وِرد جدّتي

Cover Image for وِرد جدّتي
نشر بتاريخ

أولُ مرّة رأيتُ فيها السبحة كانت في يد جدّتي. لكنها لم تكن تُسمّيها سبحة، بل كانت تُسمّيها “وِردًا”.

كنتُ صغيرًا، أحبّ الجلوس في حضنها. وكانت -رحمها الله- تتركني ألهو بسبحتها، وتبتسم وهي تراني أُقلّدها، حين أُحرّك شفتيّ بكلماتٍ لا صوت لها، كما تفعل هي تمامًا.

ذات يوم، حين انفرط بين يدي عقد السبحة، وتناثرت حبّاتها على الأرض، هربتُ من غضب أمّي خلف ظهر جدّتي. كلّ الأطفال يفعلون ذلك؛ يفرّون من العقاب خلف ظهر الجدّات. وكعادتها نَهَرت أمّي برفق، ثم علّمتني كيف أجمع الحبّات وأعيد نظمها. عدَدْتُها يومها فوجدتها مئة حبّة، وفي طرفها عشرٌ إضافيّة.

كان بيت جدّتي نظيفًا دائمًا؛ لا تطيق الغبار، ولا تسمح له أن يتراكم. وكان قلبها أنظف من بيتها. لها ركنٌ ثابتٌ للصلاة في البيت؛ ليس مجرّد سجّادة تُفرش في أيّ مكان ثم تُطوى. بل زاويةٌ معلومة، فيها كرسيّ صغير، ومصحف، وسبحتها، وسجّادة، وستر صلاة. مكانٌ له هيبة، كأنّه قطعةٌ من روحها.

فهي ترى الصلاة عمود الدين وعمود كل شيء. مهما تعبت لا يؤخّرها شيءٌ عن موعدها؛ لا ألم ركبتها، ولا انحناءة ظهرها، ولا ثقل كتفيها، ولا برد الفجر. حين تنظر إليها وهي تُصلّي، تشعر أنّها تُناجي من تعرفه حقّ المعرفة. كانت تتمهّل في الحروف، لا تستعجل الكلمات؛ كأنّ كلّ حرفٍ يمرّ على قلبها قبل أن يخرج من لسانها. وحين تقول: سبحان ربّي العظيم، تشعر أنّها تقولها عن تجربةٍ ووعي، لا عن عادة. امرأةٌ عبرت بها السنون، وجرّبت حلو الحياة ومرارتها. مرّت بأزمات، وذاقت الفقد، وتعلّمت الصبر. اختبرت القرب من الله في شدّتها، ورأت فضله في عطائه، وعدله في قضائه..

أجمل ما في صلاة جدتي أنّها لا تدخلها وحدها، بل تدخل ومعها قائمة أدعية خاصة. تعرف احتياجات كلّ فردٍ من العائلة.

هذا يحتاج هداية، وذاك يحتاج شفاءً، وآخر يحتاج توفيقًا في دراسته، ومسافرٌ تستودعه الله، ومهمومٌ تسأل له الفرج.

كانت تعود من صلاتها محمّلةً بالهدايا لنا جميعًا وموقنة بالإجابة.

ذات يوم أهدتها صديقةٌ عائدةٌ من الحجّ سبحةً خضراء تتلألأ في الظلام. أعطتني إيّاها، واحتفظت هي بسبحتها العتيقة.

حملتُها معي إلى مسجد الحيّ، فرآني شابٌّ ملتحٍ، فنهرني قائلًا: إنها بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

خفتُ على جدّتي أن تمسّها نار، فذهبتُ إليها أُخبرها.

ابتسمت باطمئنان. كانت متعلّمة، وكان والدها فقيه مسجد وزوجها مؤذنه. قالت لي برفق:

“السبحة وسيلة، مثل المنبّه الذي يوقظك للصلاة.”

ثم ربّتت على رأسي وقالت: يقول سيدنا الشافعي: “كلما ازددت علماً، زادني علماً بجهلي”.

ثم حدّثتني حكايةً جميلة عن معجزةٍ من معجزات النبي ﷺ، معجزة تسبيح الحصى في كفّه الشريف.

قالت إن الصحابي أبو ذر الغفاري رضي الله عنه روى أن النبي ﷺ أخذ سبع حصيات، فسبّحن في يده، ثم وضعهن على الأرض فسكتن.

