبد الغني مموح هو نافذة هادئة، تفتح بعد صلاة التراويح، يحاول من خلالها البرنامج أن يسعى بمتابعيه إلى فهم وتأمل وإعادة ترتيب علاقاتنا بالله، وإعادة ترتيب علاقاتنا بأنفسنا، وإعادة ترتيب علاقاتنا بمن حولنا خاصة في هذا الشهر الفضيل، وقد تمحور موضوع الحلقة الأولى حول “مشروع المؤمن في رمضان”، وسعى للإجابة عن سؤال: كيف ينتقل المؤمن في رمضان من موسم تعبدي مؤقت إلى مشروع إيماني مستمر؟

وفي أول سؤال طرح على الأستاذ الرضى عن ماذا يخسر المؤمن إن مر عليه رمضان ولم يغنم فيه؟ أجاب بأن هذا الشهر له خصوصيات كبيرة وعظيمة ينبغي أن ينتهزها الإنسان، والتعمق في هذا الشهر تعمق في العمر، والتدبر في ليالي وأيام وعبادات وعزمات ومقاصد الصيام في رمضان، صياما وتلاوة لكتاب الله عز وجل وصلاة، إنما هو تدبر في عمر الإنسان، فرمضان قطعة من عمر الإنسان يمكن أن تحدث تغييرا جذريا في شخصيته، فتجعل منه شخصية جديدة دخلت إلى مدرسة رمضان بنيّات متعددة وخرجت منها غانمة سالمة، شخصية جديدة متجددة تعلن الصلح والتوبة مع الله، تستعد لأن تكون هذه الشخصية ظاهرا وباطنا شخصية جديدة تستحق أن تنادى ب”يا أيها الذين آمنوا” كما ينادى المؤمنون على مر التاريخ بخير كلام أنزل كلام الله عز وجل.

فإذا كان شهر رمضان، يضيف المتحدث، أنزل فيه القرآن من رب العالمين فإن المؤمن يدخل هذه المدرسة دخولا بينا، فإن ضاع منه رمضان خسر جزءا من عمره وجزءا مباركا، خاصة ليلة القدر التي جاء في سبب ورود الأحاديث فيها أن في الأمم السابقة كان الناس يعمرون طويلا وأن الأمة الإسلامية لا يعمر أهلها طويلا، فجازاهم الله بهذه الليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم والتي هي خير من ألف شهر. وأضاف المتحدث أن رمضان فرصة للربح، فرصة ليصبح لعمر الإنسان معنى، إذا كان شابا يصبح لما بعد شبابه معنى، وإذا كان كهلا يصبح لما بعد كهولته معنى، وإذا كان شيخا يصبح لإقباله على الله عز وجل وعلى الرحيل إلى الدار الآخرة معنى. رمضان مدرسة نضع فيها أعمارنا على ميزان القصد إلى الله والتوجه إلى الله وابتغاء مرضاة الله عز وجل.

وعند سؤاله عن المقصود بمشروع المؤمن في رمضان هل نتحدث عن برنامج أم عن نية؟ عن ماذا نتحدث بالضبط؟ أجاب بأننا نتحدث عن ثلاثة أشياء: نتحدث عن قصد ونية، ونتحدث عن استجابة لنداء، ونتحدث عن إعداد واستعداد.

واسترسل موضحا أنه على مستوى القصد والنية فإن أعظم نية يمكن أن يثبتها الإنسان في هذا الشهر الفضيل هو أن يكون عمره لله عز وجل: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”. هذا هو القصد الأعظم، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل بقدوم رمضان وكان يخطب في الصحابة رضي الله عنهم في آخر ليلة من شعبان، بل كان يحدد القصد: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”، ومن “قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”. إيمانا بما عند الله عز وجل، وتصديقا بفضل الله عز وجل، احتسابا وعزما وهِمّة وقوة وإرادة، هذا عن القصد.

أما عن الاستجابة للنداء: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات”. استجابة المؤمن لكلام الله عز وجل من فوق سبع سماوات، استجابة فيها عزم ويقظة وصلح مع الله، وتوبة ورجوع إلى الله. هذه الاستجابة تقتضي من المؤمن أن تكون له بداية صحيحة للارتباط بالله عز وجل وبكتابه وبالصالحين من عباده ليكون لحياته فوق هذه الأرض مدلول إيماني روحاني عميق.

