مقام الداعي إلى الله في فكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله (2)

Cover Image for مقام الداعي إلى الله في فكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله (2)
نشر بتاريخ

رأينا فيما سبق أن الدعوة إلى الله في فكر الإمام المجدد ـ رحمه الله ـ لها مقام خاص*، باعتبارها تنتسب إلى الله في أعلى مقاماتها، وباعتبارها وراثة للنبوة في أسمى وظيفة لها، فهي بذلك لب الأمر كله. ومقام الدعوة بالنسبة للدعاة شرف عظيم لحمل الرسالة والدلالة على الخيرـ وهي أيضا مهنة شريفة لا ينبغي تركها، لأن في تركها ضياع للجماعة المجاهدة، مادامت تجمع في دعوتها بين مطلبي العدل والإحسان. ومقام الدعوة إلى الله في فكر المرشد ـ رحمه الله ـ يقتضي أن يكون للدعاة حاملي الرسالة مقام يناسب هذه المهنة الشريفة، من خلال مواصفات تربوية وأخلاقية وعلمية يتصفون بها. وقد تحدث الإمام المرشد ـ رحمه الله ـ عن مقام الدعاة إلى الله ومواصفاتهم كما يلي:

ـ الدعاة إلى الله وتصحيح النية والصدق في الطلب وتلك هي المنزلة العظمى

وأول منزلة يجب أن يتحقق بها رجل الدعوة هي تصحيح النية والصدق في الطلب في أرض العبودية والمحبة والقربة، لأن من فاته الله فاته كل شيء، ولأن تألق مصير الجماعة لا يغني عن هذه المنزلة العظمى عند الله، يقول الإمام المرشد ـ رحمه الله ـ: «… اللهم استخلصنا لنفسك. فاتك تصحيح النية والصدق في الطلب والصواب في التوجه. وتلك هي المنزلة العظمى. لا يغنيك تألّق مصير الجماعة، ولا تمكين دين الله في الأرض، ولا فلاح من أفلح، ولا اختلاف من اختلف إن لم تتحقق لك أنت مع الله جل شأنه رابطة العبودية والمحبة والقربة لتكون من الذين إن تقربوا إليه شبرا تقرب إليهم باعا، وإن تقربوا إليه بالفرض والنفل صادقين صابرين منتظرين داعين راجين خائفين قربهم وكان سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم. ويحك! إن لم تصحح القصد وتصدُقْ في الطلب قيل لك يوم يكلَّل هامُ الأمة بتاج الخلافة في الأرض: قم، فقد استوفيت حقك، ونلت ما كتب لك، وأُعْطيتَ سُؤْلك، لم تطلب الله يوما. ومن فاته الله فاته كل شيء. ويحك! طلبت منه النصر والجنة، ما طلبت قربه والنظر إلى وجهه! وما طلبت مقعد الصدق عنده مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ضاع عمرك!» 1. وفي هذا تحذير شديد منه ـ رحمه الله ـ للدعاة إلى الله. فهل من مستجيب؟

ـ الدعاة إلى الله حلقة في موكب النور

خاطب الحق سبحانه وتعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله في قوله تعالى ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[سورة النحل، الآية 125.]. ومن قبل أمر الحق سبحانه وتعالى رسله ـ عليهم السلام ـ بتبليغ الدعوة إلى الله تعالى، وهي سلسلة نورانية ممتدة عبر الزمان. لذلك كان ربط الدعوة إلى الله بهذه السلسلة النورانية حاضرا في فكر الإمام المجدد ـ رحمه الله ـ حين دعا الدعاة إلى الله بالارتباط بموكب النور، حيث يقول ـ رحمه الله ـ: «وأن نربط دعوتنا، معشر الإسلاميين، موكب النور، موكب النبيئين والشهداء والصالحين منذ آدم عليه السلام إلى عيسى ـ عليه السلام ـ حين تنزل بالعدل والإسلام، ينبغي أن نرفع الدعوة إلى الله ونربطها بحلقات السلسلة النورانية من رجال الدعوة إلى الله الذين دانوا الله بالإسلام لا فرق في ذلك بين آدم وإبراهيم الذي سمانا مسلمين ومحمد الأمين عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام» 2.

