المرأة عند الإمام عبد السلام ياسين.. راعية ومسؤولة

Cover Image for المرأة عند الإمام عبد السلام ياسين.. راعية ومسؤولة
نشر بتاريخ

هي تلك الضحكات التي كانت موءودة قبل أربعة عشر قرنا، حين ولدت كتم أنينها، وضحكتها، وبكاؤها، في قبر ضم طفولتها، ثم انجلت الظلمة وانزاح ستار ظلمها، في لحظة فارقة من الزمن خرج فيها رجل يحمل ابنته على كتفيه يجول بها طرقات مكة بكل فخر واعتزاز، لم يوار وجهه خشية الإهانة، بل رفعها عاليا قدرا وقيمة.. إنه سيد الخلق وحبيب الحق؛ هو الذي ربى وخرج نساء كاملات، وأخريات خالدات، ولكم يحكي التاريخ بفخر ملامح عز سطرتها نساء بدر واليرموكيات وغيرهن.

لكن الحال لم يبق على ما هو عليه، فبعد هذا العز الذي عاشته المرأة تحت كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، جاء من كسر التاريخ وكسرها معه، جاء من أعلنها صريحة: “أنا آخر خليفة وأول ملك”، تلك العروة التي نُقِضَت ونَقَضت معها باقي العرى، فانحط المجتمع وانحطت معه المرأة، حتى أصبحت بضاعة لا يحق لها أن ترى النور إلا لبيت زوجها أو لقبرها.

فكيف انقطع النسل المعنوي للمجاهدات اللواتي قتلن اليهودي، وقاتلن بالسيف والخنجر، وحطمن رؤوس الروم بعمود الفسطاط، وغزون القسطنطينية؟

أمع الرجال دليل بما أحالوا إماء الله قواعد في البيوت؛ محجورات عاجزات جاهلات مظلومات؟ كيف فقدت تلك التربية وماتت تلك الروح؟ كيف قُتِلت المرأة وأفشِلت؟

انفرط عقد نظام الحكم، فذهبت الراعيات، المجاهدات، المسؤولات، كما نقرأ عنهن في السيرة العطرة، وفتحت بعدهن النساء أعينهن على مجتمعات تدين للحاكم دين الانقياد، وتحكمها الذهنية الرعوية.

وزعت السنة المطهرة المسؤوليات وحددتها، وأناطت بكل ذي موقع اجتماعي وسياسي مهمته، في حديث جامع عن عبد لله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راع ومسؤول عن رعيته. فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته”، قال: فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والرجل في مال أبيه راعٍ ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” (1).

“مِثْلُ هذا الحديث العظيم حين تتلقاه قلوب زكية وعقول ذكية وضمائر حرة من التقليد، وأرواح نشأت في عبادة الله ونُشِّئَتْ عليها، يدور فَهْمها ويتجوهر حول مفهوم المسؤولية. كلمة «مسؤولية» في الدارج من لغة العصر تعني شعورا ما بالتبعة، وخوف ما من لوم الناس، وبحث ما عن راحة الضمير، واعتزاز ما بإظهار الكفاءة على حمل الأعباء وإنجاز المهمات. أما معنى المسؤولية حين يلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفهمها العقول وتعيها القلوب التي تقرأ القرآن وتعيه فهو الوقوف بين يدي الله عز وجل غدا يوم القيامة ليُسأل الإمام والرجل” (2).

تدحرجت المفاهيم وتزحلقت، ففقدت قوتها وأصالتها، لتصبح الكلمة المفتاح هي راع وليست مسؤول، والزبدة التي أصبحت تصاغ من الحديث العظيم، بعد انقضاض الملك على الخلافة، هي: “كلكم رَعِيَّة” ما عليكم إلا السمع والطاعة، قلبت الحقائق بعدما انزلقت المفاهيم.

نحن هنا لا نناقش الحديث فهو واضح، لكن نناقش فعل الأزواج وانحراف مفهوم القوامة عند الرجال، فأصبح منهم من يهين ولا يعترف بالفضل، ومنهم من لا يسمو بقدر المرأة عن الخادمة، وبعضهم من يطردها من (بيته)، ويشردها وأطفالها..

وهنا يداهمنا السؤال: هل نسخت مسؤولية المرأة في البيت مسؤوليتها خارجه؟

“مسؤوليتها في البيت سنة قرأناها، ومسؤوليتها خارجه قرآن نقرأهُ في قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة، 72)” (3).

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليفان على المرأة منهما ما على الرجل، عليهما من ذلك مثل ما عليهما من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، فلو جاز للمرأة ترك الصلاة والزكاة لجاز لها أن تنسحب من ساحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

“الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، هما العمل التضامني الذي يوقف الوَلاية بين المؤمنين والمؤمنات على قَدَمٍ. إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ركنان من أركان الإسلام، وطاعة الله ورسوله أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وَلايَة إيمان. تدخل الصلاةُ وتدخل الزكاةُ في طاعة الله ورسوله كما يدخل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخولا اندماجيا لا فصل معه بين الدين والسياسة. الدين سياسة والسياسة دين. والمرأة المؤمنة كالرجل المؤمن نصيبها من المسؤولية السياسية مثل نصيبه، مع اعتبار «الدرجة» التي خولها الله له ليَقود السفينة، إذ هو قطب القوة في مُجَمَّع المؤمنين والمؤمنات.

ما هنا لكُنّ معشرَ المؤمنات من دليل يُقيلكن ويعفيكن من المسؤولية السياسية. إن كانت السنة المطهرة خصصت لكن مجالكن الحيوي حيث تزاولن أمانة الحافظية صالحاتٍ قانتات، فعموم القرآن أهاب بكن إلى تعبئة شاملة تدْعَمْنها بما يفيض من وقتكن وجهدكن بعد أداء واجبكن التربوي الأساسي” (4).

أو ليست تربية الأجيال سوى ترسيخا للمعروف ونهيا عن المنكر، فأنتن إذن تزاولن السياسة من البيت، والمدرسة، والمعهد، والجامعة، والشغل..

الإمامة العظمى إمامة صلاة قبل كل شيء، وقيادة جيوش، وجهاد، خص بها رب العباد الرجل لما حباه من خصائص القوة الجسمية ورباطة الجأش، قوة لا تنازع الأمانة المنوطة بالنساء بل تكملها، كما لا تنازع الحافظية القوامة، بل يعيش بعضهما في كنف بعض، والسياسة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، للرجل مكانه فيها وللمرأة مكانتها، تنسجم في المجال السياسي القوة والأمانة، كما تنسجم القوامة والحافية في الحياة الزوجية.


(1) رواه الشيْخان والترمذي وأبو داود.

(2) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ط 1 / 2018، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، الجزء الثاني 267 – 268.

(3) المصدر نفسه، ص 269.

(4) نفسه، ص 270.