مقام الدعوة إلى الله في فكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله

Cover Image for مقام الدعوة إلى الله في فكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله
نشر بتاريخ

تحل بنا في هذه الأيام ذكرى الوفاء الثالثة عشرة لانتقال الإمام المرشد رحمه الله إلى جوار ربه. وهي مناسبة سانحة للرجوع وإعادة النظر في إرثه العظيم الذي تركه في مجالات التربية والدعوة والجهاد… ومن هذا المنطلق نتناول في هذه الورقة بشكل مختصر مقام الدعوة إلى الله في فكر المرشد رحمه الله.

من المعلوم أن الإمام المجدد رحمه الله أولى أهمية كبرى لأمر الدعوة إلى الله باعتبارها مقاما للتبليغ عن الله، ودعانا جميعا لحمل هذه الأمانة العظمى، أمانة رسالة الله تعالى للإنسانية على هدي وبصيرة. فالدعوة إلى الله – باعتبار مقامها – هي مهمة الرسل والأنبياء عليهم السلام، ومهمة المصطفين من عباد الله. ومن هذا المنطلق فإن مقام الدعوة إلى الله بالنسبة إلى الإمام المجدد رحمه الله يتجلى في كونها:

1ـ دعوة إلى الله بإذنه: فالدعوة تتشرف بمقام انتسابها إلى الله، فهي بإذنه، يقول سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب: 45-46]. والدعوة إلى الله غير الدعوة إلى الإسلام وإن كانت الدعوة إلى الإسلام بدايتها، وهي غير الدعوة إلى الإيمان وحلاوته، وإن كان ذلك بعض درجاتها، يقول الأستاذ المرشد رحمه الله «دعوة إلى الله فذاك سموها، ودعوة إلى المسلمين النائمين عن الحق ثم إلى الناس أجمعين فذاك عمومها، ومن خلال الدعوة وأثناءها بعد أن تتفتح لها القلوب، وتستنير بها العقول، وتلتفت لها الوجوه المعرضة عن ربها إلى نور الهداية الربانية الموحى بها إلى الرسل والنبيين» 1. وقد عَرَّفَ الإمام المجدد جماعة العدل والإحسان بأنها جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس أن يتوبوا معها إلى الله…

وفي هذا المقام فإن الدعوة إلى الله لا يقوم بها إلا العارفون بالله تعالى، أو الجماعة الربانية المجاهدة، والقصد منها القرب من الله تعالى، يقول الإمام المجدد رحمه الله: «وإن الهداية هدايات: كافر يدخل الإسلام مهتديا، ومسلم يخطو نحو الإيمان مقتفيا، ومؤمن يرتقي صحبتك مرتديا حلل القرب من الله عز وجل. ذلك الفوز الكبير» 2.

2ـ وراثة للنبوة: يقول الإمام المجدد رحمه الله «إن الدعوة إلى الله عز وجل هي لبُّ الأمر كله، هي وراثة النبوَّة» 3. وفي موضع آخر يقول رحمه الله « الدعوةُ إلى الله وراثَةً للنبوة وتأدية لوظيفتها» 4. على هذا الأساس قام الإمام المرشد رحمه مبلغا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممتثلا أمره الذي أمرنا به صلى الله عليه وسلم قائلا: «بلغوا عني ولو آية» 5. وهذا ما صرح به رحمه الله في أحد الأشرطة الخاصة بالدعوة إلى الله في ‘بصائر’، حيث خص الإمام المرشد رحمه الله قيادة الجماعة وسائر أعضائها بالقول «نحن مبلغون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».

3ـ لب الأمر كله: يقول الإمام المرشد رحمه الله «إن الدعوة إلى الله عز وجل هي لبُّ الأمر كله» 6. ولب الأمر هو جوهره، وهو ما جاء به المرشد رحمه الله باعتباره داعيا إلى الله بإذنه. وما خلق الله من سماوات وأرض، وجن وإنس، ودنيا وآخرة، وما بعث من رسل وأنبياء، وما اصطفى من أصفياء وأولياء، فإنما خلق وبعث، واصطفى الدعاة لتحقيق العبودية لله وحده، عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلُ العالمِ على العابِدِ، كفَضْلِي على أدناكم، إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وملائِكتَهُ، وأهلَ السمواتِ والأرضِ، حتى النملةَ في جُحْرِها وحتى الحوتَ، ليُصَلُّونَ على معلِّمِ الناسِ الخيرَ» 7.

4ـ مهنة الدعاة: وقد أعلنها الإمام المرشد رحمه الله صراحة بالقول: «ونحن الدعوةُ مِهْنتُنا. والدعوةُ وسيلتُها التربيةُ، وسيلتُها التذكيرُ، وسيلتُها الإنذارُ، وسيلتُها التبشيرُ، وسيلتها الوعظُ، وسيلتُها التعليمُ، وسيلتُها الإقناعُ، وسيلتُها التي هي أحسنُ» 8. فالدعاة إلى الله من أبناء العدل والإحسان لهم مهنة إن تركوها أصبحوا عاطلين عن العمل، وأصبح الانتساب إلى الجماعة انتسابا صوريا مزيفا لا معنى له، فهي سر وجودهم في هذا الكون، يقول الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، الأستاذ محمد عبادي حفظه الله «فإن غاب هم الدعوة عنا ضاعت الجماعة وفقدت أهم عناصر قوتها وتماسكها وفقد أعضاؤها هويتهم وأضحى الانتساب إليها انتسابا مزيفا صوريا لا معنى له» 9.

