تأمّلنا في الحلقتين السابقتين معنى القسط في القرآن، وكيف يقوم في القلب وفي السلوك الفرديّ والأسريّ. وفي هذه الحلقة الختاميّة، نَخرج من دائرة الفرد إلى آفاق الأمّة والعالم: كيف يكون القسط ركناً في صرح الدولة الإسلاميّة؟ وكيف يقف المُقسط في وجه أنظمة الجور التي تجمع بين المال والسلطان والإعلام؟ وما موقع القضايا الكونيّة من ميزان القسط الذي يحبّه الله؟
القسط في الحكم والاقتصاد: عَدلان متلازمان
أرسل الله رسله ليُقيموا القسط بين الناس. قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط[الحديد: 25]. فأنزل الكتاب ومعه الميزان، ليعلم الناس أنّ الدين ليس رهبانية وانزواء عن الحياة العامة، بل تنظيم لحركة الأسواق والمحاكم ومجالس الحكم والتوزيع العادل للأرزاق. الشريعة كلُّها عدل، وكلُّها قسط، وكلُّها رحمةٌ لمن أدّى الأمانة.
يوضح الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله هذا المعنى القرآني في حياة الفرد والجماعة فيقول: «إن إقامة العدل والقسط ركن ركين في صرح الدولة الإسلامية، وعلى إقامتهما مدار صلاح الحكم، والاقتصاد، والشورى، والإدارة، والأمر كله. فإن مجتمعا تكون مقاليد الثروة فيه في يد طائفة من الناس لن يلبث أن تعكس قوانينه مصالح هذه الطائفة وأن يستولوا بواسطة قوانين الجور، أو تحريف الكلم عن مواضعه، على السلطان. فإذا كان السلطان والمال -ومن شأنهما أن يتآلفا- مجتمعين في يد طبقة، فإن أجهزة الدولة ومحاكمها تدين لقانون الغالب. فباختلال القسط يختل العدل » 1. فهذه قاعدةٌ كبرى يجدر استحضارها في كلّ تأمّلٍ في شؤون الأمّة: حين تتركّز الثروة في يد القلّة وتتعطّش الكثرة، يُصبح القضاءُ خادماً للمال، والإعلامُ لساناً للقوّة، والقانونُ أداةً للهيمنة.
العدلُ في الإسلام له وجهان لا ينفصلان: العدلُ في الحكم، والعدلُ في القسمة. فالحاكم العادل يُنصف الناس بشرع الله؛ والمجتمع العادل يُوزّع الأرزاق بإنصاف. وأوّلُ ما يحفظه الحاكم أن لا يظلم القويُّ الضعيف. ومعظم النزاعات التي تصل إلى القضاء سببها أصلاً قسمةٌ ظالمة. فلا يكفي عدلُ المحكمة وحده إذا كانت القسمةُ في الأرزاق جائرة، ولا يكفي عدلُ القسمة وحده إذا كانت المحكمةُ ظالمة. والمقسطون الذين يحبّهم الله هم من يجمعون بينهما.
وقد فصّل العلّامة ابن خلدون في مقدّمته آثارَ الظلم على الاقتصاد والعمران تفصيلاً سبق به علماء الاقتصاد المعاصرين بقرون. عقد فصلاً سمّاه: «في أنّ الظلم مُؤذنٌ بخراب العمران»، قال فيه: «اعلم أنّ العدوان على الناس في أموالهم ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذٍ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابُها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالُهم في اكتسابها وتحصيلها، انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك… فإذا قعد الناس عن المعاش، وانقبضت أيديهم عن المكاسب، كسدت أسواقُ العمران، وانتقضت الأحوال، وابذعرَّ الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها، فخفّ ساكنُ القُطر، وخلت دياره، وخربت أمصاره، واختلّ باختلاله حالُ الدولة والسلطان، لما أنّها صورةٌ للعمران، تفسد بفساده مادّتُها ضرورةً» 2.
يستخلص ابن خلدون من ذلك قاعدةً كبرى يحتاجها زماننا اليوم أكثر من أيّ زمنٍ مضى: العدل والقسط شرطان للإنتاج والتنمية، وغيابُهما سببٌ مباشرٌ لخراب الاقتصاد والعمران. فالناس لا يَنشطون في الكسب والإنتاج إلا إذا اطمأنّوا إلى أنّ جهدهم محفوظٌ وأموالهم مصونة. فإذا فشا الجور، انقبضت الهمم، وكسدت الأسواق، وتعطّلت دورة الإنتاج. ثمّ يأتي الانهيار بتفريغ الديار، وهروب أهل الكفاءة من ديارهم بحثاً عن أرضٍ تُحفظ فيها كرامتهم وحقوقهم، فتنهار الدولة بانهيار اقتصادها.
