كيف نغيّر واقعنا السياسي؟ وكيف نخرج من حال التأخر الاقتصادي والضعف الاجتماعي؟ وكيف نبني واقعا يليق بما نطمح إليه؟ أسئلة كثيرة تتزاحم في ذهن كل من يتأمل ما يعيشه شعبنا من أوضاع صعبة، ويحاول أن يمسك برأس الخيط الذي يقوده إلى معرفة طريق الخروج منها.
غير أن هذه الأسئلة، على أهميتها، قد لا تقودنا بعيدا إذا لم يسبقها سؤال أكثر عمقا وحسما: من نحن؟
لا نستطيع أن نجيب على الوجه الصحيح عن سؤال: كيف نغير؟ من دون معرفة هويتنا الحقيقية. لأن شعبا تائها عن هويته لا يستطيع أن ينهض بأحواله.
فكيف نغيّر مجرى تاريخنا بأفراد لا يعرفون من يكونون؟ وكيف نبني ونبدع إذا لم يكن البركان الذي يفجّر فينا إرادة التغيير نابعا من أعماق ما نعتقده عن أنفسنا، وعن معنى وجودنا، وعن الغاية التي نريد أن نمضي إليها؟
قد ننخرط في معارك كثيرة، ونستهلك جهودا هائلة، ثم نكتشف، بعد طول مسير، أننا لم نتقدم إلا لنتقهقر، وأننا ظللنا ندور في حلقة مفرغة، لأننا شرعنا في البحث عن الطريق قبل أن نحسم سؤال البداية: من نحن؟
وهو سؤال ينتظر منا جوابا صادقا، فقضية الهوية لا تحتمل المجاملة ولا مخادعة النفس. ولا خير فينا إذا فقدنا القدرة على الصدق مع ذواتنا.
ولذلك ينبغي ألا نتواطأ على إسكات هذا السؤال المزعج، ولا نكف عن التذكير به.
فلا يليق بأحدنا أن يُسأل: من أنت؟ ما دائرة انتمائك الأولى؟ ما المرجعية التي تنظر من خلالها إلى نفسك والعالم؟ ما الذي يمنح وجودك معناه؟ وما الذي تحيا من أجله، وتراه جديرا بأن تبذل في سبيله الغالي والنفيس؟ ثم يتلعثم ولا يدري بماذا يجيب.
والأدهى من ذلك ألا ندري أننا لا ندري، فنحسب أننا قد أجبنا، بينما لا نفعل أكثر من ترديد إجابات عامة نحفظها ونكررها، من غير أن تعبّر حقا عما نعتقد، أو عما يوجّه اختياراتنا ويحرك سلوكنا.
ونحن كثيرا ما نقارن واقعنا بواقع شعوبٍ تبدو أحوالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية أفضل من أحوالنا، فنختزل الفارق في المؤسسات والسياسات والتقنيات ومناهج التدبير. ولا شك أن لهذه العناصر أهميتها، لكن الفارق قد يكون أعمق من ذلك، لأن المؤسسات والسياسات والتقنيات لا تنشأ في فراغ، وإنما تقف وراءها شعوب تمتلك قدرا معتبرا من الوعي بذاتها، وتعرف من تكون وما الذي تريده.
وقد نختلف جذريا مع إجابات هذه الشعوب عن سؤال «من نحن؟»، أو مع المرجعيات التي تصدر عنها، لكن ذلك لا ينفي أن هذه الإجابات واضحة لدى أصحابها، وأن وضوحها يسهم في تحريك إرادة الفعل فيهم، وتفجير طاقاتهم، ومنحهم القدرة على الصبر على المكابدة وتحمل الأهوال في سبيل ما يؤمنون به ويريدون بلوغه.
والمطلوب ليس أن نفرض جوابا جاهزا على الناس، وإنما أن نعيد التذكير بأهمية السؤال، وبأهمية الصدق في الجواب. فإذا قلنا: نحن مسلمون، فماذا يعني أن نكون مسلمين؟ أهو مجرد اسم نحمله وشعار نرفعه أم حقيقة نؤمن بها ونحيا بمقتضاها؟
ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن يتحول سؤال الهوية إلى وقود لصراع هويات مدمّر. فالمقصود ليس إقامة محاكم تفتيش، وإنما الوصول إلى وعي صريح وصادق بهويتنا، أفرادا وجماعة، في إطار جامع يستوعب اختلافاتنا من غير أن يتحول الاختلاف إلى تمزق.
وفي المقابل، لا ينبغي أن نهرب من السؤال نفسه، أو نفرغه من مضمونه خشية الاختلاف، فلا بد أن يظل هذا السؤال، بكل عمقه وضرورته، حاضرا في وعينا، وأن نظل قادرين على طرحه بصدق وجرأة، من غير إقصاء ولا مراوغة.
ومن هذا المدخل يمكن أن نفهم، في جانب منه، قولنا في جماعة العدل والإحسان إن مشروعنا يرتكز أساسا على التربية، وإن العامل الذاتي حاسم في عملية التغيير. فالتغيير لا يبدأ فقط من تشخيص اختلالات الواقع، بما فيه من استبداد وفساد، ولا من امتلاك البدائل من برامج ووسائل، وإنما يبدأ أيضا من الإنسان نفسه: من وعيه بمن يكون، وبما يؤمن به، وبالغاية التي يعيش من أجلها، ومن مدى استعداد هذه المعاني لأن تتحول من أفكار يرددها إلى حقائق تحرك إرادته، وتوجّه سلوكه، وتصنع موقفه من نفسه ومن مجتمعه ومن العالم.