وأكد المتحدث عن ضرورة برنامج رمضان؛ فقد كان الصالحون يفرغون أيامهم وأوقاتهم لتلاوة كتاب الله عز وجل، وذكّر التائبين والأوابين والراجعين إلى الله عز وجل في رمضان بأن الله عز وجل يحدث تحولا ملكوتيا في خلقه: يغلق أبواب النيران فلا يفتح منها باب، ويفتح أبواب الجنان فلا يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة: “يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”، ولله عتقاء من النار كل ليلة. فالإنسان يضع هذا القصد الأعظم ويرتبه بتوبة صحيحة تامة كاملة مبدؤها الإقلاع عما لا يرضي الله عز وجل مما كان يقترفه الإنسان، ثم الإكثار من الاستغفار. أرجو من هؤلاء التائبين ومن جميع المؤمنين أن تكون لهم حصة في ليالي رمضان وفي أيام رمضان للجلوس واستقبال القبلة وترديد الاستغفار: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، لأنها فرصة لأن يغوص الإنسان في ذاته ولأن ينظر إلى تاريخه ويخرج الذنوب التي تحدث ظلمات في القلب، يخرجها في رمضان فيتأسس النور من جديد: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إن الله غفور رحيم، إنه هو الغفور الرحيم”.

واسترسل الداعية المغربي في نفس السياق قائلا: يفرحني في الشعب المغربي أن كثيرا من الناس يحدث الله في قلوبهم وفي إرادتهم وفي شخصياتهم رغبة في التوبة رغبة في الرجوع، ترى المساجد تمتلئ، ترى الناس يقلعون عن كثير من العادات، هذا مبدأ الطريق ومفتتحه. ثم يكون له وقت من ذكر الكلمة الطيبة بنية تجديد الإيمان، نعرف جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: “جددوا إيمانكم، قيل: كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله”. لا بأس أن يكون الرجل مع أهله في البيت لهم ولو ربع ساعة يكررون فيها الكلمة الطيبة، لماذا؟ لأنها تجدد الإيمان. إذا تجدّد الإيمان وتلونا كتاب الله عز وجل ختمة أو ختمتين أو أكثر مما يسره الله عز وجل فإننا نقرأ كتاب الله عز وجل على قلب تجدد إيمانه، ومن استحضر هيبة رمضان الذي أنزل فيه القرآن: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان”، أسست تلاوته وعلاقته للقرآن الكريم مع القلب المتجدد. ثم بعد ذلك ليصبح عضوا جديدا في مجتمع متجدد يسعى إلى الخير ويبذل الخير ويدعو إلى الخير حتى يصلح الله أمر هذه الأمة برمضان العظيم.

وتفاعلا مع أسئلة المتتبعين والمعلقين أجاب الدكتور الرضى عن سؤال: كيف أكون ناجحا في مشروعي مع القرآن تلاوة وحفظا وتدبرا، مع ترجمة كل ذلك إلى سلوك في رمضان؟ حيث قال إنه ليس عبثا أن الله عز وجل أنزل القرآن الكريم في هذا الشهر العظيم، كلمة الله الختامية للبشرية جميعا هي كتابه العزيز، والأمة الإسلامية شرّفها الله عز وجل بهذا الكتاب العظيم، كتاب فيه رحمة وهداية وشفاء ومنهاج طريق ورجوع إلى الله سبحانه عز وجل. فلا أقل من أن يكون للمؤمن ابتداء من هذا الشهر الفضيل نية عدم ترك كتاب الله عز وجل مهجورا، لا أقل من أن يخصص ولو 20 دقيقة في اليوم لتلاوة كتاب الله عز وجل.