ولأنّ مسؤوليّة الحاكم أعظم وأثقل، لأنّه يتصرّف في رقاب الناس وأموالهم ومصائرهم، جعل النبيّ ﷺ الإمامَ العادلَ أوّلَ السبعة الذين يُظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: «سبعةٌ يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: الإمامُ العادل، وشابٌّ نشأ بعبادة الله، ورجلٌ قلبُه معلّقٌ في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقال: إنّي أخافُ الله، ورجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم يمينُه ما تُنفق شمالُه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» 3. فقدَّم الإمامَ العادل على سائر المقامات الفرديّة، لأنّ عدلَه يُصلح أمر الأمّة كلّها، وجَوْرَه يُفسدها جميعاً.
وإذا فسد الحاكم بالرشوة والسُّحت، فسد القسطُ كلُّه. قال تعالى في أحوال من حادوا عن الحقّ: سمّاعون للكذب أكّالون للسُّحت[المائدة: 42]. قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: وذلك أنّهم أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب. وسُمّيت الرشوة سُحتاً لأنّها تَسْحَت الدين والمروءة، أي تمحقهما وتستأصلهما. وقد شدّد العلماء في هذا الباب تشديداً يتناسب مع عظمة الخطر: قال الإمام أبو حنيفة: «إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت، وإن لم يُعزل بطَلَ كلُّ حكمٍ حكم به بعد ذلك»، وقال الإمام القرطبي: «وهذا لا يجوز أن يُختلف فيه، لأنّ الرشوة منه فسق، والفاسق لا يجوز حكمه» 4. وما أبعد كثيراً من حكّامنا اليوم عن هذا المقام، وقد سخّروا الثروات العامّة لحواشيهم وذويهم، ورفعوا الرشوة من فعلٍ فرديٍّ إلى نظامٍ بنيويٍّ لا تُنجَز معاملةٌ في دولهم إلا به.
ويدخل في ﴿سمّاعون للكذب﴾ في زماننا هذا الإعلامُ الموجَّه وشهادةُ الزور المنظَّمة. وقد شخّص الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله هذه المسألة تشخيصاً دقيقاً يصلح لزماننا، فقال: «إنّ سيطرة الاحتكار الاقتصاديّ على مصير الشعوب المُجوَّعة البائسة يتجلّى في جور طائفةٍ أو طبقةٍ ملكت أزِمّة المال والأقوات والوسائل الماديّة، فأتاح لها ذلك التحكّمَ في التوجيه، والقرار، والإعلام، والتربية، وسائر مناحي النشاط السياسيّ والاجتماعيّ. فإن صعب على الطبقة الاحتكاريّة أن تجهر بجَورها، فإنّ ما لديها من وسائل ماديّة وثقافيّة وسياسيّة يُمكّنها من تزوير ديمقراطيّةٍ تُشترى فيها الأصواتُ من الناخبين، وتُزوَّر بها واجهةٌ قانونيّةٌ ظاهرها الحريّة والعدل والقسط، وباطنها من قِبَلِه العذاب» 5. هذا التحليل البنيويّ ينقل النقاش من مستوى الفساد الفرديّ إلى مستوى الفساد المنظومي.
القسط بين الإنسانيّة جمعاء: ميزانٌ كونيٌّ في وجه أنظمة الجاهليّة
العدلُ والقسطُ مطلبان دائمان لا تستقيم حياةُ الشعوب إلا بهما، وفي أمل الحصول عليهما يحيا الإنسان أنّى كان وكيفما كان. فهذا المطلب لا يخصّ المسلمين وحدهم، بل هو مطلبٌ كونيٌّ تتعطّش إليه القلوبُ في كلّ بقعةٍ من الأرض، تحت كلّ نظامٍ جائر، وأمام كلّ سلطانٍ ظالم. وقد أكّد القرآن الكريم البُعد الإنسانيّ الكونيّ لرسالة الإسلام، فقال سبحانه: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[الأنبياء: 107]. ومن مقتضيات هذه الرحمة العامّة أنّ القسط في القرآن لم يُقصر على المسلمين، بل امتدّ ليشمل كلّ إنسانٍ مُسالم، حتى وإن كان على غير دين الإسلام: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين[الممتحنة: 8]. فربط الله حبّه للمقسطين بإنصاف غير المسلمين المسالمين وبرّهم، ليُؤكّد أنّ الإسلامَ رحمةٌ للعالمين، وأنّ القسطَ ميزانٌ كونيٌّ نزل من السماء ليُقام بين بني آدم جميعاً.
