يثير موقف جماعة العدل والإحسان، القائم على مقاطعة الانتخابات التشريعية والمحلية، مقابل مشاركة أعضائها المنخرطين في العمل النقابي في الاستحقاقات المهنية تساؤلا يطرح في ظاهره مفارقة لدى البعض مفادها؛ كيف يمكن لجماعة تقاطع الانتخابات السياسية أن تشارك في الاستحقاقات المهنية والنقابية؟ وهل يعكس ذلك تناقضا في موقفها من المشاركة السياسية والانتخابية؟
في تقديري، لا يمكن فهم هذه المسألة إلا بالتمييز بين المشاركة السياسية في مفهومها الواسع، والمشاركة الانتخابية باعتبارها إحدى آلياتها، ثم بالنظر في طبيعة المؤسسات المنتخبة ووظائفها وسقف صلاحياتها، فالمشاركة ليست قيمة مجردة منفصلة عن شروطها وغاياتها، كما أن الانتخابات ليست كلها ذات وظيفة واحدة أو ذات أثر سياسي متطابق.
أولا: سؤال المبدأ والوسيلة في المشاركة السياسية والانتخابية
يبدو أن مواقف الجماعة وممارساتها الميدانية لا ترفض، من حيث المبدأ، الانخراط في الشأن العام والتفاعل الواعي مع قضاياه الحقيقية وأسئلته الملحة، بما فيها الانتخابات باعتبارها آلية ديمقراطية في ذاتها، لكن بشرط الالتزام بمقتضياتها القانونية ولوازمها الأخلاقية التي تدعو إلى النزاهة والحرية والاستقلالية، ونبذ التحكم والفساد، والتي تربط السلطة بالمحاسبة، بما يضمن قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة اختصاصاتها وتطبيق برامجها واتخاذ قرارات مسؤولة ومستقلة تعكس إرادة المواطنين، وتنعكس على حياتهم في نيل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
هذا الفهم ينسجم مع أدبيات الجماعة وتصورها السياسي العام الذي ينظر إلى العمل السياسي في صلته بقضايا العدل والشورى والحرية والكرامة وإصلاح المجتمع، ويمنح المشاركة في المؤسسات والاضطلاع بالمسؤولية العامة معناها في ضوء هذه القضايا والمقاصد.
ويمكن بالمناسبة الرجوع إلى حوار الأستاذ متوكل الذي صرح فيه أن الانتخابات بصيغتها وشروطها الحالية ما هي إلا خدعة، تتكرر بشكل فج دون كلل ولا ملل، لإبقاء الوضع الفاسد على ما هو عليه، بخلاف بما تعنيه هذه الانتخابات عند عقلاء الناس؛ ذلك أن بعض الوجوه قد تتغير معها، لكن السياسات التي تخدم مصالح فئة محددة، والتدبير الفاسد لشؤون البلد لا تتغير 1.
وعليه، فإن المشاركة السياسية تتجاوز التصويت والترشح لتشمل الحضور في قضايا الشأن العام والنقاش العمومي، والانخراط في العمل الاجتماعي والنقابي، والدفاع عن الحقوق والحريات، إلى جانب ممارسة النقد والاحتجاج السلمي والمساهمة في بناء الوعي المجتمعي.
وتندرج مقاطعة انتخابات معينة ضمن هذا الفهم للمشاركة السياسية، إذ لا تعني بالضرورة مقاطعة السياسة أو الانسحاب من المجتمع؛ فقد يكون الامتناع عن التصويت نفسه في بعض السياقات، موقفا سياسيا احتجاجيا مقصودا، تماما كما يمكن أن يكون التصويت تعبيرا عن موقف سياسي. وهذا ما أكده الأستاذ متوكل بأن مقاطعة الانتخابات “ليست انسحابا من الشأن العام ولا تخليا عن الاهتمام بأمر الأمة، وإنما هو موقف واع وخلاصة دراسة متأنية لتجارب من سبقونا في هذا المجال داخل المغرب وخارجه” 2.
