وحدة القلوب قبل وحدة الصفوف

Cover Image for وحدة القلوب قبل وحدة الصفوف
نشر بتاريخ

لمن أثقلته أعوام طويلة من الانتظار
يتساءل هل يعود الحق يوما قويا كما كان؟

نرفع الصوت بالقول إن مشيئة الله في الأرض قضت أن تكون الكلمة العليا، في نهاية المطاف، للإسلام وأهله.

إذن، ما سر تباعد أهل الحق؟

ما الذي أطفأ جذوة الاجتماع؟ وأي ريح فرّقت شملهم؟

ما الذي تبدّل في القلوب حتى غدا اجتماعها على الحق أعسر من اختلافها؟ أم أن الخلاف لم يعد في الحق، بل في النفوس؟

وهذا هو الخطر الأكبر من العدو ذاته.

فعلى امتداد الدهور وتعاقب الأجيال، تتجدد المواجهة بين أنصار الحق وأهل الباطل حول العدل في الأرض. فمنذ أن خطّت الأمم أولى صفحات تاريخها، ونحن نطالع مشاهد كثيرة أشرقت فيها راية الحق، وانكسر فيها الباطل. ولعل العلة تكمن في اتخاذ أهل الصلاح من الإيمان صلاحًا، ومن اليقين زادًا؛ فقد أعدّوا من أسباب القوة ما استطاعوا، وأخلصوا في السعي والمسير، وجعلوا رضا الرحمن أسمى غاياتهم.

غالبًا ما ينصرف تفكيرنا إلى كيفية التغلب على العدو وما يمتلكه من أدوات وأسلحة وعلوم، ويغيب عنا توجيه الحق سبحانه وتعالى في قوله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69].

فالمؤمنون الذين يجاهدون النفس وأعداء الله لنصرة الدين، يوفّقهم الله إلى الطريق المستقيم. وإن أصعب مجاهدة هي جهاد النفس؛ حيث الصراع مع عدو لا تراه، ويتطلب ذلك عدةً قوية وسلاحًا من الصبر والمثابرة والمصابرة والدعاء.

قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: “ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نفسي، مرةً لي ومرةً عليّ”. وقال يحيى بن معاذ الرازي: “أعداء الإنسان ثلاثة: دنياه، وشيطانه، ونفسه؛ فاحترس من الدنيا بالزهد فيها، ومن الشيطان بمخالفته، ومن النفس بترك الشهوات”.

إنها أقوى عدو، النفس التي بين جنبينا. فكلما تعلقت بالدنيا وزخرفها، ولم تدخل محراب العبودية لله تعالى، طمعت وعصت وقست وتمردت.

إذا كان المجتمع الإسلامي قبلاً متمكنًا من دينه، متشبثًا بربه، حاميًا لدينه، فذلك لأنهم لم يفتقروا إلى مقومات الفعل والتأثير والنصر، بل امتلكوا الأسباب والأدوات التي مكّنتهم من صناعة التغيير. لكن زماننا هذا يبدو كأنه زمن شحّت فيه الأيادي المتعاونة، وتفرقت فيه القلوب عن الغاية التي وجب الاجتماع عليها. فلم نعد نرى ذلك التعاون الذي ينهض بأحوال الأمة، ويجتمع على الحق ويحفظ الحرمات.

وأقسى ما يمكن ذكره، هو أننا نتواجد في حقبة توارى في مشهدها -إلا القليل- من يحمل كلمة لا إله إلا الله بما يليق بعظمتها؛ حيث خفتت حرارة التوحيد في القلوب، وقلّ العمل، حتى أصبحنا نرفع الشعار أكثر مما نحمل تبعاته.

وليس الخطر في ذلك وحده، بل في أن ترى الجموع الكثيرة والكلام المؤثر، إلا أن الأفعال لم تكن على قدر الأقوال، فالنفس متباعدة عن ظاهرها. ومن هنا تكون أهواء النفس مطيةً للهلاك، حيث يُزيَّن الباطل في ثوب الحق.

وإن ما نعاينه اليوم من اضمحلال لشأن المسلمين وتشتت أمرهم، والحلم باسترجاع عزة الإسلام، ونحن ما زلنا نعيش الإسلام السطحي والشعارات والشكليات والفرقة والتعصب، لهو التفكك والانهيار ينعمان بالقرب منا.

والعلاج ليس في أن يتفق المسلمون وأهل الصلاح في كل شيء، بل المخرج هو الرجوع إلى القرآن والسنة النبوية الشريفة، وترك مسببات التفرقة والضعف والجاهلية. فالحق سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله في سورة آل عمران، الآية 103 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا. فالسبيل هو الإخلاص لله تعالى، ومجاهدة النفس، وترك الأهواء، مع صلاح القلوب وتخليصها من أمراضها.

ومما لا يمكن إغفاله في هذا الشأن هو تربية النشء على العقيدة، وحب الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وترسيخ القيم الدينية والأخلاق الفاضلة داخل المجتمع، هذا فضلًا عن عدم غلبة المصالح الشخصية على المصالح العامة.

ولا مناص من الإشارة أيضا، إلى بلورة مشروع مجتمعي مشترك تتقاسمه جميع الأطياف، وتتوحّد حوله الجهود. ومما يجدر التنبيه إليه أن العدو لا يهاب اجتماع أهل الحق والصلاح ولا قوة الصف، بقدر ما يهاب صلاح النفوس والقلوب واسترجاع بوصلة الطريق. فهذا هو السم الذي في نظرهم لا يُعرف له ترياق.

ومن هنا تكتمل صورة المشهد؛ فالمعركة الحقيقية ليست في غياب الحق أو ندرة الأصوات المطالبة به، لأن الرهان يبقى معقودًا على أن تتآلف القلوب، ولا تتنازعها الخلافات، ولا تفرقها النوازل فوحدة القلوب قبل وحدة الصفوف.

ومن هنا تتجلى أهمية تقديم الغاية على الاختلاف والأفراد، واتساع الصدور حتى تحتمل تعدد الآراء وتباين وجهات النظر، وردّ المسائل إلى أصولها لا إلى أهواء النفس البشرية، عندها تبدأ المسافات في الانحسار، وساعتها نخرج من الظلمات إلى النور بما آتانا الله من نور الهدى والفرقان، فالمولى عز وجل قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.