من يحجّ عن المجاهدين؟

Cover Image for من يحجّ عن المجاهدين؟
نشر بتاريخ

يقول الحقّ جلّ جلاله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلذِے بِبَكَّةَ مُبَٰرَكاٗ وَهُدىٗ لِّلْعَٰلَمِينَ (96) فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞۖ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِناٗۖ وَلِلهِ عَلَى اَ۬لنَّاسِ حَجُّ اُ۬لْبَيْتِ مَنِ اِ۪سْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاٗۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اَ۬للَّهَ غَنِيٌّ عَنِ اِ۬لْعَٰلَمِينَۖ  (97) [القصص].

لطالما حنّت قلوب المؤمنين والمؤمنات للبقاع الطاهرة، وتأوّه المشتاقون من لوعة البعد القاهرة، وشكا العاشقون ألم المنع أو العجز عن حجّ البيت العتيق ورؤية القبّة الخضراء وأنوارها الزاهرة.

ومن ذا -من المسلمين حقّا- لم تشتق روحه للطواف بالكعبة المشرّفة، والسير في ربى مكّة المكرّمة، والتلذّذ بزيارة خير الأنام في المدينة المنوّرة.

من ذا الذي لم يُبكه تحرك ضيوف الرحمان في الدجى، وقولهم لبيك اللهم عمرة أو حجّا…

قَلبِي يَذُوبُ إِلَيكِ مِن تَحْنَانهِ

وَيَهِيمُ شَوقاً في رُبَاكِ وَيَخْضَعُ

فَإذا ذُكِرتِ فَأَدمُعِي مُنْهَلَّةٌ

وَالنَّفْسُ مِن ذِكْراكِ دَوْماً تُوْلَعُ

وَإِذا خَلَوتُ إِلَيكِ كَانتْ وِجْهَتِي

فَالرُّوحُ فِيكِ أَسِيرَةٌ، لا تَشْبَعُ

وَإذا وَقَفْتُ مُناجِياً وَمُصَلِّياً

كَانَتْ بِنَفْسِي دَعْوَةٌ أَتَضَرَّعُ

يَا لَيْتَنِي في حُبِّهَا مُسْتَشْهِدٌ

كمْ كُنْتُ مِن عِشقِي لَها أَتَوجَّعُ 1

ولقد هفت أفئدة المسلمين -علماء وعامة- إلى تلك الديار الطيبة، فمنهم من أدرك -بفضل الله تعالى- مقصده، ونال مراده؛ فأحرم ولبّى وبالبيت العتيق طاف، وصلى خلف المقام ثمّ على الملتزم أناف، واغترف من ماء زمزم أيّما اغتراف، وفوق الصفا والمروة ذكر الله كثيرا ودعا مستحضرا الأطياف، وأناخ في رحاب عرفات مطيته في إنابة واعتراف، ثمّ زار المصطفى مستغفرا بعدما كواه الشوق وأضناه السُّهاف، ومنهم من لم يدرك ذلك لمنع أو شظاف، فبعث الله له -بعد قرون من موته- من ينوب عنه في حجّ أو عمرة. فلله درّ قلوب طاهرة تعترف لأهل الفضل بفضلهم، فتحجّ عنهم -بعدما أرِموا- وتعتمر.

ومن هؤلاء العلماء الفضلاء الذين شهدت لهم الأمّة بالعلم والصلاح، والتقوى والفلاح، ولم يستطيعوا الحجّ القاضي المجاهد أبو الفضل عِياض بن موسى بن عِياض السَّبْتي اليَحْصُبي صاحب كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”. وقد أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه “فتح الباري” إلى ذلك بقوله: “والقاضي في هذا معذور؛ لأنه لم يشاهد تلك الأماكن”.

وممّن لم يستطيعوا الحجّ كذلك ابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، والمنذري، وابن رجب، وكلّهم أئمّة أعلام. ومن وفاء العلماء -بعدهم- أن حجّوا عنهم؛ منهم الشيخ ابن باز والشيخ عبد العزيز آل الشيخ وغيرهم.

فمن ذا يحذو حذو العلماء في حجّهم عن العلماء ليحجّ عن المرابطين في غزة وفلسطين؟

من يحجّ عمّن لم يحجّ من المجاهدين؟

من يحجّ نيابة عن يحيى السنوار، وعن أبي عبيدة حذيفة سمير الكحلوت، وعن يحيى عيّاش، وعن محمد الضيف؟

من يحجّ عن هؤلاء الذين أدّوا عنّا ضريبة الجهاد؟

هل من متطوّع؟

هل من وفيّ صفيّ يعرف لأهل الفضل فضلهم ويحقّق أمنيتهم في الطواف بالبيت العتيق، والوقوف بعرفات، وزيارة إمام المجاهدين سيّد السادات عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات؟


[1] الأبيات للشاعر المعاصرمصطفى عكرمة