وهنا ينبغي استحضار المرجعية الحقوقية الدولية؛ فالمادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لا تحصر المشاركة في مجرد التصويت، وإنما تتحدث عن حق المواطن في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، بصورة مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارهم بحرية، كما تربط العملية الانتخابية بضرورة أن تكون الانتخابات دورية ونزيهة وأن تتيح التعبير الحر عن إرادة الناخبين 3.
وبذلك، فإن الانتخابات الديمقراطية ترتكز على منظومة متكاملة من الحرية والنزاهة وتكافؤ الفرص، وحرية الاختيار وفعالية المؤسسات واحترام النتائج، بما يتيح للعملية الانتخابية أن تعبر عن إرادة المواطنين، وتترجم اختياراتهم في مؤسسات قادرة على ممارسة اختصاصاتها. أما في ظل الشروط الحالية، فإن الجماعة ترفض أن تبيع الوهم للناس، أو أن تعدهم بما لا سبيل إلى تحقيقه، وتؤكد في مقابل ذلك أن ما يمليه الواجب الديني والأخلاقي وقيم المروءة هو مصارحة الشعب بحقيقة الوضع، والسعي إلى إثبات ذلك عبر كل الوسائل الممكنة والمشروعة، الرامية إلى بث الوعي الصحيح وبناء الإرادة الحرة والفاعلة في المجتمع 4.
وهذا هو المدخل لفهم موقف الجماعة في التمييز بين المبدأ والممارسة في التعاطي مع الانتخابات، والنظر في شروطها السياسية والدستورية والقانونية القائمة، ومدى قدرتها على تحقيق الغاية التي يفترض أن تحققها، أي التعبير الحقيقي عن إرادة المواطنين وإنتاج مؤسسات قادرة على ممارسة السلطة والقرار وتحقيق وعودها ومشاريعها الانتخابية.
ثانيا: مبررات الاختلاف بين المقاطعة الانتخابية والمشاركة في الاستحقاقات المهنية النقابية
من هذا المنطلق، ترى الجماعة أن الانتخابات السياسية بصيغتها الحالية لا تفضي إلى مؤسسات منتخبة تملك من السلطة والصلاحيات الفعلية ما يمكنها من إحداث التغيير المنشود، وإنما تظل مقيدة ببنية سياسية تجعل القرار الفعلي خارج المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع. وقد عبرت الجماعة عن هذا الموقف صراحة، مؤكدة أنها لا تقاطع العمل السياسي أو المجتمع، وإنما تقاطع مؤسسات سياسية ترى أنها تفتقد إلى السلطات والصلاحيات التي يفترض أن يخولها الانتخاب لأصحابها. في هذا السياق يوضح الأستاذ فتح الله أرسلان خلفية هذا الموقف وحدوده، حيث قال: “جماعة العدل والإحسان لا تقاطع العمل السياسي كما يحاول البعض أن يصور ذلك، إنما تقاطع مؤسسات سياسية ليس لذاتها، وإنما لفساد تلك المؤسسات وافتقادها للسلطات والصلاحيات، التي ينتخبها الناخبون على أساسها، ونظرا أيضا لأن الإطار الدستوري والقانوني وواقع الممارسة السياسية طيلة ستة عقود لا يسمح للمؤسسات المنتخبة بممارسة الحكم، وإنما يحصر دورها في خدمة الجهات الحاكمة فعليا غير الخاضعة لا للانتخاب ولا للمحاسبة” 5.
في المقابل، فإن مشاركة أعضائها المنخرطين في العمل النقابي تتعلق بمجال محدد في طبيعته ووظيفته وسقفه التمثيلي؛ إذ تقتصر على الهيئات التي تمثل العمال والمستخدمين والموظفين في ممارسة حق مهني واجتماعي مباشر يتعلق بالدفاع عن حقوقهم وتحسين شروط العمل والمساهمة في التفاوض والحوار الاجتماعي. وهذا ما بينه الأستاذ أرسلان في ذات الحوار: “أما انخراطنا في العمل النقابي والمجتمعي المستقل فهو بديهي وأستغرب كيف تجعل منه تناقضا وهو من صميم عمل أي حركة مجتمعية ترتبط بهموم المجتمع، فنحن نقاطع المؤسسات السياسية الخادمة للاستبداد والفساد ولا نقاطع المجتمع والعمل السياسي برمته. وأعضاء العدل والإحسان بحكم عضويتهم في النقابات التي ينتمون إليها يشاركون بشكل تلقائي في انتخابات الهيئات المهنية، التي يقدرون أن لها ارتباطا مباشرا ومستقلا بخدمة العمال والمستخدمين والموظفين” 6.