هيمنت الرأسماليّة على عالم اليوم، بعد أن انهار النظام الشيوعيّ في نهاية القرن الماضي تحت ثقل تناقضاته. كلتا التجربتَين أخفقت في إقامة القسط: الشيوعيّة جعلت الدولة إلهاً، فأكلت الطبقةُ الجديدة شعبَها باسم المساواة. والرأسماليّة جعلت السوق إلهاً، فأكل الأقوياء الضعفاء باسم الحريّة. عبادةُ صنمَين انتهى أحدهما إلى الانهيار، وما يزال الآخر يُكرّس ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
وفي زماننا هذا تتجلّى قضايا القسط على المستوى الكونيّ تجلّياً واضحاً يستوجب من المؤمن المُقسط موقفاً واضحاً: قضيّةُ فلسطين التي تُداس فيها كلُّ موازين القسط أمام مرأى العالم ومسمعه، فيُهجَّر أهلُ الأرض من ديارهم، ويُقتل الأبرياء من النساء والأطفال، ولا يُردّ المعتدي عن عدوانه؛ واختلالُ الميزان بين الشمال الغنيّ والجنوب المستضعف، حيث تُكدَّس الثروات في بقعةٍ من الأرض، بينما تُستنزف موارد بقاعٍ أخرى وتجوع شعوبُها؛ والعدالةُ البيئيّة التي تختلّ بتلويث البحار والأنهار، وتسميمِ الأجواء، وتدميرِ الغابات، وكلُّ ذلك إفسادٌ في الأرض يُنذر بخرابٍ كونيّ. فالمقسطون الذين يحبّهم الله في هذا العصر هم الذين يتبنّون القضايا العادلة حيث كانت، ويُصوّتون للحقّ حيث أُميت، ويقفون إلى جانب المستضعفين أنّى كانوا، ومهما اختلفت أديانهم وأجناسهم: « لأنّ الله يحبّ المقسطين».
خاتمة: المقسطون شهداءُ لله بالقسط
هكذا يتبيّن أنّ القسط في القرآن وفي السنّة ليس خُلقاً جزئيّاً يُمارَس في بابٍ دون باب، بل هو منظومةٌ متكاملة: قسطٌ مع الله بالتوحيد وإخلاص الوجه، وقسطٌ مع النفس بإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، وقسطٌ مع الأهل والرعيّة بأداء الأمانة، وقسطٌ في الحكم والاقتصاد بإقامة الميزان، وقسطٌ مع الإنسانيّة جمعاء بالبرّ والإنصاف. والمقسطون الذين يحبّهم الله هم الذين يجمعون هذه الحلقات كلَّها، فلا يُقسطون مع ربّهم ويجورون على أهليهم، ولا يُتقنون قسط النفس ويَغضّون الطرف عن جور الحكّام، ولا يرفعون راية العدل في الأمّة ويخذلون المستضعفين خارجها.
وإقامةُ هذه المنظومة الجامعة تتطلّب قوّةً محرّكةً تُزيح الأثقال والأوزار الجائرة، وتُنشّط الدورة التجديديّة في الأمّة. ويُشير الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى هذه القوّة المنشودة فيُسمّيها: «القوة المحركة الضرورية لإزاحة الأثقال والأوزار الجورية، وتنشيط الدورة التجديدية، يعلمها المنهاج النبوي، وهي القوة المشخصة في جماعة جند الله، أهل الله، أهل القرآن، الشهداء لله بالقسط» 6.
هذه القوة المحركة الضرورية هي الجماعة التي تحمل رسالة المنهاج النبويّ في زمانها، تجمع بين تزكية النفس بالتوبة والطهارة، والشهادة لله بالقسط في الأمّة والعالم. هؤلاء هم ورثة الأنبياء الذين أُرسلوا بالبيّنات والميزان ليقوم الناس بالقسط؛ ينقلبون في دنياهم بين جهادٍ لأنفسهم بالتزكية وتوحيد الوجهة، وجهادٍ في الأمّة بالدعوة إلى العدل وبناءِ مجتمعِ الفضيلة، وجهادٍ في العالم بنصرة المستضعفين ومواجهة قوى الاستكبار.
فإذا جاء يومُ القيامة، حيث لا ظلَّ إلا ظلّ الرحمن، كانوا على منابر من نورٍ عن يمينه تعالى، يشهدون للأمّة التي جدّدت توبتَها، وتطهّرت من رجس الظلم، وأقامت القسط في قلوبها وبيوتها وأسواقها ومحاكمها وعلاقاتها بالعالم. اللهمّ اجعلنا من المقسطين الذين تحبّهم، ولا تجعلنا من القاسطين الذين تُبغضهم، وأقم بنا ميزانَ القسط رحمة في العالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
[2] ابن خلدون، المقدّمة، الباب الثالث، الفصل الثالث والأربعون: «في أنّ الظلم مُؤذنٌ بخراب العمران».
[3] رواه البخاري، رقم 660، ومسلم، رقم 1031، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية 1964، ج 6، ص 183.
[5] عبد السلام ياسين، في الاقتصاد، ص 192-193.
[6] عبد السلام ياسين، في الاقتصاد. الطبعة الرابعة 2018، ص 199 .