همسة في أذن كل صائم

بحلول العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل لا بد أن أعرف إلى أي الأصناف الثلاثة من الصائمين أنتمي حتى أتدارك ما يمكن تداركه قبل أن يعطى الناس جوائزهم وأكون أنا -لا قدر الله- من المحرومين الذين أمَّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم في دعاء جبريل عليه السلام حين قال: "رغم أنف عبد دخل عليه رمضان فلم يغفر له"[1].
فما هي هذه الأصناف الثلاثة؟
- الصنف الأول: نوع من الصائمين يَعْتَبِر شهر رمضان كسائر الشهور. يصوم لأن الناس تصوم، لا تحدثه نفسه بطلب القرب من الله والتنافس على خير هذا الشهر العظيم. فيصوم عن الأكل والشرب ولا يصوم عن محارم الله من غش في العمل وأخذ للرشوة وقول للزور... نهار رمضان، حتى إذا جاء الليل رأيته في المقاهي أو أمام شاشة التلفاز يتجول بين القنوات الفضائية الصالح منها والطالح حتى يغلبه النوم، ليبدأ يوما جديدا لا يختلف عن امسه في شيء. وهذا حاله حتى تنقضي أيام وليالي هذا الشهر النفيسة.
وهذا الصنف نذكره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبين فيه القيمة العظيمة لهذا الشهر:
"عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ الْآخَرِ فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ. قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِهِمَا فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ: "مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟" فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟"قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"".[2]
- الصنف الثاني: نوع من الناس ينشط لكل العبادات لكنه ينسى أن يُخْلص عمله لله فيُصَيِّرُ العبادةَ في هذا الشهر الفضيل عادةً. ومن أكبر الأخطاء لهذا الصنف أنه ينشط لقيام الليل حتى إذا أصابه التعب نام عن صلاة الصبح دون أن يشعر بأسف أو أسى على ضياع الفريضة، ظنا منه أنه بقيامه لليل قام بعمل مشكور. وهذا النوع لابد من تذكيره بأمرين اثنين لابد أن يستحضرهما طيلة شهر رمضان بل طيلة حياته كلها:
* أولهما: وجوب استحضار النية وإخلاصها لله في كل عمل. فاستحضار النية في العادة يصيرها عبادة وغيابها في العبادة يصيرها عادة. وقد قال ابن القيم: العارفون بالله عاداتهم عبادات، والعامة عباداتهم عادات) كما يروى أن الإمام الشافعي رحمه الله كان يعلم تلاميذه استحضار النية في كل عمل وإن قل فبينما هو جالس مع تلاميذه طُرق عليهم الباب فنهض أحدهم، فقال الشافعي: لماذا قمت؟ قال: لأفتح الباب، قال له: انوِ إن كان سائلاً أعطيته وإن كان مستفتيًا أفتيته وإن كان مستغيثًا أغثته") .
* ثانيهما: تعظيم ما عظم الله فقد جاء في الحديث القدسي: ... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه .. وقد نبه الرسول صلى الله عليه وصلم الصحابة إلى أهمية صلاة الفرائض في وقتها فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ»).[3]
- الصنف الثالث: وهو الصنف المطلوب جمع ما فُقِدَ في الصنفين الأولين فالصنف الأول فَقَدَ الإيمان. والثاني فَقَدَ الاحتساب. وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه"[4]، وعنه أيضا: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه"[5] وقد شرح الإمام النووي معنى إيماناً: أنه تصديقاً بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى احتساباً، أنه يريد الله تعالى لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.."[6]
جعلني الله وإياكم ممن صام وقام رمضان إيمانا واحتسابا وبلغني الله وإياكم ليلة القدر.
[1] - جزء من حديث جبريل عليه السلام عن أبي هريرة قال الألباني في صحيح الترغيب : حسن صحيح
[2] - أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " ( 310 ) ، و الحاكم ( 1 / 200 ) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (6 / 176)
[3] - من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 55 ) باب : فضل العِشاء والصّبح في جماعة
[4] - متفق عليه
[5] - متفق عليه
[6] - صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح ص 378