تلاوة القرآن الكريم بنية أنك تستمع إلى كلام الله عز وجل شرف، وأي شرف يرتب الإنسان 30 يوما يقسم عليها ما استطاع من ختمات ويتلوه، وإن كان الناس مجتمعين جيرانا أو أسرة أو عائلة يخصصوا بعد صلاة التراويح، ولو ساعة يجتمعون فيتلون كتاب الله. وأضيف أن بقاء الإسلام وبقاء الدين فوق الأرض رهين بتحقيق الأمة للاجتماع على كتاب الله، بالاجتماع اجتماع جسوم في مكان طاهر يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم. نعم القرآن نزل منجما خلال 23 سنة، لكن روح القرآن ونور القرآن نزل جملة واحدة، ولذلك حينما ننهض في هذا الشهر المبارك لتلاوة كتاب الله عز وجل وللاجتماع عليه ولختمه وللمذاكرة في بعض آيه فإننا نعيد الصلة بسر وجودنا وبروح وجود الأمة الإسلامية في هذه الدنيا، روح وجودها هو كتاب الله عز وجل وكلام الله عز وجل. ثم نستتبع بخطوة ثانية: القرآن ما نزل ليتلى فقط وإنما نزل ليتلى وليتعلم وليتزكى به: “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين”. هذا مشهد يصف لنا وظيفة النبوة، وظيفة الرسالة، أنه صلى الله عليه وسلم يجلس إلى الناس إلى الأمة الأمية يتلو عليهم القرآن الكريم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، “وآخرين منهم لما يلحقوا بهم” أي سيأتي قوم آخرون يقومون بنفس وظيفة ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، أي يتلون كتاب الله ويتعلمون الكتاب والحكمة ويزكون أنفسهم. وبناء عليه فإن تلاوتنا للقرآن الكريم هي تلاوة لسماع الأذان والقلوب، وهو تعلم للحكمة بالنظر إلى مراحل نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم واشتغاله مع الصحابة دعوة وتبليغا وهداية وتزكية للنفوس، فإن القلب إذا حشي بالقرآن الكريم صار محل رعاية الله ورحمة الله ومحل فضل الله.

سؤال: كيف نوازن بين متطلبات العمل والأسرة والتفرغ للعبادات؟

الجواب: أولا تحية إجلال وتقدير للمرأة المغربية المؤمنة المسلمة، ويفرحني كثيرا أن أرى النساء الطاهرات العفيفات الصالحات يتوافدن إلى المساجد في صلاة التراويح، بل إني أتحسس في اجتماعاتهن أنهن يتنافسن في الختمات ويتنافسن في حفظ كتاب الله، فاللهم بارك اللهم زد وبارك، اللهم اجعل نساءنا في هذا الشعب المغربي وفي الأمة الإسلامية نساء القرآن حاملات لكتاب الله مرضعات لكتاب الله لابنائهن. نعم هذه التحية مفعمة بالتقدير لما يتحملن من عناء أشغال البيت، وفي وقتنا الحالي المرأة مجاهدة خارج البيت ومجاهدة داخل البيت، اقتحمت عقبات كثيرة فصار منها الطبيبة والمهندسة والأستاذة والتاجرة والمتخصصة في كثير من التخصصات العلمية، ومع ذلك تتحمل حمل تكاليف البيت وتتحمل مسؤوليات التربية، فهنيئا لها. لكن تختار وقتا، الوقت إن لم تنزع منه دقائق سيمر. أعجبني كثيرا في بعض المستشفيات بالمغرب يضع الطبيب أو الطبيبة، وخاصة الطبيبات، حينما ينتظر المرضى وخاصة من النساء الضعيفات يكتبون لهم في الإعلان: لا تضيع وقت الانتظار املأه بالاستغفار. ولذلك المرأة في بيتها تخصص وقتا لتلاوة كتاب الله عز وجل، ربع ساعة ثلث ساعة نصف ساعة تنتزعها، ولا نترك البرامج التي تأتي في وسائل التواصل الاجتماعي تأخذ من وقتنا، أن الوقت جزء مني، ورمضان جزء مني، وكلام الله عز وجل يناديني: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. وكلام الله عز وجل يطلب مني أن أصله صلة تامة. لابد من توازن نعم، لكن التنظيم والبرمجة الرشيدة تحقق الغايات وتفي بالمقاصد.

