من القصة إلى العبرة.. ومن الخبر إلى الأثر

Cover Image for من القصة إلى العبرة.. ومن الخبر إلى الأثر
نشر بتاريخ

تحل اليوم الذكرى 15 لرحيل الأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله، ذكرى توافق الإسراء والمعراج المرحلة الفاصلة بين الابتلاء والفتح. ذكرى نتذكر فيها بعض درر الأحمدين أهل الوفاء في زمن اللعب واللهو والنسيان.

في زمنٍ صار فيه الإنسان يُقاس بما يُقال عنه أكثر مما يُقاس بما يتركه من أثر، تأتي عبارة أحمد الملاخ: «لا أريد أن أكون قصة تُحكى بل أود أن أصبح عِبرة تُروى» لتوقظ سؤال المعنى في زحمة السرد. فالقصة، مهما بلغت من جمال، قد تُستهلك في لحظة إنصات، ثم تُطوى مع انطفاء الدهشة؛ أما العِبرة فتبقى، لأنها لا تخاطب الأذن وحدها، بل تنفذ إلى القلب والعقل معًا.

القصة تُعنى بالوقائع، تتتبع الحدث من بدايته إلى نهايته، وتغري المتلقي بتفاصيلها ومنعطفاتها. غير أن كثرة القصص في حياتنا لم تُنتج بالضرورة كثرة في الوعي أو السلوك القويم. أما العِبرة فهي خلاصات التجارب، وزبدة المعاناة، وما ينجو من الحكاية بعد أن يسقط عنها الزائد والعابر. إنها المعنى حين يتحرر من ضجيج التفاصيل.

حين يقول الإنسان إنه لا يريد أن يكون قصة، فهو يرفض أن يُختزل في حدثٍ أو يُحبس في إطار السرد. وحين يطمح إلى أن يكون عِبرة، فهو يختار أن تتحول حياته إلى ميزان، وتجربته إلى نورٍ يهدي غيره. إنه انتقال من الرغبة في الذِّكر إلى الحرص على الأثر، ومن حب الظهور إلى صدق الرسالة.

وليس هذا المعنى غريبًا عن مدرسة المنهاج النبوي؛ فالقرآن الكريم لم يسرد القصص للتسلية، بل جعلها جسورًا للعِظة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾. فالقصة وسيلة، والعِبرة غاية. ومن لم يتجاوز القصة إلى عبرتها، بقي أسير الحكاية، وإن حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.

إن أسمى ما يبلغه الإنسان أن يغدو حضوره صامتًا لكنه مؤثر، وأن تُروى سيرته لا بوصف ما جرى له، بل بما تعلّمه الناس منه. فكم من قصة شاعت ثم اندثرت، وكم من عِبرة بقيت تُروى لأنها لامست جوهر الإنسان.

فرغبة الصاحب الشاهد أحمد الملاخ رحمه الله في أن يكون عِبرة لا قصة، هي في حقيقتها دعوة إلى حياةٍ ذات معنى؛ حياةٍ تُثمر قيمًا، وتترك في الطريق علامات يهتدي بها السائرون، حتى وإن غاب الاسم وبقي الأثر.