يكشف هذا التصريح عن اختلاف واضح في طبيعة المجالين من حيث المؤسسة والاختصاص، والغاية وسقف التأثير. وهنا تحديدا تزول المفارقة الظاهرة؛ فالمشاركة في الانتخابات التشريعية أو المحلية تتعلق بإنتاج مؤسسات سياسية يفترض أن تساهم في التشريع وتدبير الشأن العام وممارسة السلطة العمومية، بينما المشاركة في الاستحقاقات المهنية والنقابية في السياق الذي ذكرنا، تتعلق بانتخاب ممثلين للدفاع عن المصالح المهنية والاجتماعية والإدارية، وتظل المشاركة النقابية في هذا السياق ممارسة داخل مجال محدد، تحكمه قواعده ووظائفه وأهدافه. ومن ثم، فالمعيار الذي يمكن أن يساعد على فهم هذا الموقف، يرتبط بطبيعة المؤسسة المنتخبة وسقف صلاحياتها وبجدوى المشاركة فيها، والأهم من ذلك ما يتعلق بطبيعة البنية الدستورية والسياسية والقانونية التي تجري فيها العملية الانتخابية برمتها. وتتضح أهمية هذا المعطى بالنظر إلى ما أقرته الوثيقة الدستورية، من تعدد أشكال المشاركة في الحياة العامة؛ فالفصل 29 من دستور 2011 يضمن حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي، كما يضمن حق الإضراب 7، بما يعكس اتساع مجال المشاركة في الحياة العامة وتعدد صورها.
ثالثا: حق التصويت بين الواجب الوطني والإلزام القانوني
يبقى الجانب الآخر من المسألة مرتبطا بما يثار أحيانا من استغراب لموقف الجماعة، بل وربما بتحويل المقاطعة إلى معيار لقياس درجة الانتماء للوطن.
وهنا أعتقد أنه من الضروري العودة إلى الفصل 30 من دستور 2011، الذي ينص على أن: “التصويت حق شخصي وواجب وطني” 8، للتمييز بين دلالة الحق والواجب في هذا النص. إذ لا شك أن الجمع بين “الحق” و”الواجب” يحمل دلالة قوية على أهمية مشاركة المواطنين في الحياة العامة، خاصة أصحاب الحياد السلبي، أما من ينخرط عن إرادة واعية ومستقلة في نقد شروط ممارسة هذا الحق، فهو في صلب المشاركة السياسية وإن اختار سبيل المقاطعة.
علاوة على ذلك، تقتضي القراءة القانونية الدقيقة لهذا النص التمييز بين الواجب الوطني باعتباره قيمة دستورية ذات بعد مدني وأخلاقي، وبين الإلزام القانوني المقترن بالجزاء عند اختيار المقاطعة؛ فالنص الدستوري لم ينص على أن التصويت «إلزام قانوني» تترتب على تركه عقوبة زجرية، والأهم أن الحق في التصويت يفترض بالضرورة حرية الاختيار؛ فلا معنى لحق انتخابي إذا كان المواطن مجبرا على اختيار لائحة أو مرشح لا يقتنع به، ولذلك فإن المقاطعة متى كانت سلمية وتمارس في إطار القانون، تصبح تعبيرا عن موقف سياسي أو احتجاجي واع، وليست بالضرورة دليلا على اللامبالاة أو انعدام الوطنية.
في هذا الإطار، تؤكد المرجعية الدولية لحقوق الإنسان أن الانتخابات ينبغي أن تعبر عن الإرادة الحرة للناخبين، وأن المواطن يجب أن يكون قادرا على اختيار ممثليه دون إكراه أو ضغط غير مشروع.
