مقاصد الحافظية عند الأستاذ عبد السلام ياسين

Cover Image for مقاصد الحافظية عند الأستاذ عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

يعد علم المقاصد من أهم العلوم الضرورية في وقتنا الحاضر، لما يقدمه من ثمرات وما يسده من ثغرات، حيث “أن أي شيء لم تعلم مقاصده، أو لم تراع ولم تتحر عند استعماله أو التعامل معه، فقد ضاعت حقيقته وقيمته وفائدته، ولو بقي منه ما بقي. وهنا نستحضر كلمة الشاطبي: «المقاصد أرواح الأعمال»” (1)، وبالتالي لابد أن نراعي روح ومقاصد الأشياء.

ويعد الأستاذ المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى من عظماء الصحوة الإسلامية المعاصرة، فقد قام بتفعيل الفكر المقاصدي في مجالات اجتماعية وسياسية واقتصادية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، فقد تحدث عن مقصد تحقيق العبودية والتوحيد، وعن مقصد القيام بالعمارة والاستخلاف، وتحقيق الشهود الحضاري، وعن مقصد حفظ الفطرة، وعن مقاصد العدل وتحقيق الشورى والوحدة، والإحسان الذي جعله غاية كبرى.

لقد وُفق الأستاذ عبد السلام ياسين في تنزيل نظرية المقاصد وفكرها على المرأة ومجالات عملها، وتفعيل الفكر المقاصدي في كل ما يتعلق بها، سواء فيما تعلق بالضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات.

يقول رحمه الله بناء على قوله تعالى فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ (2): “فلا صلاح للمرأة إلا بحافظيتها، وماذا تحفظ إن ضيعت البيت وضيعت النسل؟” (3). فمقصد حفظ البيت ومقصد حفظ النسل من أعظم المقاصد الضرورية التي أنيطت بالمرأة.

إلا أن الفقه المنحبس المتسلح بفقه سد الذرائع قرأ النصوص قراءة سطحية لا تعبر عن مقاصد الشريعة، ولا تلامس جوهر الدين ولا مصالحه المرسلة، فقصر المقاصد المتعلقة بالمرأة على حفظ النسل، غير أن النموذج الذي ينبغي أن يحتذى به هو ذاك الذي صنعته تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث “كانت المرأة حاضرة أقوى حضور يومئذ. لم تكن حبيسة بين الجهل والاستقالة من الحياة. كانت المرأة تمارس السياسة في أكمل مظاهرها إذ كانت تناهض الوضع القائم، بل كانت مؤسسة لمشروع قلب العالم. كانت روحا من روح التعبئة، وطاقة من طاقات الجهاد” (4).

روى ابن جرير الطبري بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالِكَ” (5).

“في الحديث الشريف تتميز ملامح الحافظية، ويظهر لفظها، في نطاق الحياة الزوجية. استقرار البيت المسلم الذي ينظر فيه الزوج إلى زوجه فتسره. يعني ذلك أنه يحبها ويسكن إليها، لا أن شرطها أن تكون فاتنة الجمال الجسدي. ذلك يذبل ويبقى جمال الخلق وكمال الحافظية (..) “إذا غاب حفظته في نفسها وماله”. في نفسها عفة وشرف. في ماله تدبير للنفقة واقتصاد. وها هي المرأة دخلت على مقاصد الشريعة العليا من باب واسع” (6).

حفظت نفسها ونسلها ومال زوجها، وبتعبير الإمام الشاطبي للحفظ، بقي للمرأة حفظ الدين وحفظ العقل، و“هل ينحفظ شيء من أمانات النساء إن لم يكن إيمانهن باعثا، وعقلهن مدبرا؟ … الدين الذي هو رأس المقاصد وغاية الغايات، يُرْضَع من ثدي الأمهات الصالحات القانتات الحافظات. وتعهُّدُهن لجسوم الأطفال ونباتها وغذائها وصحتها كتعهدهن للعقل الناشئ، يأمرن بالحسن، ويزجرن عن القبيح، ويجبن عن الأسئلة، ويلقِّنَّ اللغة” (7).

“وهكذا نقرأ الحافظية بمفتاح الفهم النبوي، فنجدها شاملة، مسؤولية لا تنحبس في جدران بيت الزوجية، وفي هموم المعاش اليومي” (8) .

هذا بالنسبة للنظرة المقاصدية للحافظية على مستوى الضروريات الخمس، أما موقعها على مستوى الحاجي، يقول الإمام المجدد رحمة الله عليه: “نلمَحُ ما يمكن للصالحات القانتات الكاملات عقلا ودينا أن يساهمن به في التوسعة ورفع الحرج والمشقة. يعني أن الجانب العاطفي الإنساني الإحساني البِرِّي الذي فطرت المرأة عليه مقصِد سام من مقاصد الدين” (9).

أما على مستوى التحسيني، فالمرأة حباها الله من المؤهلات اللطيفة والقدرات الرقيقة ما به تستطيع أن تورث العادات الحسنة للأجيال وتدفع المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، يقول الإمام المجدد رحمة الله عليه: “الصالحات القانتات أرَقّ من عرف الأليف، وميز الحسن والأحسن، وأوْرث العادات الحسنة، وترفع عن المدنَّسات الملوِّثات، وأنِفَ مما تأنفُ منه العقول الراجحات” (10).

إذن تقوم المرأة من البيت بإتقان لدورها الوظيفي؛ وهو حفظ النسل وتعهد العقول والجسوم وصون حقوق الزوج، وتمتد إلى خارج البيت حيث تدخل المرأة في الولاية العامة مع الرجل، ولها فيها المسؤولية العظمى تأكيدا على مكانتها في واجب السهر على دين الله وحمل العبء ودعم البناء. يقول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر (11).

يقول الإمام المجدد: “حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شُغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه” (12). وبما أن مجالات إرضاء الخالق سبحانه لا حدود لها، فكذلك مجالات عمل المرأة وجهادها ومساحات تفعيل مقاصد حافظيتها، وأبواب الجهاد المفتوحة في وجهها تتعدد وتتنوع.


(1)  أحمد الريسوني، مقاصد المقاصد: الغايات العلمية والعملية لمقاصد الشريعة، ص5.

(2) سورة النساء، آية 34.

(3) عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، ص 959.

(4) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 312.

(5) أخرجه الطبري في تفسيره 8/295 بسند فيه أبو معشر وهو ضعيف، لكن له شواهد تقويه، منها ما ذكره الألباني في صحيح النسائي ضمن السلسلة الصحيحة.

(6) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 83.

(7) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 84.

(8) المصدر السابق، نفسه.

(9) المصدر السابق، نفسه.

(10) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 85.

(11) سورة التوبة، آية 71.

(12) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 82.