جماعة العدل والإحسان: قوة سياسية أم كتلة ناخبة؟

أضحى مألوفا إقحام اسم جماعة العدل والإحسان في كل نازلة أو استحقاق يجد فيه المسؤولون أنفسهم هدفا لغضب شعبي: الإضرابات القطاعية نموذجا؛ ولم تكن الانتخابات المزمع تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026 لتشذ عن هذه القاعدة، فجماعة العدل والإحسان في نظر البعض حريصة على إفساد العرس الديمقراطي بدعوتها لمقاطعة التصويت في هذه الانتخابات، وهي بهذا الموقف توفر شروط هيمنة "المفسدين" على نتائج هذا الاستحقاق من خلال تقليص مستوى المشاركة في التصويت، وكأن أعضاء الجماعة إذا صوّتوا -فرضا- يجب أن تذهب أصواتهم لمكون سياسي معين دون غيره.
السؤال لمن يرفض موقف جماعة العدل والإحسان والقاضي بمقاطعة التصويت كما أكده بيان أمانة دائرتها السياسية بتاريخ: 26.09.09؛ السؤال بل التساؤلات الوجودية كما يقول الفلاسفة هي: ما الذي منع ويمنع جماعة العدل والإحسان من المشاركة في الانتخابات ترشيحا وليس تصويتا فقط؟ هل الجماعة مرحب بمشاركتها -لو قررت ذلك- في المسلسل الانتخابي أم أنها ممنوعة منها؟ كيف يفسر هذا الحرص على مشاركة الجماعة في الانتخابات وأعضاؤها ممنوعون من مجرد العضوية في مكتب جمعية حي أو ودادية سكنية؟
إن الحديث المتكرر عن موقف جماعة العدل والإحسان من المشاركة في التصويت في الانتخابات كان ستكون له مصداقية لو كان مسبوقا بإثارة ملف مظلومية الجماعة والسعي -مجرد السعي- لإنصافها وتمكينها من حقوقها من أجل الاستفادة من طاقتها ومؤهلاتها التربوية والتعبوية لبناء وطن يسع جميع أبناء الشعب.
إن الإصرار على استهداف جماعة العدل والإحسان إلى درجة التخوين والتآمر على الوطن كان سيكون له معنى لو امتلك أصحاب هذا الموقف شجاعة شجب ما تتعرض له الجماعة منذ نشأتها من خروقات حقوقية جسيمة: تشميع بيوت، حرمان من ولوج الوظيفة العمومية، إعفاء الأطر من مهامها الوظيفية، منع الانخراط في الجمعيات، المنع من الاستفادة من الإعلام العمومي، حرمان أبناء وبُنيات أعضاء الجماعة من التخييم، التشهير والاستهداف الأخلاقي... قد يقول قائل: إن مشكلة جماعة العدل والإحسان مع النظام وهي من يجب أن يحلها. والجواب: هل المشكل لدى النظام أم الجماعة؟ ما الذنب التي اقترفته الجماعة لتنال هذا التضييق كله؟ هل جماعة العدل والإحسان تنظيم إرهابي يهدد الاستقرار والأمن العام للمغرب؟ هل الجماعة تكفيرية تهدد الأمن الروحي للمغاربة؟ هل الجماعة انقلابية تخطط لقلب النظام؟ هل الجماعة متورطة في تهمة التخابر مع قوى أجنبية معادية للمغرب؟ ما ذنب جماعة العدل والإحسان إن كانت واضحة في تصورها وتشخيصها لعلل النظام السياسي القائم؟ وهل الانحياز لمطالب الشعب وحقه في الحرية والعدالة والكرامة أضحى تهمة تستوجب الإقصاء من المشهد السياسي الرسمي؟
وعليه، إنه وقبل اتهام جماعة العدل والإحسان بالتشويش على المسار الديمقراطي وما يسوَّق "انتقالا" ديمقراطيا يجب إنصافها وجبر ضرر سنوات التعسف عليها وعلى أعضائها، بل والاعتراف بأدوارها في تربية فئات واسعة من أبناء الشعب على الرفق والاعتدال والمسؤولية؛ تربية يشهد المنصفون أنها جنبت البلاد مطبات وقلاقل اهتزت لها دول الجوار.
إن جماعة العدل والإحسان ليست مستعجلة في أمرها، ولا تستهويها المناصب والامتيازات الآنية، ورهانها -بعد الثقة في توفيق الله وتسديده- على يقظة الشعب ومنسوب وعيه المطرد والمتنامي بعبثية اللعبة السياسية؛ وعي شعبي غدَا مزعجا لأصحاب الحال ومن يدور في مدارهم يجليه مستوى فقدان الثقة في الانتخابات وما ينبثق عنها من برلمان وحكومة ومجالس.








