متابعة لحديثنا عن مقام الداعي إلى الله في فكر الأستاذ المرشد رحمه الله، نتناول باقي الصفات التي يتميز بها حامل الرسالة إلى الناس، ودليلهم على أبواب الخير. ثم بعد ذلك نتحدث بإيجاز عن واقع المجتمع والأمة الذي يتحرك فيه الداعي إلى الله، وعن مهامه التي تنتظره في هذا الواقع، ليكون بحق داعي العدل والإحسان، وينال بذلك المنزلة العظمى والمقام الخاص به في فكر الإمام المجدد رحمه الله.
الداعي إلى الله ومقام النداء من القلب والعقل معا
الرسالة التي يحملها الداعي إلى الله ليست ككل الرسالات، لأنها نداء من قلب مؤمن، وعقل عالم، له أداة ووسيلة وأسلوب، يقول الإمام المجدد رحمه الله: «الدعوة إلى الله نداء من قلب مؤمن، وعقل عالم إلى سمع الناس وعاطفتهم. اللسان أداة هذا النداء، واللغة وسيلته، والفصاحة المقنعة المخلصة أسلوبه» 1.
الداعي إلى الله ومقام الشهادة بالقسط
تحدث الإمام المجدد رحمه الله عن رجل الدعوة وصفاته الأخلاقية والتربوية والعلمية، وسماه المؤمن الشاهد بالقسط، ووضع له صفات ترفعه إلى مقام الشهادة على الناس بالقسط، أسوة بالأنبياء والرسل عليهم السلام، يقول رحمه الله: “قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ [المائدة: 8]. الشاهد بالقسط القائم لله هو المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات. هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس، ولا يقعقع له بالشنان. هو المؤمن المسؤول. حوله تتألف الجماعة يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان، وبلطف معشره ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة» 2. ومقام الشهادة بالقسط على الناس، يقتضي حركية دعوية يرضى عنها الله.
فماهي الحركية الدعوية التي يدعونا إليها الإمام المرشد؟ يجيب رحمه الله تعالى فيقول: «والحركة التي ترضي الله تعالى منك أخي ومنك أختي ومنكم جماعات أحبتي هي حركة تنقلك جسميا إلى حيث تواصل في الله وتجالس في الله وتباذل في الله وتزاور في الله، وتنقلك نفسيا من كونها في الله من حضيض الأنانية إلى البذل ومن رذيلة وضلالة اتباع الهوى إلى الصدق والحق ومن العمل المعلول الهامشي إلى العمل المسؤول الواعي الذي يرفعنا إلى مستوى ما يريد منا الله عز وجل من شهادة على الناس بالقسط أي وجود يفرض نفسه على الآخرين بتوازنه لا باضطرابه، بحضوره لا بغيابه» 3.
الداعي إلى الله ومقام الرفق والرحمة بالخلق
الرفْقُ صفة أصيلة في مقام الداعي إلى الله، أشارت إليه آيات القرآن الكريم والسنة النبوية، وجعلته ركيزة أساسية في هداية الخلق ودلالتهم على الله باللين بالقول والفعل، والرفق لين من غير ضعف. يقول الحق سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 109]، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم – مخاطبا أمنا عائشة رضي الله عنها – أن الرفق يحبه الله، وهو مطلوب في أمورنا كلها، فقال: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» 4. ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكد أن الرفق باب كل خير، فقال: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ»، كما بَيَّنَ في نفس الحديث الشريف أن الرفق لا يكون في أمر من أمورنا إلا زانه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». ومن هذا المنطلق، اعتبر الأستاذ المرشد أن الرفق ميزتنا الواضحة بين الدعوات، يقول رحمه الله: «ليكن الرفقُ سِمَتَنا الواضحة وشارتنا البائحة» 5. ثم يتساءل عن السبيل لبلوغ هذا المقام العالي، المشروط بالكلم الطيب، والتقيد بالرحمة، وتلك صفات لا غنى للداعية عنها وهو يخالط الناس، يقول رحمه الله: «من أين تأتي بالأخوة والرفق والمحبة تحرثها في أرض الأمل إن لم تستوح الكلم الطيب، ولم تتقيد بشريعة الرحمة، ولم تتكئ على مثال سنة الرفق؟» 6.