وعلى هذا الأساس، يبدو من الغرابة تحويل هذه المسألة إلى معيار لقياس درجة الانتماء للوطن؛ فالوطنية أوسع من التصويت، والمواطنة أوسع من المشاركة الانتخابية، والمشاركة في الشأن العام أوسع من الانتخابات نفسها. فقد يصوت مواطن عن قناعة، وقد يصوت آخر احتجاجا، وقد يمتنع ثالث عن التصويت لأنه لا يجد في الخيارات المعروضة ما يعبر عن قناعته، وقد يقاطع رابع العملية برمتها اعتراضا على شروطها ومخرجاتها. وهذه مواقف سياسية مختلفة ينبغي احترامها ومناقشتها بالحجة والوقائع، دون تجريمها أو تحويلها إلى محاكمات للنوايا والوطنية.
خلاصة القول؛ إن النقاش الديمقراطي الرصين ينبغي ألا ينشغل فقط بسؤال من شارك ومن قاطع؟ بل يتعين أن يتجاوز ذلك إلى أسئلة أعمق تتصل بجوهر العملية الديمقراطية ومخرجاتها، هل تعكس المؤسسات المنتخبة إرادة المواطنين فعلا؟ وهل تتمتع بالصلاحيات والاستقلالية الكفيلة بتمكينها من ممارسة اختصاصاتها وصناعة القرار؟ وهل تسهم الانتخابات في إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس؟ والأهم من ذلك ما الخطوات السياسية والإجرائية اللازمة لمعالجة هذه الاختلالات، وتوفير شروط مشاركة نزيهة وفاعلة ومؤسسات قادرة على الاضطلاع بأدوارها؟
في ضوء مقتضيات منظومة العملية الديمقراطية، واستنادا إلى ما عبرت عنه الجماعة في مواقفها السياسية، فإن معالجة هذه الاختلالات وفق تصريح الأستاذ متوكل 9، تقتضي جملة من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، من أبرزها:
– إقرار دستور جديد شكلا ومضمونا، يضمن الفصل بين السلطات، ويمنح مؤسسات الحكم الصلاحيات الفعلية التي تمكنها من ممارسة وظائفها بصورة طبيعية، بما يربط المسؤولية بالمحاسبة ويكرس مبدأ المساواة أمام القانون.
– إقامة برلمان يعبر عن الاختيار الشعبي، ويتمتع بالقدرة الفعلية على ممارسة وظائفه التشريعية والرقابية، بما يجعله مؤسسة فاعلة في صناعة القرار العام.
– تشكيل حكومة مسؤولة وذات صلاحيات فعلية، تمكنها من تنفيذ البرنامج الذي نالت على أساسه ثقة الناخبين، وتحمل المسؤولية السياسية عن تدبير الشأن العام.
– ضمان استقلال القضاء، بحيث يمارس وظيفته وفقا للقانون بعيدا عن التعليمات والتدخلات التي قد تؤثر في استقلال قراراته.
وعليه، فإن قيمة الديمقراطية لا تختزل في مجرد تنظيم الانتخابات أو تسجيل نسب المشاركة فيها، وإنما تتصل بتوافر شروط متكاملة، في مقدمتها حرية الاختيار ونزاهة العملية الانتخابية، وفعالية المؤسسات المنبثقة عنها واستقلالها في ممارسة اختصاصاتها، وقدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية وترجمتها إلى سياسات وقرارات مسؤولة. ومن ثم فإن تقييم التجربة الديمقراطية يظل مرتبطا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل الإرادة المعبر عنها في صناديق الاقتراع إلى ممارسة مؤسساتية فعلية ونتائج ملموسة في حياة المواطنين.
[2] حوار الأستاذ عبد الواحد متوكل مع موقع صوت المغرب، م. س.
[3] ينظر: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة: 25.
[4] حوار الأستاذ عبد الواحد متوكل مع موقع صوت المغرب، م. س.
[5] المصدر نفسه.
[6] المصدر نفسه.
[7] ينظر: الدستور المغربي لسنة 2011، الفصل 29.
[8] الدستور المغربي لسنة 2011، الفصل 30.
[9] حوار الأستاذ عبد الواحد متوكل مع موقع صوت المغرب، م. س.