مظاهر التطبيع في المغرب: صمت السلطة ورفض المجتمع
ستة أسباب لرفض المغاربة لمظاهر التطبيع
يتابع المغاربة بقلق بالغ تطورات حضور الكيان “الإسرائيلي” اللافت والمتزايد في الفضاءات العامة والخاصة. إذ لا يحتاج المتابع العادي إلى مجهود كبير ليدرك أن الأمر يتعلق بخطة ممنهجة ومتدرجة، تروم تحقيق مساحة واسعة من التطبيع والتقبل الشعبي لوجود الكيان الصهيوني بالساحة المغربية. فبعد سنوات من العلاقات غير المعلنة، جاءت الاتفاقية الرسمية سنة 2020 لتخرج تلك العلاقات إلى دائرة الضوء وتعطيها بعدا رسميا مؤسساتيا. إلا أن ذلك لم يقف عند الحدود الديبلوماسية بل شمل مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والتربوية والرياضية وغيرها. ولأن طموح الكيان واسع وجشعه طافح فإنه لم يكتف بذلك، بل طمع أيضا في تحقيق تغلغل شعبي يغير من خلاله تمثلات ومواقف المغاربة اتجاهه واتجاه تاريخه الاستعماري والدموي، مستغلا في ذلك الحضور اليهودي بالمغرب وتسامح المغاربة مع مختلف الديانات والمعتقدات.
فَمِن رفع علم الكيان قرب الحدود مع الجارة الجزائر، إلى طقوس تلمودية غير مسبوقة أمام أحد أسوار مراكش التاريخية، وأخرى بأكادير، وتحركات مشبوهة بالناظور والصويرة… فضلا عن اقتحام المؤسسات التعليمية والجامعية وترسيخ مناهج “التربية على التطبيع”… مع الحرص على تصوير كل تلك التحركات ونشرها، وتجييش كتائب صهيونية في المواقع الاجتماعية للترويج لها والدفاع عنها وتبريرها، بغرض صناعة رأي عام مساند ومتقبل للوجود “الإسرائيلي” في الفضاء العام بعد اقتحام الكثير من الفضاءات الخاصة. وقد أثار هذا الحضور الممنهج نقاشاً واسعاً، وطرح أسئلة، وأفرز تخوفات من مآلاته على سيادة الدولة واستقلالية قرارها، وعلى قيم المجتمع وهويته الحضارية والدينية التي ترسخت خلال قرون طويلة. تخوفات يمكن أن نحدد مبرراتها في:
1. الصمت المريب الذي تمارسه السلطات إزاء ما يقع ويتكرر ويتمدد: فلا هي تدخلت لتطويق هذا التغلغل، ولا هي صرحت بأنه يتم بموافقتها وترخيصها، ولا هي خرجت تطمئن المغاربة على بلادهم وهويتهم ودينهم وسيادتهم التي نصبت نفسها للدفاع عنها. بل تركت الأمر للتفاعل المجتمعي، لعل تتالي الصدمات يضعف حس المقاومة الشعبية الرافضة لأي وجود للكيان ورموزه في الفضاءات العامة والخاصة.
2. الفجوة الواضحة بين توجهات الدولة والرأي الشعبي العام: إذ لا يمكن فصل هذه التخوفات عن الفجوة القائمة بين الموقف الرسمي والتوجه الشعبي. فالمؤكد هو أن الغالبية العظمى من المغاربة ترفض التطبيع مع الكيان، رغم استمرار العلاقات الرسمية. وبينما تسعى الدولة إلى تطوير تلك العلاقات، يبقى جزء من الرأي العام متحفظاً والجزء الآخر معارضاً لهذا المسار. هذه الفجوة تجعل أي مظهر من مظاهر الحضور “الإسرائيلي” في الفضاء العام محمّلاً بدلالات تتجاوز طبيعته المباشرة، ويصبح مثيرا لمزيد من التخوفات وسريع الاشتعال والرفض في النقاشات العمومية.
3. رمزية الفضاء العام باعتباره خطوة متقدمة جدا في التسرب: فأي حضور مرئي (أعلام، طقوس، سلوكيات مميزة) لا يمكن أن يُفهم إلا أنه استفزاز وتهديد ديني وسياسي وسيادي، وليس مجرد نشاط سياحي عادي. وإن مخالطة المغاربة للعمل السياحي وخبرتهم الطويلة فيه يجعلهم يدركون الحدود الفاصلة بين السياحي والسياسي. كما أن استعداد المغاربة لاستقبال السياح من مختلف الديانات لا يعني تقبلهم للاستفزازات واستعراض الطقوس الدينية داخل الفضاء العام، وهو ما تقوم به المجموعات “الإسرائيلية” عمدا، والذي لا يمكن أن يصنف بأي شكل من الأشكال ضمن الجولات السياحية البريئة.
