تأمّلنا في الحلقة الأولى معنى القسط في القرآن واللغة، ورأينا كيف يتأسّس على إخلاص الوجهة لله، حتى يقوم في القلب قبل أن يقوم في الجوارح. وفي هذه الحلقة، ننتقل من المعنى إلى السلوك: كيف يكون المؤمن قائماً بالقسط في نفسه وأهله، شاهداً لله بالعدل في صغير أمره وكبيره؟
القسط شهادةً وقواماً: تلازم القيام لله والقيام بالقسط
أمر الله عبادَه المؤمنين أن يكونوا قوّامين بالقسط، شهداءَ لله، لا يُزحزحهم عن ميزان الحقّ هوىً ولا مصلحةٌ ولا قرابة. قال تعالى: يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداءَ لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنيّاً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا[النساء: 135]. وقال سبحانه: يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداءَ بالقسط، ولا يَجْرِمنّكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا، اعدلوا هو أقربُ للتقوى[المائدة: 8]. فالقسطُ في الشريعة لا يُجامِل قريباً، ولا يُحابي غنيّاً، ولا يأخذ بشفقةٍ كاذبةٍ على فقير ضدّ غنيٍّ هو في موضع الحقّ.
وفي الآيتين الكريمتين سرٌّ بلاغيٌّ بديع، إذا تأمّله القارئ المنصف انفتح له بابٌ من أبواب الفهم: لو وضعنا الشطر الأوّل من آية النساء قبالة الشطر الأوّل من آية المائدة، لظهر التقابل واضحاً:
﴿كونوا قوّامين بالقِسْطِ شهداءَ لله﴾ ↔ ﴿كونوا قوّامين لله شهداءَ بالقِسْطِ﴾
ولاحظ «أن القيام بالقسط يقابل القيام لله، وأن الشهادة لله تقابل الشهادة بالقسط. معناه أن القيام لا يكون لله إلا كان القسط في حق الناس عديله. وأن الشهادة بمعناها القضائي وبكل معنى تحتمله اللفظة، لا تكون لله إن لم يكن القسط بين الناس موازيا لها» 1.
هذا التلازم البديع بين عمودَين: عمودٍ إلى السماء وعمودٍ إلى الأرض، عمودٍ إلى الله وعمودٍ إلى الناس، هو حقيقةُ الدين الجامع كما أراده الله. ومن أراد أن يقوم لله وحده دون القسط بين الخلق، فقد خانه فهمُ الميزان؛ ومن أراد أن يُقيم القسط بين الناس دون أن يكون قيامُه لله، فقد فقد المرجعَ الذي يُقوّم به الميزان نفسه.
ولأنّ القسط يمتدّ إلى كلّ ما وُلّيَه العبد، بيّن النبيّ ﷺ أنّ كلّ إنسانٍ راعٍ في دائرةٍ من دوائر المسؤوليّة، محاسَبٌ على قسطه فيها: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته: فالأميرُ الذي على الناس راعٍ وهو مسؤولٌ عنهم، والرجلُ راعٍ على أهل بيته وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيت بعلها وولده وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبدُ الرجل راعٍ على مال سيّده وهو مسؤولٌ عنه؛ ألا فكلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته» 2. فليس القسط حِكراً على الحكّام والقضاة، بل هو واجبٌ على كلّ عبدٍ في دائرته: في بيته مع زوجه وولده، في عمله مع زملائه ومن دونه، في معاملاته مع من يبيع ويشتري ويتعاقد.
وقد جمع الحديث الشريف الموازين الفرديّة في قاعدة جامعة: «إنّ لربّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كلّ ذي حقٍّ حقّه» 3. فالقسط في النفس أن يوازن العبد بين طاعاته ومطالب بدنه، وبين عبادته وأسرته، وبين خلوته بربّه ومعاشه مع خلقه. لا يطغى جانبٌ على جانبٍ حتى يُخِلّ بالميزان الإلهيّ الذي أُقيمت عليه الحياة. ومن أتقن القسط في الصغير، أُهِّل له في الكبير.
دوائر القسط في حياة المؤمن
يبدأ القسط من القلب، فلا يحمل المؤمن لأخيه إلا ما يحبّ لنفسه، ولا يحكم عليه إلا بما يَرضى أن يُحكم به على نفسه. ثمّ يَسري إلى اللسان، فلا ينطق إلا بحقٍّ، ولا يَشهد إلا بصدق، ولا يَنقل عن أحدٍ إلا ما يُحبّ أن يُنقل عنه. ثمّ يَبلغ السلوكَ في البيت: مع الزوج والولد والوالدين، فلا يُؤثر بعضَ ولده على بعضٍ بهبةٍ أو عطاء، ولا يبخس زوجَه حقّاً من حقوقها، ولا يقصّر في برّ والديه. ثمّ يَتجاوز ذلك إلى دائرة العمل والمعاملة: في المتجر فلا يَغُشّ، وفي الإجارة فلا يَبخس الأجير حقّه، وفي الشهادة فلا يكتم.
وأعجبُ صور القسط، وأخفاها على النفس، أن يُقسط الإنسانُ مع نفسه. أن يَعرف لها قدرها فلا يَحتقرها، وأن يَعرف عيوبها فلا يُزكّيها، وأن يَجبر كسرها بطاعةٍ تُعزّها، ولا يُهلكها بمعصيةٍ تُذلّها. هذا هو معنى أن تكون شاهداً لله على نفسك قبل أن تكون شاهداً لله على غيرك. شهداءَ لله ولو على أنفسكم — هذه الكلمة الإلهيّة العظيمة هي حدّ الفاصل بين المُقسط الحقيقيّ والمُتظاهر بالقسط: المُقسط الحقيقيّ يُقسط على نفسه قبل أن يُقسط على غيره، ويَعترف بخطئه قبل أن يَعترف بخطأ سواه.
هكذا يتربّى المؤمن في دوائر القسط، من قلبه إلى أهله، ومن لسانه إلى معاملته. لكنّ القسط لا يقف عند حدود الفرد والأسرة، بل يمتدّ إلى الأمّة والعالم. وفي الحلقة الثالثة والأخيرة، نتدبّر كيف يكون المُقسط شاهداً لله بالقسط في وجه أنظمة الجور: حين يجتمع المالُ والسلطانُ والإعلامُ في يدٍ واحدة، وحين تُداس قضايا المستضعفين أمام مرأى العالم. هناك تَتجلّى الحقيقةُ الكبرى: أنّ المُقسط الحقيقيّ هو من يَجمع بين قسط النفس وعدل الأمّة وإنصاف الإنسانيّة جمعاء.