ضحكتُ مستغربًا، فابتسمت وأكملت: ثم حملهن النبي ﷺ ووضعهن في يد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فسبّحن في كفّه كذلك.

فضحكتُ فرحًا، فضحكتْ معي، وأردفت: ثم أعطاهن إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسبّحن في كفّه، ثم إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فسبّحن عنده أيضًا، وكان لصوتهن دويٌّ كحنين النخل، ثم سكتن حين فارقن تلك الأيدي المباركة.

ثم نظرت إليّ وسألتني:

لماذا سبّحت الحصيات في كفّ النبي ﷺ، ثم في كفّ أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؟

ولماذا لم يُسمع لها تسبيحٌ حين تُركت وحدها؟

لم تنتظر جوابًا، بل قالت بنبرةٍ هادئة:

“الذكر ليس حبّاتٍ تُحرّكها الأصابع، بل سندٌ متصلٌ بالنبي ﷺ، واتصالٌ قلبيّ.”

ثم انتهزت اللحظة لتحدّثني عن “الوِرد”.

قالت: كان ساداتنا يقولون: من لا وِرد له لا وارد له. ومن لم يَرِدْ لم يُورَد.

الذِّكر منشورُ الولاية، وجوازُ السفر إلى الحضرة الإلهية، وعلامةُ الإذن من الله. فإذا يسّر الله لك بابًا من الطاعة، فاعلم أنك مأذونٌ فيه..

قلتُ لها يومًا، وقد تحرّك في صدري شوقٌ صغير:

امنحيني وِردًا.

ربّتت على رأسي، وأطرقت قليلًا، ثم قالت في لحظة إشراق:

“لم يأذن الله بعد.”

ماتت جدّتي، وضاعت سبحتها في زحمة الدنيا، حتى دخلتُ الكلية.

رأيتُ شابًّا في مسجد الجامعة يحمل مسبحة، فاقتربتُ منه. أخبرني أنّه من تلامذة الإمام عبد السلام ياسين.

سألته: هل عندكم وِرد؟

فضحك وقال: سمعتُ الإمام المجدّد يقول:

“الأوراد أوتاد راسية عليها يبنى يبني المؤمن خيمة الذكر في أرجاء وقته وعامة نشاطه وسويداء قلبه”.

وفي المساء منحني كتيّبًا صغيرًا، لا يتجاوز ثمانٍ وثلاثين صفحة، عنوانه: “يوم المؤمن وليلته”.

تصفّحته، فوجدت فيه معالم طريق: الوتر النبوي، جلسة الشروق، صلاة الضحى، الرواتب، ختمة القرآن كل شهر، سور وآيات فاضلة، ذكر الله تعالى بالكلمة الطيبة، الصلاة على رسول الله ﷺ، الاستغفار، طلب العلم، حضور مجالس العلم والإيمان، دعاء الرابطة…

وفي مقدمته عبارة نفذت إلى قلبي، يقول فيها: “ليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحًا أن تصرفه في الغفلة وتضيعه في ما لا يغني، واعلم أن الوقت الذي تندم عليه -ولات ساعة ندم- هو وقت لم تذكر فيه الله تعالى باللسان والقلب والجهاد لنصرة دينه.”

جلستُ معه جلسةً طويلة.

فهمتُ أن الأوراد عند الأستاذ ياسين شرطٌ في السلوك الإحساني، ومفتاحٌ من مفاتيح الأرزاق المعنوية والمادية. هي ابتهالٌ لاستنزال الأسرار والأنوار، وطلبٌ لحسن الحال، وفرحٌ بالله تعالى، وحرصٌ على رضاه.

وفي الوقت نفسه هي إعدادٌ للشهادة بالقسط؛ لأن العدل -كما كان يقول الإمام المجدّد- أوثق عُرى الإحسان.

في تلك الليلة، حين عدتُ إلى غرفتي، أغلقتُ الباب وجلستُ وحدي.

تذكّرتُ سبحة جدّتي.

تذكّرتُ ابتسامتها، وفهمتُ أخيرًا أن سبحة جدتي لم تكن يومًا خيطًا وحبّات.

كانت طريقًا…

بدأ من حضن جدّةٍ عارفة،

وامتدّ عبر قلب طالبٍ حائر،

ليصل الى جماعة تتوب الى الله وتدعو الناس الى التوبة، تقف عند باب الله وتستبشر بموعود الله.