الحمد لله من بطاعته تصفو الأرواح والصلاة والسلام على الحبيب من الصلاة عليه تهدأ النفوس وترتاح وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
سيدتي الفاضلة
فرحت كثيرا بتلك الرسالة القصيرة التي وصلتني منك، فرحت بك لأنك لم تنسي صديقة قضيت وإياها فترة لا يمكن أن تمحوها تصاريف الزمان أو الانشغالات اليومية التي يمكن أن تلهي أي إنسان، فترة أظنها ترسخت في الذهن ووشمت أثرها الطيب في قلبينا، وعلى قدر فرحتي كان استغرابي من هذا الكم من الإحباط وهذا القدر من اليأس الذي جمعته رسالتك. لقد اندهشت من هذا التغيير في نظرتك للأشياء وتقييمك لتجربتك في الحياة، فقد عرفت منك الصلابة والقوة في الرأي والتوازن في العواطف والتريث في اتخاذ القرارات والحكمة في معالجة الأمور. لم أتوقع منك أنت هذا التشاؤم وكأن الحياة ستتوقف هنا، وكأن الخطأ في تجربة يعني نهاية المرء. فالحياة دار اختبار ولا تظني أن أحدا منا سيجتاز الدنيا دونما عقبات تصادفه أو مشاكل تكدر صفوه. لكن الفائز في الدنيا الغرور من يقتحم العقبات ويتحدى النكبات، ويتعلق بواهب الحياة، فلست سيدتي أول امرأة تفشل في زواجها بل في اختيار شريك حياتها.
سيدتي الفاضلة
إن كل تجربة يمر منها الإنسان المؤمن كيفما كانت نتائجها، هي مناسبة للتأمل والتدبر وأخذ العبر والاستفادة من الأخطاء. وتجربتك مدعاة للوقوف أمام نفسك والنظر إلى عيوبها ومحاولة تصحيحها، ومعرفة درجة ثباتك وصمودك أمام المبادئ والقيم.
حقا لقد كان الطلاق هو نهاية تجربة زواجك، لكن هذه النهاية كانت لها بداية أزهرت بها حياتكما وتفتحت لها ورود حبكما، وفاضت لها أنسام طيبة سقتها الطاقة وثبتها الرزق الحلال والتشبث بالقيم، حينها كانت حلاوة العبادة والقرب من الله ترخي سدول الاطمئنان لتجعل بيتكما ستارا حاجبا وحضنا حافظا لكما من كل سوء، لم يكن للشيطان أن يرمي شباكه على بيت أسس بنيانه على الحلال وثبتت أركانه الطاعة، إلى أن واربتما الباب فارتفع الحجاب وتسلل الريح نسمات خفيفة بدأت تشتد وتشتد إلى أن حركت كل شيء ثابت في البيت، وبدأت شموع الفرح والمودة تتذبذب وتنوس، ليعلن الظلام سيادته وتحل الغربة بينكما والحرب والضنك. وها هي النهاية فرقت الشمل وفكت الرباط، وجعلتك تودعين إنسانا اخترته بروية وأردته شريكا لك في الحياة عن اقتناع.
الطلاق، كلمة كان وقعها قاس عليك، لكنه قرار لا مفر منه، وعليك أن تقبلي مرارته ولظاه، بعدما تراخيت في يوم في حق من حقوق عباد الله وسكت على منكر فيه جور وظلم وأكل للحرام، في وقتها ما كان لصلابتك أن تلين وما كان لحكمتك أن تغيب، لكن قدر الله وما شاء فعل. فمهما كانت الأسباب التي جعلتك تغضين الطرف عن أخطاء زوجك، إلا أن الحق أبلج والصمت عنه مؤامرة، وليس هناك شيء تخافه المرأة المؤمنة على زوجها أكثر من عذاب النار، لذلك كانت الصحابيات يوصين أزواجهن بالتقوى في جلب الرزق وعدم إدخال درهم حرام على البيت.
لقد كانت يقظتك متأخرة كثيرا، لأنك لم تفهمي أنها الكارثة إلا بعد أن بدأ البنيان يتصدع، وبدأت الهوة بينك وبين زوجك تتسع، فلم ينفعك وقتها صراح ولا بكاء ولا عويل، بل اشتغلت نار الخصام كلمات رددها الزوج وضعت حدا لاتصالكما. وهكذا بعدما جمعتكما الطاعة وألفت بين قلبيكما فرقتكما المعصية، لأنك وإن لم تشاركيه فأنت لم تنصريه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” ونصرتك له أن ترديه إلى الحق.
سيدتي الفاضلة
أردت برسالتي هاته أن أضع تجربتك مجردة من المحاباة والتستر بين يديك، لعل ما فيها من خير يدفعك لاسترداد ثقتك بنفسك والسير قدما في حياتك التي اخترت الآن، ولن تزيدك هذه التجربة لما فيها من هفوات إلا يقينا أن الحق طريقه مبارك محروس، لكنه محتاج إلى الزاد الذي يحمل على الصبر والتحمل. فحياتك وأنت مطلقة تحتاج منك إلى الثقة في مبادئك، هذه المبادئ والقيم التي من أجلها فضلت أن تكتوي بلظى الطلاق وتنتشلي أبنائك من لهيب الحرام، فلا تستسلمي لكلام الناس المثبط ولا تلتفتي لقول عابث أو لسان جارح، فثرثرة الصغار غالبا ما تهدف إلى اختبار قوتك والنيل من نفسك، والأجدر بك أن تصمدي ما دمت تعلمين أنك على حق، ولا تخجلي من ممارسة عملك الذي هو مصدر قوتك ولا تتراجعي عن طموحك في العلم والبحث، فمادمت صامدة في الميدان، محافظة على سمتك، مرتبطة بربك، ستعود لشخصيتك قوتها وشدتها، ولن تندمي على يوم أخذت فيه القرار الحكيم.
وفي الختام أرجو من الله أن يوفقك في تربية أبنائك وأن يعينك في عملك وأن ينور بالحق طريقك والصلاة والسلام على الحبيب طب القلوب ودوائها وعلى آله وصحبه.