سنتان على زلزال الحوز.. معاناة مستمرة تكشف "اختلال" منطق الأولويات في التدبير الرسمي

محتويات المقال
في الثامن من شتنبر 2023، اهتز المغرب على وقع زلزال مدمر ضرب إقليم الحوز ومناطق واسعة من الجنوب، خلف قرابة 3 آلاف قتيل وآلاف الجرحى، وشرد آلاف الأسر. ورغم مرور سنتين على الفاجعة، ما تزال آثارها بادية في القرى والجبال وعلى الإنسان أيضا، حيث لم تنصف بعد شرائح واسعة من الساكنة التي تعيش على وقع الحرمان والتأخر في إعادة البناء.
وعود رسمية يتكشف زيفها بعد عامين
أثناء الزلزال وعقبه، عرف المغرب حركة استثنائية في الدعم والمساندة، وأظهرت المعدن الصافي للإنسان المغربي في التآزر والتكافل، وبالموازاة مع ذلك أطلقت الدولة "برنامجا طموحا" وأعلنت عن تأسيس صندوق لجمع التبرعات، ونال هذا الملف اهتماما كبيرا ودعاية خاصة في وسائل الإعلام؛ مفادها أن المناطق المنكوبة ستنال من الرعاية الرسمية ومن المشاريع التنموية ما حرمت منه لعقود طويلة، لكن الزمن كان كفيلا بتوضيح كل شيء.
تبين أن كل تلك الوعود الرسمية الكثيرة التي صاحبت بداية الأزمة اصطدمت مع الواقع المرير الذي يعيشه المتضررون في المناطق المدمرة، بين انتظار طويل لإنهاء معاناتهم، وتجاهل لنداءات الاستغاثة المتكررة.
اليوم، تعود الذكرى الثانية لتكشف مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي وما يجري على الأرض طيلة هذه الشهور الأربعة وعشرين، حيث ما تزال تعيش قوافل من العائلات بين الخيام، وقد تركت لمصيرها تواجه قسوة الشتاء وحرارة الصيف، دون أفق واضح يضع حدا لمعاناتها.
بيوت بنيت وأخرى ما زالت في العراء
بفضل مبادرات فردية وجهود المحسنين، ودعم محتشم من الدولة، تمكنت بعض الأسر من إعادة بناء بيوتها المهدمة، لتبدأ حياة جديدة رغم الألم بعد صدمة الزلزال. هؤلاء وجدوا في التضامن الشعبي سندا حقيقيا عوّض ضعف الدعم اللازم من الدولة.
في المقابل، لا تزال نسبة معتبرة من الساكنة تنتظر نصيبها من إعادة الإعمار، إذ يعيش مواطنون وعائلات منذ سنتين داخل خيام مهترئة لم تصمد أمام العوامل المناخية. الأمطار تسللت إليها في مواسم الشتاء، والحرارة الخانقة حولتها إلى جحيم في الصيف.
المشهد في هذه القرى تتصدره خيام أقيمت أول يوم من المعاناة على أن تكون استثناء عابرا، لكنها على ما يبدو أرست أسسها وأصبحت هي القاعدة التي تجيب كلما سألت عن أوضاع متضرري الزلزال في القرى المتفرقة على امتداد عشرات الكيلومترات بين جبال الأطلس، لتكون عنوانا لأسر ما زالت على الهامش تعاني الإهمال والتهميش، رغم أن أسرا قليلة فقط تمكنت من إعادة بناء منازلها واستعادت بعض الاستقرار.
خروقات واحتجاجات مستمرة
ملف إعادة الإعمار لم يخل من خروقات أثارت غضب المتضررين، سواء تعلق الأمر بسياسة الانتقاء في منح الدعم، حيث استفاد بعضهم واستثني آخرون دون معايير واضحة، أو تعلق الأمر بالتأخر غير المبرر في إنجاز المشاريع الموعود بها لما بعد الفاجعة.
هذه الاختلالات دفعت السكان إلى تنظيم احتجاجات متكررة، كان أبرزها تلك التي قادها سعيد آيت المهدي، منسق تنسيقية متضرري الزلزال، الذي رفع صوته عاليا ضد هذه التجاوزات، ليجد نفسه لاحقا أمام أحكام قضائية بالسجن على خلفية مشاركته في الاحتجاجات وتزعمها.
التضييق بالمحاكمات وغيرها على خلفية الاحتجاجات، هو سياسة لتكميم الأفواه وتخويف الناشطين من فضح الفساد الذي يكتنف ملف متضرري الزلزال، ليكون هذا التجاوز وجها آخر من وجوه معاناة المتضررين، الذين رأوا في ذلك محاولة لإسكات أصواتهم بدل الاستجابة لمطالبهم المشروعة.
مفارقة السرعتين في المغرب
يكشف ملف الزلزال بعد عامين على مروره، وما أعقبه من مشاريع في مجالات أخرى، خاصة في الأشهر القليلة الماضية، مفارقة صارخة في الطريقة التي يدار بها الزمن التنموي بالمغرب؛ سرعة قياسية في إنجاز المشاريع الضخمة، مثل بناء الملاعب الرياضية بمقاييس عالمية وبأرقام خيالية من الميزانيات، وما يرتبط به من إعداد لاستضافة كأس العالم 2030 بما يتطلبه ذلك من إرضاء للمؤسسات الدولية، يقابل كل ذلك بطء شديد في إنقاذ قرى منكوبة تنتظر منذ سنتين بيتا يقيها البرد والمطر، وقرا أخرى كثيرة ممتدة في عالم قروي يطاله زلزال الفقر والهشاشة وإن لم يطله الزلزال سنة 2023.
ففي العالم القروي، تستمر موجات السخط وعدم الرضى على الواقع الاجتماعي والمعاش، والتي تتحول إلى احتجاج ضد التهميش والإقصاء، كما حدث قبل أسابيع في أيت بوكماز وأيت امديس وغيرهما، حيث يطالب المواطنون فقط بفك العزلة وبالعيش الكريم وبأساسيات الحياة وبالحد الأدنى من البنيات الأساسية.
هذا التباين يعكس خللا في ترتيب الأولويات، إذ تصرف الموارد والجهود في واجهات براقة، بينما يظل الإنسان البسيط في القرى المنكوبة يواجه الموت البطيء تحت خيام مهترئة.