سؤال: هل أستمر على حفظ القرآن بدلا من الختمات لأني متأخر في الحفظ الجديد وأريد أن أغتني؟

الجواب: مفتاح الأمر حسن تدبير الزمن، حسن تدبير الوقت في هذا الشهر المبارك. إن كان الإنسان منخرطا في عزيمة حفظية مبرمجة بوقت محدد ومضبوطة بزمن يستمر فيها، مع أن يخصص لنفسه ولو ختمة واحدة، ويستمر في الحفظ حتى ييسر الله تعالى له السلكة الأولى والثانية، ثم بعد ذلك يشرح الله صدره. الذي لم يدخل في عزيمة حفظ لا أقل من أن يختم ختمات على الأقل أكثر من ختمة في هذا الشهر المبارك، ويمكن للإنسان أن يتابع مع الإمام في المسجد ختمته، وأن يخصص 20 دقيقة أو نصف ساعة لحزبين في اليوم فيكسب ختمتين، ويمكنه أن ييسر الله له في العشر الأواخر اعتكافا، وكثير من الناس يهتمون بالاعتكاف اليوم، في كثير من البيوت تجتمع العائلات على الأقل يومين أو 24 ساعة بنية الاعتكاف.

سؤال: هناك تحفيز للإكثار من الختمات، لكن كيف لا يكون ذلك على حساب التدبر والتأمل والترجمة إلى العمل؟

الجواب: مفتاح هذه المسألة أمران: الأمر الأول التدبر في كيفية نزول القرآن، والأمر الثاني أن يفرق الإنسان بين ختم القرآن وردا، ولا يجوز كما في الأحاديث أن يتكاسل المؤمن عن ختم القرآن مرة في الشهر، ومنع الشرع من ختمه في أقل من ثلاثة أيام حتى يكون توسيطا متوازنا. لكن التدبر هو تفاعل القلب مع آيات القرآن الكريم، قد يدوم التدبر في آية واحدة أو في مجموع آيات ردحا من الزمن، من الصالحين من يتدبر آية لشهور، أكثر من ذلك. وأبلغ من ذلك القرآن لم ينزل للأفراد وحدهم، نزل للجماعة ونزل للمجتمع، فاحتفاؤنا بالقرآن الكريم واهتمامنا بالقرآن الكريم وكمال اعتصامنا بالقرآن الكريم حينما يترجم إلى عمل، حينما يترجم إلى منهج حياة، حينما يترجم إلى مقاصد كلية لإحياء الإنسان. والقرآن الكريم جاء ليعطي للإنسان كرامة عليا ويعطي للإنسان حرية تامة بأن لا يعبد إلا الله عز وجل وبأن يحقق له الهداية التامة، فالقرآن كتاب هداية نعم نتلوه هذا ابتداء، ولكن ينبغي أن نعمل على تنزيله في الواقع ومداخل الواقع كثيرة: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، التي أقوم قلبيا وإيمانيا، التي أقوم سياسيا، التي أقوم اقتصاديا، التي أقوم اجتماعيا، ونكون نحن في موضع المسؤولية على أن نجعل من القرآن ومقاصده ومعانيه وأحكامه منهج حياة ينظم الحياة كلها بكافة تفاصيلها.

سؤال: في رمضان الحمد لله يكثر من يتوافدون إلى المسجد بكثرة، ولكن بعض الناس في المقابل يتهمونهم بأنهم منافقون يعبدون الله فقط في رمضان، كيف ننصح هؤلاء الذين يصفون الآخرين بالمنافقين وكيف ننصح هؤلاء الوافدين الجدد إلى المساجد في نفس الوقت؟