 وكذلك كان الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ نماذج عالية وغالية لرجال الدعوة، يقول الإمام المجدد ـ رحمه الله ـ: «تلك نماذجنا العالية الغالية: رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وصحبُه المجاهدون. لا الأبطال التاريخيون الجبابرة الذين كانوا في الدنيا كالجبال، وهم وأعمالهم في الآخرة هباءٌ منثور” 3. فرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام كانوا نماذج عالية للدعاة إلى الله في هذه السلسلة النورانية من هذا الموكب العظيم.

ـ الدعاة إلى الله وشروط التربية الثلاث (الصحبة والجماعة ـ الذكر ـ الصدق)

فالدعوة إلى الله في هذا المقام الذي أشار إليه الإمام المجدد ـ رحمه الله ـ لا يقوم بها إلا من عرف الله… وعقد العزم على الانخراط الكامل في موكب النور، من أجل ذلك دعا ـ رحمه الله ـ الدعاة إلى الله إلى تعميق الصحبة والجماعة والصحبة في الجماعة، بصدق الطلب والإكثار من الذكر، حتى تكون دعوتنا إلى الله على بصيرة وبينة، لا دعوى بدون برهان. يقول الإمام المجدد ـ رحمه الله ـ «باب الدعوة الصحبة، فكن كلمة الحق التي لا تخجل، ووجه الخير الذي لا يعبس إن جاءه الناس، بل يسعى هو إلى الناس.ـ ساعي الخير كن، وكن حيث يحب الله أن تكون، بالوصف الذي يحب: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ». حم فصلت، 33» 4.

فالدعوة إلى الله كما يراها المرشد رحمه الله يصنعها الله على عينه، فهو الذي يحفظها ويكلؤها وَيُمَكِّن لها، وما الحاملون لها إلا أدوات مسخرة بيد القدرة الإلهية، عكس ما يقوم به الإنسان من أنشطة دعوية استنادا إلى قوته وتخطيطه، فتذهب جهوده هباء منثورا، لأن صاحبها لم يمارسها بإخلاص…

 ودعوتنا روحها التربية، التربية أولا، والتربية وسطا، والتربية دائما وأبدا، يقول ـ رحمه الله ـ في الشعبة السابعة والسبعين من شعب الإيمان: الدعوة إلى الله بإذنه: «لا يقدر يغير المنكر من في قلبه منكر النفاق، ولا يقدر يأمر بالمعروف من لا يعرف الله عز وجل. تدعو إلى الله في زعمك وأنت لا تعرف الله، وأنت تظن أن تشملك عنايته بالذين دعوا إليه بإذنه، من ليس على بصيرة، من هو عائم في أوهامه، سادر في غفلاته، محجوب من الله تعالى. كيف يزعم أنه يدعو إلى الله». 5.

القرآن والسنة نصوص يحفظها المؤمن والفاسق والفاجر لكن نورها لا يتشربه إلا المؤمن من خلال الصحبة والذكر، وبهذا النور يمشي في الناس، يحيي به القلوب الميتة، لا بالمواعظ الباردة والكلام الجاف، قال تعالى: أَوَمَن كَانَ مَيّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[سورة الأنعام الآية 122]… وبدون هذا النور تبقى دعوتنا شكلية لا يجد الداعية آذانا صاغية لرسالته.

وفي مقام الدعوة إلى الله الذي يتحدث عنه الإمام المجدد ـ رحمه الله ـ يحتاج الدعاة إلى لسان صدق بين الكاذبين، ولسان تبليغ بين الصادقين، به يتميزون عن أهل النفاق، وبه ينخرطون مع أهل الإيمان والإحسان، يقول الإمام المرشد ـ رحمه الله ـ: «تحتاج الدعوة للسان صدق بين الكاذبين، ولسان تبليغ بين الساكتين الخُرْسِ عن الحق، ولسان فُرْقان وسط اللَّغَط الحزبي السياسي» 6.

ـ الدعاة إلى الله: المحبة ونشدان الكمال الإحساني

كما يؤكد ـ رحمه الله ـ أساسا على المحبة ونشدان الكمال الإحساني لكل الدعاة الذين يحملون رسالة العدل والإحسان، وهو مقام وأي مقام، يقول ـ رحمه الله ـ: «إن رجل الدعوة رجل تهفو إليه الأفئدة، فهو مناط المحبة ومناط الرجاء للكمال والإحسان، فبالمحبة يجمع القلوب، وعلى المحبة ينسج تطوع المتطوعين للجهاد على منوال الطاعة» 7. ويؤكد رحمه الله أيضا على الرحمة التي تخالط قلب المؤمن وتدفعه لدعوة الناس إلى الخير، يقول ـ رحمه الله ـ«تخالط بادرة الرحمة بشاشة قلب المؤمن عند توبته، هذه الرحمة تدفعه إلى الناس ليدعوهم إلى الخير» 8. والمحبة ونشدان الكمال الإحساني لا غنى للدعاة عنهما، في طريق التربية والانخراط في السلسلة النورانية المباركة.

