مفهوم التبرج في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

Cover Image for مفهوم التبرج في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله
نشر بتاريخ

ساهم الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله من خلال مشروعه المنهاجي، في بسط مفاهيمَ جديدةٍ، وذلك بالاعتماد على عمق وثراء اللغة العربية الفصحى – لغة القرآن والسُّنَّة – للغوص في معانيها الدفينة، بما أن اللغة العربية هي حاضنة الشريعة الإسلامية وهي وعاء الإسلام ومستودع ثقافته.

“يُروَى أن الخليفةَ الراشدَ عليًّا بنَ أبي طالب رضي الله عنه، هو الذي وجَّه أبا الأسود الدُّؤَلي إلى أن يضع أصول علم النحو، حفاظًا على اللغة العربية من الضياع” 1، وذلك حين بدأ العجم يختلطون بالعرب.

كان ذلك وهم يومئذٍ أهل الفصاحة والبلاغة، فكيف هو الحال في زماننا بعد أن مرت أكثر من أربعة عشر قرنًا عندما كانت اللغة العربية في أوج عصرها؟! ونحن في هذه الأيام غير بعيدين عن الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل استطاع العلماءُ السابقون المفسرون لٱيات القرآن فهْمَ كُنهِ كلِّ معاني اللغة العربية التي نزلت بها آيات الذكر الحكيم؟ أم إننا في حاجة دائما إلى علماء الاجتهاد والتجديد من أجل التوصل إلى الفهم الصحيح عن الله؟

للإجابة عن هذ السؤال المكوَّن من شقَّيْن، نحن في حاجة إلى علماء الدين واللغة الذين ينيرون لنا الطريق.

وهذا ما حرص عليه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في مشروعه المنهاجي، وهو الذي كان دومًا صاحبَ إشارات هامة في مجموعة من القضايا الفكرية المختلفة، مُذكِّرًا في طروحاته المتعددة بأهمية اللسان العربي – الذي أخذ درجة الشرف والرفعة من القرٱن الكريم – في فهم أبعاد النصوص القرآنية وأحكام الشريعة الإسلامية.

ولا عجب في ذلك، إذْ كيف لمشروعٍ منهاجيٍّ القصدُ منه نهوض الأمة الإسلامية من سُباتها أن لا تكونَ اللغةُ العربيةُ أسمى أولوياتِه؟!

ومن المفاهيم المنهاجية التي طالتها معاني التجديد في فكر الإمام رحمه الله – وما أكثرها – مصطلح” تبرج” الذي جاء في قوله عز وجل: “ولا تبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولى” [الأحزاب: 33]. حيث كتب موضحًا هذا المفهوم بقوله: “تبرجت المرأة معناه في أصل الدلالة اللغوية: خرجت من برجها، وغلب اصطلاح المفسرين وتخصيص القرٱن للفظة فانصرفت الدلالة إلى إظهار المرأة مفاتن جسمها وزينتها. والقرٱن أنزله الله تعالى بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، فلا حرج إنْ رجعنا إلى الجذر اللغوي لنُعمِّقَ فهم التبرج” 2.

ويضيف رحمه الله في توضيح المفهوم نفسه: “إظهار الزينة بقصد الإغراء وكشف ما يجب ستره من أعضاء الجسم مَعاصٍ وفسق، ومشاركة في نشر الجاهلية ومساهمة في الحياة الجاهلية” 3.

هنا يرشدنا الإمام كيف أن تبرج الجاهلية بمدلوله الواسع يشير إلى أنَّ المرأةَ المؤمنةَ في معركةٍ دائمةٍ مع الجاهلية، تتصدى لكل ضربات العدو المتربص بها وبأبنائها وأسرتها من داخل حصنها الاستراتيجي العالي، مبعدة كل القيم الأخلاقية الدخيلة التي فيها جاهلية، والتي من شأنها أن تؤثر سلبا على مملكتها الخاصة.

موضحًا – رفع الله مقامه في عليين – المعنى الحقيقي للتبرح بقوله: “لكن التبرج الكلي هو خروج المرأة من برجها الإسلامي مَظهرا ووظيفة وأخلاقا ودينًا. هو مَيْلها عن الإسلام وخيانتها لمهمتها الحربية القتالية في صد الجاهلية والدفاع عن الإسلام وإرساء ركائزه وتشييد بنيانه. كلمة برج كلمة جهادية، والتبرج بالمفهوم الجذري، تخلي المسلمة المؤمنة عن حظها من الجهاد… فإن على المسلمات أن يرابطن في أبراج الدفاع التربوي أساسًا، ثم مساعدة المسلمين الرجال في الشؤون الجهادية الأخرى” 4.

بهذا المدلول الشمولي المنهاجي لمعنى التبرج يكون الإمام قد أبرز دور المرأة الطلائعي في نصرة الأمة وتربية الأجيال الصاعدة على خصال الإيمان. وتقديم العون والمدد لإقامة دولة الإسلام ووحدة المسلمين.

وفي الختام؛ نحمد الله تعالى الذي أكرمنا إذْ جعل اللغةَ العربيةَ لنا لسانًا، وزادنا بها شرفًا ورِفعةً، حين أنزل الذكرَ بحروفِها قرآنًا وبيانًا، واصطفانا بها أمة دون العالمين، وأنار لنا الطريق بعلماءَ مجددين لهذا الدين، فضلًا منه وإحسانًا.


[1] الهاشمي، أحمد، القواعد الأساسية للغة العربية، ص 13، 14.
[2] ياسين، عبد السلام،  تنوير المؤمنات، 110/1، تبرج الجاهلية.
[3] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 111/1، تبرج الجاهلية.
[4] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 111/1، تبرج الجاهلية.