الجواب: صفة عباد رمضان فيها نوع من المبالغة ونوع من التجني، فالله عز وجل يفرح بتوبة عبده، ونعرف جميعا الحديث: “لله أفرح بتوبة عبده من رجل كان في فلاة فضاعت منه دابته إلى آخره”، الحديث معروف. فلكي نكون ربانيين، ونكون رحماء بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكي نكون رحماء بالناس أجمعين، ينبغي أن تنتابنا صفة الله عز وجل بفرح أي مخلوق يتوب ويرجع إلى الله. صحيح حينما غالب شاب أو رجل أو امرأة غالب عاداته التي كان يعيشها في تسعة أشهر وقال: هذا رمضان، هذا شهر التوبة، هذا شهر الغفران، فلا أقل من أن أذهب إلى المسجد، وقد لا يستطيع أن يصلي التراويح كلها فيصلي ركعتين أو أربع ركعات بعد صلاة التراويح. وأقول بالمقابل لهؤلاء الذين تغلبهم عادتهم إلى المسجد وإلى الصلاة هو مفتاح خير. يقول الحكماء: إن الله عز وجل يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن يحب. فإذا يسر لك الله يقظة في قلبك وفي وجدانك وجئت إلى المسجد فاعلم أن الله تعالى يريد أن يفتح لك بابا اسمه طريق الوصول إلى الله، طريق التوبة إلى الله، طريق معرفة الله. فلا تترك بعد رمضان أن تبحث عن الناس الطيبين الصالحين لترافقهم لتصاحبهم لتكون على طريقهم. ولذلك نسأل الله تعالى أن يمن بمسحة غفرية يرجع الناس إلى الله عز وجل، وإنه لمن المفرح أن نرى كثيرا من المثقفين ومن الأطر ومن الناس الذين كانت لهم عادات صعبة قبل رمضان يرجعون إلى الله، يسر الله لهم سبل الهداية، ونكف على أن نصف الناس بأنهم لا يعبدون إلا رمضان، فإنهم أرادوا عبادة الله وإنما يحتاجون إلى تشجيع وتحفيز وصحبة صالحة يهدي بها الله من يشاء.

سؤال: عندما يأتي رمضان نعيش يقظة ونعيش هبة، لكن كيف نحول هذه الهبة واليقظة في رمضان إلى أن تستمر معنا على طول السنة؟

الجواب: الفطرة الصافية النقية خُلقنا عليها، فما يقع في قلوبنا من شوق إلى الصفاء إلى الشفافية الروحية إنما هو شوق إلى موطننا الأول الذي خلقنا الله عز وجل عليه. فلقد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم: “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. الذي يشعر بنفحات إيمانية في شهر رمضان إنما يرجع إلى حالته الأصلية التي ينبغي أن يكون عليها، لأن الله عز وجل صفد الشياطين وهيأ الأجواء، ولكنه يربي شيئا داخل هذا الشهر هو إرادته هو عزمه. فبإمكانك أنت بعد رمضان أن تحيا حياة رمضان، تحتاج إلى جهد نعم، ولكن مفتاحها هو المحافظة على الفرائض أولا، عمارة مساجد الله وبيوت الله ثانيا، البحث عن الصحبة الصالحة للتعاون على ذلك في المساجد إن تيسر أو في البيوت، ولم لا تكون لنا لحظات جلسات إيمانية نتدبر فيها كتاب الله. وهناك أيام فاضلة للصيام هي تذكير بالشهر العظيم، يكون جميلا جدا حينما يجتمع الجيران يوم الاثنين أو يوم الخميس أو في الأيام البيض فيجتمعون على إفطار يحيون ذكريات رمضان في انتظار أن يأتي رمضان القادم.

سؤال: أصلي خلف إمام لا يحسن التلاوة في صلاة التراويح وأريد أن يتخشع قلبي لكن ليس من سبيل، ما الحل؟

الجواب: الخشوع حالة قلبية، بل أول علم يرفع من الأرض. نعم الصوت يساعد، تلاوة كتاب الله عز وجل تساعد، ولكن حقيقة الخشوع هو أن يتوجه القلب إلى الله عز وجل. حينما لا أجد في مسجد معين من لا يتقن، ولا أظن ذلك على كل حال سيكون قليلا جدا، فالأخ يختار مسجدا آخر يمكن أن يساعده على ذلك، والبحث بين جنبي في مجتمعي فإنه الحمد لله الشباب الآن يقبلون على كتاب الله ويتلونه تلاوات جيدة. ولم لا يقوم هذا الشخص وتكون له إرادة أقوى ليتعلم هو تحسين تلاوة القرآن ولو بقصار السور يتلوها في بيته لوحده حينما يتيسر له ذلك الأمر. الخشوع منشؤه الذكر، المحافظة على الأذكار المترتبة على أحوال معينة، أذكار الخروج والدخول والنوم واليقظة وغير ذلك، والجلسات الذكرية: يجلس الإنسان مستقبلا القبلة طاهرا ويتلو شيئا من كتاب الله ويردد الكلمة الطيبة، هذا الذي يحدث الخشوع في القلب مع الاستمرار.

