الرسالة العلمية لرمضان

Cover Image for الرسالة العلمية لرمضان
نشر بتاريخ

العلم بالله: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”

العلم بالله هو العلم بوحي الله وملائكته وكتبه ورسله، وبأسمائه وصفاته وشمائله.. وإذا كان العلم عند كثير من العلماء هو ما حوته الكتب والنصوص، فإن أعظم علم هو العلم بالله تعالى، وهذا العلم محله القلب المنور بذكر الله، قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 9].

والعلم والحكمة العقلية ينبعثان من قلب المؤمن الناظر إلى الله وملكوته وما سخره الله تعالى في كونه لصالح المسلمين والناس أجمعين. والعالم العارف بالله غاية همته القرب من الله عز وجل وهو يطلب ويجتهد ويتعرض ويتكلف في تحصيل الأعمال الصالحة، وهذه الهمة لا تعطى لجاهل أو غافل عن الله؛ تراه راكعا ساجدا محوقلا في زاوية المسجد لكن قلبه مطموس عليه، دينه في واد وهمومه وأهدافه في واد آخر.

والقرآن الكريم هو محور هذه العملية العلمية التعلمية للأمة الإسلامية، ولا مناص من الانكباب على كتاب الله قراءة وفهما وتدبرا وحفظا، فهو الذكر، وهو العلم، وهو الأساس الذي منه ننطلق. ورمضان فرصة للانجماع على الله ومدارسة كتابه، والقيام بختمات جماعية، والذكر في مجالس تحفها الملائكة وتتغشاها الرحمة وتتنزل عليها السكينة ويذكرنا الله بها فيمن عنده، فتكون هذه المجالس بإذن الله تعالى مجالس علم وحلم وتفكر، قال تعالى: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]. والعلوم المطلوبة هي التي يحركها العلم بالله وسنة رسول الله، فالخير كله في الفقه في الدين وما يأتي بعد الفقه في الدين فهو وسيلة لخدمة مقاصد الدين.

صحبة ومحبة في الله: “الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا”

وإذا كان لابد من عالم يورث المتعلم حب الله ومعرفته والنصيحة له ولرسوله ولكتابه وللمسلمين عامتهم وخاصتهم، فإنه لابد من البحث عن هذا العالم العارف بالله والتنقيب عنه، قال الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى: “اصحبوا شيخا عالما بحكم الله عز وجل وعلمه، يدلكم عليه، من لا يرى المعلم لا يفلح، من لا يصحب العلماء فهو في نبض التراب، لا دليل له. اصحبوا من له صحبة مع الحق عز وجل”. ويقول الأستاذ عبد السلام يسين رحمه الله تعالى: “فتش على من يكون مرآة لدينك” (إمامة الأمة/147).

ولقد شرف الله سبحانه وتعالى الصحابة الكرام بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمعوا بين الجهاد في سبيل الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلم الذي جاء به حتى أصبحوا شموس هداية، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله. ومن محفزات الصحبة في رمضان الإفطارات الجماعية للصائمين، الصبر والمواساة ومسح دمعة يتيم ذا مقربة أو مسكين ذا متربة، بهدية أو صدقة أو كلمة طيبة.

ربط التربية بالعلم والتعلم

إذا كانت “التربية في عُرف الثقافة المادِّية لا يعدو هدفُها إعدادَ «المواطن الصالح، والعامل المنتج، والاختصاصيَّ الكفء». لا تعدو آفاقَ الدنيا، ولا تَخرجُ من بئر الغفلة عن الله. تربيةٌ خُلُقِيَّةٌ ليكونَ المواطن مسالما فلا تحدث الفوضى في المجتمع. تربيةٌ علمية أدبية لتنمية «الثروة» الفكرية والقدرة التكنولوجية في المجتمع (…) فإنه يصعب ربط العلوم الكونية على من قلبه مطموس مطبوع عليه من الكافرين” (إمامة الأمة / 145).

إنما يتم ربط الوسائل بالغاية، “ربط علوم الكون بالقرآن وفي كيان الشخصية التي انجمع لها وفيها أشواق القلب ومحابه مع قدرات العقل واليد في محجة واحدة، على صراط الله المستقيم، دليلها المكتوب القرآن الكريم وحجتها السنة النبوية” (إمامة الأمة / 151). فالغاية من التربية في دولة القرآن أن تشحذ الإرادات، وتحفز الكال من الهمم، وتنهض بالعزائم لسد ثغرة الانفتاح العقلي على كل العلوم، فيتنور عقل المؤمن بعلم الشريعة وعلوم الكون. كما أن سلوك التربية الإيمانية التي تثمر معرفة الله سبحانه وتعالى هي التي توقظ قلبه وعقله ليكون عبدا لله.

ليس فقه العبادات هو الفقه في الدين وحده، لكنه من أهم جوانبه إن تفرع عنه علم التغيير، علم يغير المجتمع بجعل القرآن أساس الانطلاق والمرجع والدليل والدستور الحاكم، والشرح النبوي للسنة وحي من الوحي كما كان في العهد النبوي وعند سليمي الفطرة الصحابة الكرام.

خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون وسخره للإنسان، فالمطلوب عقول مؤمنة وعلوم يحركها العلم بالله في جميع المجالات التربوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، علوم تسخر الكون لمصلحة البشرية ولتبليغ كلمة الله إلى العالمين، وليس للفتك بالبشرية وصناعة الأسلحة المدمرة ونشر الأمراض والفيروسات والتنكيل بالإنسان.

 لا إله إلا الله محمد رسول الله.