أثنى الله عزّ وجلّ على المقسطين، وأخبر في ثلاثة مواضع من كتابه العزيز أنّه سبحانه يحبّهم. قال تعالى: وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحبّ المقسطين[المائدة: 42]، وقال سبحانه: فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنّ الله يحبّ المقسطين [الحجرات: 9]، وقال جلّ من قائل: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين[الممتحنة: 8]. فهذه ثلاثة سياقات متكاملة: القسطُ في الحكم، والقسطُ في إصلاح ذات البين، والقسطُ مع غير المسلمين المسالمين؛ يجمعها كلُّها أنّ القسط خُلقٌ إلهيٌّ يحبّه الله ويحبّ أهلَه.
وأكّد حبيبُ الله وصفيّه ﷺ هذه المنزلة العظمى للمقسطين وخصوصيّتَهم عند الحقّ سبحانه، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نورٍ، عن يمين الرحمن عزّ وجلّ، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا» 1. فرتّب الحديث الشريف مقاماتِ القسط ترتيباً جامعاً: يعدلون في حكمهم — وهو القسط في الولاية العامّة — ويعدلون في أهليهم — وهو القسط في البيت والأسرة — ويعدلون فيما وُلُّوا — وهو القسط في كلّ مسؤوليّةٍ جزئيّةٍ وُكِّلت إلى العبد. فالقسطُ جامعٌ لا يتجزّأ، يبدأ من القلب، ويسري إلى الجوارح، ويبلغ الأسرة والعشيرة، ثمّ الأمّة والعالم.
وقد ميّز العلماء بين «العدل» و«القسط» تمييزاً دقيقاً يستحقّ الوقوف. قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «العدل يُستعمل فيما يُدرَك بالبصيرة كالأحكام… فالعدل هو التقسيط على سواء»، وقال أيضاً: «القسط هو النصيب بالعدل، كالنَّصَفِ والنَّصَفَة» 2. وقد ربط الطبري رحمه الله القسط بالعدل في تفسيره للآية الكريمة، فقال: «القسط هو العدل، من قولهم هو مقسط، وقد أقسط إذا عدل» 3. فكلتا الكلمتين تدلّ على التسوية بين طرفين، وسنختار في مقالتنا هذه، ما ذهب إليه الإمام عبد السلام ياسين في معظم كتاباته التي تعالج قضية العدل من منظور المنهاج النبوي، حيث خصص «العدل» للحكم والقضاء، و«القسط» للإنصاف في القسمة، حتى لا يختلط الحديث عن العدل الحُكميّ بالعدل الاجتماعيّ الاقتصاديّ. وللقرآن الكريم هنا إشاراتٌ بليغة: قال تعالى: وأقيموا الوزن بالقسط ولا تُخسروا الميزان[الرحمن: 9]، وقال: وزِنوا بالقسطاس المستقيم[الإسراء: 35]، فالقسطاسُ هو الميزان العادل، يقول الإمام المجدد: «كلا الكلمتين تدل على التسوية بين طرفين. لكن نخصص لنلح على أن القسمة العادلة للمال والأرزاق مطلب شرعي لا يقل أهمية عن مطلب العدل الحكمي والقضائي. وما وظيفة الحاكم أول شيء إلا السهر على أن لا يأكل القوي الضعيف ليحصل الأمن الداخلي ولا يتقاضى الناس غالبا إلى القاضي إلا لقسمة أسيئت أو نزاع راجع لسوء قسمة» 4.
والظلم في اللغة وضعُ الشيء في غير موضعه؛ فيكون العدل والقسط-في مقابل ذلك-إرجاعَ الأوضاع الجائرة إلى موضعها الشرعيّ. ومن لطائف اللغة في هذا الباب أنّ الفعل «قَسَطَ» (بالصيغة الثلاثيّة) معناه: جار وظلم ولم يُوفِ بالقسط؛ بينما الفعل «أقسط» (بالصيغة الرباعيّة) معناه: عدل ووفّى بالقسط. ولذلك قال الله تعالى عن الجائرين: وأمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً[الجنّ: 15]، وقال عن المنصفين: وأقسطوا إنّ الله يحبّ المقسطين[الحجرات: 9]. فالقاسطُ والمقسطُ من جذرٍ واحدٍ في اللفظ، بينهما هاوية في المعنى: أحدهما إلى جهنّم، والآخر على منابر من نور. وقد قَرَن الله عزّ وجلّ حبَّه للمقسطين بإعلانه في غير ما آيةٍ أنّه لا يحبّ المعتدين والظالمين: إنّ الله لا يحبّ المعتدين[البقرة: 190]، والله لا يحبّ الظالمين[آل عمران: 140].
القسط عقيدةً: إخلاصُ الوجهة لله
أوّل القسط وأساسُه الإيمانُ بالله وحده وإخلاصُ الوجه له؛ فلا يستقيم قسطٌ مع الخلق قبل أن يستقيم قسطٌ مع الخالق سبحانه. وقد جعل الله تعالى القاسطين في مقابل المسلمين، فقال حكايةً عن الجنّ: وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحرّوا رشداً[الجنّ: 14]. فعجيبةٌ هذه المقابلة: إذ المقابل للمسلم في القرآن هو القاسط، لا المعتدي ولا الظالم ولا الكافر. وكأنّ القرآن يُشير إلى أنّ كلّ ميلٍ عن الإسلام جَورٌ في الميزان، وكلّ جَورٍ في الميزان ميلٌ عن الإسلام في حقيقته.
ولذلك كان الخروج من الشرك أصلَ كلّ قسط، إذ الشركُ رأسُ الظلم: وإذ قال لقمانُ لابنه وهو يعظه يا بُنيّ لا تُشرك بالله إنّ الشركَ لظلمٌ عظيم[لقمان: 13]. ومن أَشرك فقد وضع العبادةَ في غير موضعها، وأعطى حقَّ الربّ لغيره، فكان ذلك أشدّ إخلالٍ بالميزان.
وقد جمع الإمام رحمه الله هذا المعنى في أبيات بليغة من ديوانه الشذرات:
للهِ قُمْنا بالقِسْطِ قُمْنا .. قُمْنا شُهوداً بالعَدْلِ جِينا
القِسْطُ عَدْلٌ والعَدْلُ دِينٌ .. والعَدْلُ أمْرُ الإلَهِ فِينا
العَدْلُ والإحْسانُ دِينٌ .. نَحْنُ نُلَبِّي إذا نُودِينا 5
هكذا تأسّس معنى القسط في القرآن والسنّة على ركيزتين: تمييزٍ لغويٍّ يفصل بين العدل الحُكميّ والقسط في القسمة، وأساسٍ عقَديٍّ يجعل القسط في حقّ الناس فرعاً من القسط في حقّ ربّ الناس. وعلى هذا الأساس يقوم البناء كلُّه. وفي الحلقة المقبلة، نتدبّر كيف يكون المؤمن قائماً بالقسط، شاهداً لله، في نفسه وأهله ومسؤوليّاته اليوميّة — وهو السلوك الذي يصنع المُقسط الحقيقيّ.
[2] الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دار القلم، دمشق، مادّة «عدل» ومادّة «قسط».
[3] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير قوله تعالى ﴿شهد الله أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط﴾ [آل عمران: 18].
[4] عبد السلام ياسين، في الاقتصاد، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، 2018، ط 4، ص 192
[5] عبد السلام ياسين، ديوان شذرات، القصيدة رقم 50، الطبعة الأولى 1992، ص 37.