سؤال: ما المقصود بكلمة مشروع وما الفرق بينه وبين كلمة برنامج؟

الجواب: البرنامج هو الخطوات العملية التي تنتهي بمشروع. أعطي مثالا: أنا وضعت مشروعي في رمضان هذا على أن أختم القرآن ثلاث مرات، هذا مشروع له هدف، برنامجه أن أقسم هذه الختمات الثلاث على أيام رمضان، برنامجه أن أنظر في اليوم الواحد كم أحتاج أقرأ من حزب لكي أحقق هذه الختمات. فالمشروع هو وضع مخطط للوصول إلى هدف معين، والبرنامج هو ترتيب الأعمال يوميا وأسبوعيا للوصول إلى ذلك الهدف.

سؤال: كيف نقتحم المشوشات في هذا الشهر، خاصة الهاتف أولا والإعلام التافه وغير ذلك؟

الجواب: هذا سؤال وجيه جدا. صار للإنسان مع الأسف لكل فرد مرافق يحدثه عن التفاهة 24 ساعة على 24 ساعة، ولذلك ليس هناك حل إلا إرادة وعزم بأن لا يكون لي صلة بهذه الوسائل إلا بوقت محدود مقيد، ليس له إلا هذه الإرادة، لأنه إن داوم على ذلك أخشى أن يسقط في الإدمان عليه فيضيع وقته، ونرجع إلى ما قلناه في البداية أن رمضان عمرك، أن رمضان أيامك، أن رمضان دقائقك وثوانيك، ولذلك لا يخرج رمضان إلا وأكون رابحا. لا ينظر الشخص إلى ما يعرض عليه في الهاتف أو في التلفاز، ينظر إلى الغاية من وراء ذلك: إذا شاهدت 30 حلقة من فكهات معينة ما هي الفائدة الكبرى؟ رمضان شهر إيقاظ، شهر تغيير الشخصية من جديد، والوقت من ذهب، والوقت ينبغي أن لا يضيع للإنسان. بل من ابتلاءات هذا العصر أن السمع والبصر يعرض عليه وابل من المرئيات والمسموعات التي نخشى أن تكون حجة علينا لا حجة لنا. إن كان ولا بد فليحدد الوقت وليختر المضمون المفيد المساعد على المقامات العلية عند الله عز وجل.

سؤال: هل يجوز لي قراءة القرآن في محل البيع والشراء مع العلم أني أقطع القراءة في الحزب الواحد عدة مرات بسبب الزبائن لأتاجر معهم، هل هذا فيه حرج؟

الجواب: من الجيد أن يكون للإنسان وقت خاص للقراءة، ولكن لا بأس، لا بأس أن يقرأ، وإذا جاء الزبون يضع المصحف جانبا ويتاجر معه، جعل الله تجارته حلالا مربحة طيبة، ثم يرجع إلى القرآن الكريم. وإني لأعرف سائقين للحافلات، حافلات النقل، يحفظ القرآن فيذهب من الدار البيضاء إلى أكادير بختمة ويرجع بختمة في رمضان وفي غير رمضان، تبارك الله. فأشغالنا كلها لا تمنعنا منه، كل من استطاع أن يكون القرآن الكريم رفيقه يقرأ منه ثم يعود إليه ثم يقرأ منه ثم يعود إليه، جيد جدا. وأفضل منه وأرقى منه أن يخصص في يومه وقتا ليستمع لكلام الله من أكابر القراء في هذه الأمة العظيمة أمة القرآن الكريم، رفع الله شأنها ويسر أمرها وبلغها مقصودها.

وفي كلمة أخيرة للدكتور عبد الصمد الرضى دعى كل المشاهدين إلى أن يكثروا من الدعاء مع المظلومين المقهورين، وأن يكون ما تحمله إخواننا في غزة وفلسطين من ابتلاء سببا في توبتنا ورجوعنا. فإن كان القرآن هو الذي يسر لهم تلك القمة العالية فلا أقل من أن نكون نحن رفقاء للقرآن لا نتركه بعد نهاية رمضان. أسأل الله تعالى أن يكتبنا جميعا من العتقاء، ومن له وقت في العشر الأواخر فليعتكف ولو يوما واحدا تقربا إلى الله عز وجل.