4. السياق الإقليمي الذي يتميز بانفضاح همجية وعدوانية ودموية الكيان “الإسرائيلي”: فالمغاربة يعرفون حقيقة هذا الكيان منذ عشرات السنين ككيان يثير الحروب في كل أطراف الأمة العربية والإسلامية. وقد كانت حرب الإبادة الأخيرة التي قام بها في غزة برهانا آخر على أنه كيان يمكن أن يتجاوز جميع الحدود التي تفرضها الأعراف والقوانين الدولية، بل حتى أبسط القواعد الأخلاقية بين البشر، حيث تفنن جنوده في قتل النساء والأطفال والرضع، وفجروا المساجد والمدارس والمستشفيات، واستهدفوا الصحفيين والأطباء وحتى طواقم الإغاثة، دون أن يشعروا بأي خزي أو عار. بل إنهم يصورون أنفسهم وهم يتلذذون بارتكاب جرائمهم قبل أن يستقلون طائراتهم للسياحة والاستجمام، فلم يعد ممكنا التنبؤ بما يمكن أن يفعلوه من فضائع. فكيف ينتظر من المغاربة أن يتقبلوا مجرما يتسلل ليحتل فضاءهم العام دون أن يثير ذلك قلقهم واشمئزازهم وخوفهم على مستقبل وطنهم.
5. الارتباط الوجداني والمبدئي والديني للمغاربة بالقضية الفلسطينية: فهذا يشعرهم بأنهم يرتكبون خيانة عظمى حين يسمحون للمحتل القاتل بالفرح والمرح والاستجمام بعد ارتكاب المجازر في حق من يعتبرونهم إخوة في التاريخ والدين والحضارة والجغرافيا. تماما كما يشعر أي شخص سوي حين يرى قاتل أخيه في وضعية فرح، ويزداد الأمر ألما حين يكون هذا القاتل في داره يستمتع بشمسه وهوائه وخيراته. يرتبط هذا القلق، في جزء كبير منه، بطبيعة الموقف الشعبي المغربي المتجذر في الوعي الجماعي التاريخي من القضية الفلسطينية. فقد ظل المغاربة، بمختلف توجهاتهم، يعبرون عن دعم قوي للفلسطينيين ورفضهم لسياسات الكيان المحتل. وحتى وإن كان الزوار “إسرائيليون” من أصول مغربية فإن هذا لا يسقط عنهم تهمة الاحتلال والاعتداء والقتل والمشاركة في الإبادة.
6. أحداث المنع والمحاكمات التي يعرفها المتضامنون مع الكيان: فهذا المنع المتكرر يؤكد للمغاربة أن الدولة تجردهم من إمكانياتهم المادية والمعنوية لمواجهة الخطر الداهم الذي يستهدف بلدهم ودينهم وثقافتهم، مقابل توفيرها لشروط حضور هذا الورم السرطاني في جسد الدولة والمجتمع والسماح له بالنمو والتضخم. وقد كان آخر أحداث هذا التضييق هو منع رئيس الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، عبد الصمد فتحي، من المشاركة في أسطول الصمود، والحكم على الشاب الفنان صهيب قبلي بثمانية أشهر حبسا نافذا بسبب أغانيه المناهضة للتطبيع، فضلا عن معتقلين آخرين منهم من أنهى مدة محكوميته ومنهم من لايزال قابعا في السجون ومنهم من لايزال خاضعا لمحاكمات ماراطونية بسبب موقفه من التطبيع والتمدد الصهيوني ببلادنا.
في المحصلة، يعكس الجدل حول الحضور “الإسرائيلي” في الفضاء العام بالمغرب توتراً أعمق بين السياسة والهوية، وبين الخضوع الدبلوماسي والمواقف المبدئية للشعب. وهو نقاش مرشح للاستمرار، ما دامت أسبابه قائمة، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية وحساسية القضية الفلسطينية. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي المطروح هو ناقوس الخطر الذي طرق عند المغاربة، وعليهم أن يتحملوا كامل المسؤولية في إنقاذ بلدهم، لأن الأمر يتعلق بسيادة المغرب ووحدته واستقلاليته وحضارته ودينه، ولا يجوز ترك كل ذلك في مواجهة أطماع مشروع صهيوني امبريالي توسعي يتستر خلف اليهود المغاربة، ويبدأ بالإيحاءات ويُفرض بالإملاءات لينتهي بالمستوطنات.