ـ الدعاة إلى الله: رجال عظام لمسؤوليات عظيمة

فالدعوة إلى الله قذف قلبي وهداية تصيب من شاء على يد من شاء، بابها الصحبة وروحها التربية، وطاقتها التي لا تغلب هي الحب والأخوة في الله، وترتبط أشد الارتباط بسلسلة نورانية تبدأ بالرسل والأنبياء عليهم السلام وتنتهي بالرجال العظام الذين يتحملون في سبيلها مسؤوليات عظام.

نحتاج إذن لرجال عظام من ذوي الخبرات والتجربة يتحملون مسؤوليات عظيمة، وهو ما يفتقر إليه الشباب المتطلع لحمل أعباء الدعوة إلى الله التي يحدثنا عنها الإمام المرشد ـ رحمه الله ـ قائلا: «يفتقر هذا الشبابُ المتطلع لحكم القرآن، الناهضُ بأعباء الدعوة إلى كثير من الرجال ذوي الخبرات والتجربة، ليملؤوا فراغاً يَتْرُكه الأشرارُ بعد انسحابهم، وفكاكِ الدين من إسارهم. فيحتاجون لاستصلاح بقايا الناس بعد نجاح القومة وإعادة تربية من يُعلن توبته وَوَلايته للمؤمنين». 9

ومن تم يتمكن هؤلاء الرجال العظام من ذوي الخبرات والتجربة من صياغة الشخصية الإيمانية الجهادية بروح الإخلاص لله عز وجل، وبباعث الشوق إلى الله، وبوازع الخشية من الله، يضيف الإمام المجدد ـ رحمه الله ـ: «في مخيمات الدعوة، ومحاضِنِ الدعوة، ورباطات الدعوة، وسياحات الدعوة، وأنشطة التجنيد العام، تصاغ الشخصية الإيمانية التي لا يزدهيها الإطراء، ولا يستميلها الإغراء، وتقاسِمُ جند الله مصيرهم في السراء والضراء. تصاغ شخصيةٌ جهادية تَقْوى على تحمل المسؤوليات العظام بروح الإخلاص لله عز وجل، وبباعث الشوق إلى الله، وبوازع الخشية من الله. شخصيةُ المؤمن القويِّ الأمين الذي يرعى حقوق الله، ويَقْدُرُ المسؤوليةَ أمامه عز وجل حق قدرها. وفي المواقف الخطيرة لن يثبُتَ إلا الرجالُ ذوو الخطَرِ والقَدْرِ عند الله» 10. هؤلاء الرجال العظام تصاغ شخصيتهم في محاضن ورباطات وسياحات الدعوة إلى الله.

وخلاصة القول فيما سبق أن الإمام المرشد ـ رحمه الله ـ جعل للدعاة إلى الله مقاما خاصا يناسب مهنتهم، باعتبارهم رجالا عظاما لمسؤوليات ومهام عظيمة. وجعل أعلى هذا المقام المحبة ونشدان الكمال الإحساني، لتحقيق شروط التربية المطلوبة، والانخراط في الموكب النوراني الذي لا غنى للدعاة عنه. وكلها صفات تربوية سابقة لكل عمل دعوي ينشد حمل الرسالة والبلاغ إلى العالمين. ثم بعد ذلك نتحدث عن الصفات الأخرى للدعاة إلى الله في مقام الدعوة كما يراها المرشد ـ رحمه الله ـ

*المقام الخاص: أعني به المكانة والمنزلة العظيمة للدعوة والدعاة إلى الله في فكر الإمام المرشد رحمه الله.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، الإحسان ج2، ص: 348-349.
[2] دعوة إلى الله: الفقه المنهاجي، موقع الجماعة، 27 يناير 2006م.
[3] عبد السلام ياسين: حوار الماضي والمستقبل، ص: 94.
[4] عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي، صحبة الشعب، ص: 160.
[5] عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي، ص: 456.
[6] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج: 2 ص: 330.
[7] عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، ص: 817.
[8] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص: 139.
[9] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص: 70 ـ 71.
[10] المصدر نفسه، ص: 71.