5ـ شرف للدعاة: ومقام الدعوة إلى الله شرف للمؤمن، وأي شرف أفضل من تعهد البذور حتى تتفتح أزهارا، فهي شرف لحمل الرسالة، وسعادة في الدنيا والآخرة، يقول الإمام المجدد رحمه الله تعالى: «وشرف المؤمن والمؤمنة في أزماننا هذه الغريقة في جاهليتها وجهلها بالله والمَعاد أن يتعهَّدا البذرة الدفينة في كل فرد بالدعوة الحكيمة والرفق الحاني والمحبة والإيناس حتى يَنتعش الذابل ويتفتق المكموم وتتفتح الزهور عن حياة جديدة ثمرتها العمل الصالح المقبول عند الله، المُقَرِّب إلى الله. شرفٌ حمْل الرسالة وسعادة» 10.

وشرف الدعاة إلى الله في دعوة الناس للخير محبة الله ورضى الله، وأعظم به من شرف، يقول الإمام المجدد رحمه الله في رسالته الخالدة حول الدعوة إلى الله «ما أعطف وأنبل وأحب إلى رب العالمين أن تنحني على مهد وليد الدعوة وتغذوه بمحبتك وصحبتك، ثم تتابع خطواته وهو يصحو من غفلة طفولة مروءته، ويتقوى من وهن خوفه من غير الله، ويبتهج قلبه باكتشاف حلاوة الإيمان النابعة من ذكر الله، ويستجمع نشاطه لينخرط مع الصادقين في الله ويتحرر من شح نفسه فيبذل الغالي لنصرة دين الله، ويلتمس عندك وعند أهل الذكر علم ما فرضه الله عليه، ويترزن بتؤدة الصابرين على أمر الله ويقتصد من وسائل هذه الدنيا، فاعلا فيها مؤثرا إيجابيا في كل ميدان خير ما يبلغه قصده في الله، ويجاهد بكل ما أوتي من قوة وحكمة وشجاعة في سبيل الله» 11.

6ـ لواء العدل والإحسان: فدعوتنا تلازم بين العدل والإحسان، فالإحسان أعلى مقام يصل إليه العبد في علاقته بربه، والعدل منتهى كماله خلافة ثانية على منهاج النبوة، وهو موعود نبوي صادق. يقول الإمام المرشد رحمه الله: «نحمل إخوتي شعار العدل والإحسان ليكون لواؤنا بين الدعوات ثائرا خفاقا بخفقان حب الله في قلوبنا، وخفقان الحب في الله، والذلة على المؤمنين، وحب المساكين، والجهاد في سبيل الله والمستضعفين. وليكون عنواننا في شارع السياسة منشورا مشهورا، له أصالته من القرآن وله واقعيته من غضبنا لما تنتهكه الطبقة المترفة المستكبرة من حقوق الله وحقوق العباد» 12. وفي موضع آخر يؤكد رحمه الله أن الدعوة إلى الله إلحاح بقوة على الجانب العدلي في الإسلام، يقول الإمام المرشد رحمه الله: «في مراحل الدعوة، وتهييء القومة، والدولة الإسلامية، يكون من صلب تربية جند الله، ومن صميم الدعوة، الإلحاح بقوة على جانب العدل في الإسلام. ذلك أن شمولية الإسلام كما يفهمه الدعاة ليست مما يعلمه العامة بالضرورة ولا مما يسلمه أعداؤنا» 13.

فمقام الدعوة في فكر الإمام المرشد مرتبط بالله، فهي وراثة نبوية، كانت مهنة الأنبياء والمرسلين والمصطفين من عباده الصالحين، وبها يتشرف الدعاة الصادقين الذين يجمعون في دعوتهم بين العدل والإحسان، دعوة خالدة إلى يوم الدين، جعلنا الله وإياكم منهم ومن الفائزين.


[1] ياسين، عبد السلام، مجلة الجماعة، العدد 2، 1339هـ 1979م.

https://siraj.net/ar/books/مجلة-الجماعة-العدد-الثاني/pages/10


[2] ياسين، عبد السلام، رسالة النصيحة، 5  رجب 1418.

https://ar.yassine.net/مجالس-النصيحة


[3] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 113.
[4] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج 2، ص: 106.
[5] صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، الباب (50)، حديث (4361)، ص (496).
[6] إمامة الأمة، ص: 113.
[7] السيوطي، الجامع الصغير 5841.
[8] ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ص: 234.
[9] ياسين، عبد السلام، رسالة “الدعوة إلى الله”،25  جمادى الثاني 1406.

https://ar.yassine.net/الدعوة-إلى-الله


[10] ياسين، عبد السلام، رسالة إلى الطالب والطالبة، ص: 33.
[11] رسالة “الدعوة إلى الله”، م. س.
[12] رسالة المرشد رحمه الله في تغيير اسم الجماعة من (أسرة الجماعة)، إلى (العدل والإحسان).
[13] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 362.