وقد تمثل الإمام المرشد سمة الرفق في دعوته، ومعاملاته، متأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، داعيا الدعاة إلى الله للتحلي بهذه الصفة الرفيعة في مقام الدعوة إلى الله، يقول رحمه الله في المنظومة الوعظية: 7
وابسُط الرِّفْقَ والجَدَى لكريم
بِبِساطٍ عن اللئيم طَوَيْتَه
وتواضع فالكبر داء عُضالٌ
أخبَثُ الخُلقِ كِبْرِياءٌ نَفَيْتَه
الداعي إلى الله: ومقام الجهر بالحق
في مقام الدعوة إلى الله – كما يراه الإمام المرشد رحمه الله – يجب على الداعي أن يكون خطابه قرآنيا وقويا، يجهر فيه بالحق ولا يهمس، لايخاف في الله لومة لائم، يقول الإمام المجدد: «يجب أن يكون خطابنا بالقرآن قويا. فلا نسكت عن بعض ما لا تسيغه عقول الجاهلية المريضة. لا نخاف في الله لومة لائم أن نقول كلمة الحق. نجهر ولا نهمس» 8. لذلك فإن كل دعوة لا تجهر بالحق، ولا تخاف في الله لومة لائم، ولا تنهى عن منكر، هي دعوة هالكة بالتأكيد.
فإذا كان الداعي إلى الله يحتاج في مخاطبته الناس إلى علوم الخطاب والبلاغ، فإنه يحتاج أحيانا أخرى إلى علوم الصمت، يقول الإمام المرشد: «تحتاج الدعوة إلى “علوم الخطاب والبلاغ” بقدر ما تحتاج إلى “علوم الصمت” حتى لا تقول إلا الحق ولو سكتتْ مرحليّاً عن بعض الباطل. تحتاج علماءَ يعلِّمون العامة مبادئ دينهم وفقَ الربانية التي تربي بصغار الأمور قبل كبارها كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس» 9.
وقد سلك الإمام رحمه الله تعالى مسلكا واضحا في سبيل الدعوة إلى الله والجهر بالحق، وكانت أول خطوة في هذا الباب كلمة حق عند سلطان جائر، فبعد خروجه من الزاوية البوتشيشية أرسل رسالة “الإسلام أو الطوفان” إلى ملك البلاد الحسن الثاني.
الداعي إلى الله ومقام تحبيب الخلق إلى الله: وهو مقام رفيع للداعي إلى الله، يبين كيف ينال محبة الله من خلال تحبيب الخلق إلى الله، يقول الإمام المجدد: « ثم نقف وقفة تأملية في أثر الإمام الحسن البصري رحمه الله يروي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى الله ويسعون في الأرض بالنصيحة» 10.
الداعي إلى الله ومقام الدعاة الفعلة
من صفات الداعي إلى الله في فكر المرشد الفعل الميداني، قلب مع الله ويد تصنع في الطين، وهو بذلك ينتسب إلى مقام الدعاة الفعلة المؤثرين في مستقبل الإسلام بحول الله، يقول الإمام المرشد رحمه الله تعالى: «نحن غدا بحاجة لدعاة فعلة، لا لخطباء ملتهبين من فوق رؤوس الشعب. دعاة فعلة. قلب مع الله، ولسان لاهج بذكره والثناء عليه والدعاء إليه، ويد تصنع في الطين، في البيئة الملوثة تصلحها، في مخلفات الفساد تميط أذاها، في المهمات الشاقة الدائبة اليومية جهاد» 11.
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص: 46.
[3] مجلة الجماعة، العدد 5، ص: 115.
[4] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم الحديث: 5678.
[5] عبد السلام ياسين: العدل، الإسلاميون والحكم، ص: 429.
[6] عبد السلام ياسين: حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 179.
[7] عبد السلام ياسين، المنظومة الوعظية، ص: 69.
[8] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 405.
[9] المرجع نفسه، ص: 330.
[10] كلام الإمام المجدد رحمه الله في اتصاله الهاتفي مع أبناء الجماعة في أحد الأنشطة بالدار البيضاء، بتاريخ ضحى الأحد 15 من شهر محرم الحرام 1425هـ.
[11] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، دعاة فعلة، ص: 206-207.