عاشوراء: أما آن لهذا الجرح أن يندمل؟

Cover Image for عاشوراء: أما آن لهذا الجرح أن  يندمل؟
نشر بتاريخ

كم هو مؤلم أن تشاهد حال المسلمين يوم عاشوراء؛ طائفة فرحة مبتهجة وأخرى حزينة باكية، الأولى تتخذ من يوم عاشوراء يوم عيد وسرور فيغتسلون فيه وتكتحل نساؤهم وتخضب أياديها بالحناء ويوسعون فيه في الإنفاق ويبالغون في إقامة الحفلات وغير ذلك؛ والأخرى تتخذ من نفس اليوم مأتما فلا تكاد ترى إلا ندب الخدود ولطم الصدور وشق الجيوب والنوح بأعذب الألحان… ألسنا جميعا أتباع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟

حقا إن اليوم العاشر من شهر محرم يوم مثقل بالأحداث السارة والمحزنة في نفس الوقت، ففيه نجى الله سيدنا إبراهيم عليه السلام من النيران وسيدنا نوح عليه السلام من الطوفان وأكرم سيدنا موسى ونجاه من كيد فرعون… وفي نفس اليوم من سنة 61 هجرية وقعت أعظم فاجعة في تاريخ المسلمين على أرض كربلاء وأحدثت جرحا غائرا في جسم الأمة الإسلامية، حيث امتدت الأيادي الظالمة إلى حِبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا وابن سيدنا الحسين بن علي كرم الله وجهه فقتلته، ولم يكتف أعداء الله بقتله بل قطعوا رأسه الشريف وتلاعبت به الأيادي الماكرة، مما يثير غضب المسلمين أجمعين ويدمي قلوبهم، لكن هل هذا الحدث يخول لنا أن نحرك هذا الجرح وندميه كل سنة؟ ويجعلنا نوقد نيران الأحزان الخامدة كل وقت وحين عبر الأجيال بالنوح واللطم وضرب الرؤوس بالسيوف والأظهر بالسلاسل؟

وهل يستوجب شكر الله عز وجل على إنقاذ سيدنا موسى إقامة كل هذه الحفلات؟ ويبرر الإسراف وما يقوم به المسلمون في ذكرى هذا اليوم من حفلات يعمها الاختلاط ومظاهر بعيدة عن الدين الإسلامي؟

إن كلا الطائفتين تجاوزت الحد في الفرح والأحزان وخير الأمور أوسطها، فمما أوثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لما جاء المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سأل عن السبب قيل له أنهم يصومونه شكرا لله على إنقاذ موسى عليه السلام، فقال صلى الله عليه وسلم أنا أولى بأخي موسى منهم، فصام ذلك اليوم ونوى أن يصوم في السنة الموالية تاسوعاء وعاشوراء ليختلف عنهم.

ومن ثم فإحياء يوم عاشوراء ينبغي أن يكون بالصيام، وبعقد جلسة أسرية نتدارس فيها مع أبنائنا تاريخ المسلمين ومناقب آل البيت الطاهرين والصحابة الأكرمين، ولنحذر كل الحذر من أن نبالغ في الحزن أو الفرح، ولنحرص على أن نحسن فهم ديننا جيدا حتى لا نسقط في المحظور، فإخواننا الشيعة إنما يعتبرون ما يقومون به من مواكب النياحة والندب والبكاء إنما هو إعلان للثورة العاطفية على الظلم والظالمين، بل أنهم يبررون ما يقومون به من ضرب أظهرهم بالسلاسل الحديدية ورؤوسهم بالسيوف إنما هو بمثابة تدريب عملي وتمرين على خلق الروح النضالية وعلى عمل التضحية والاستشهاد حسب ما يعتقدون، ولو كان ما يزعمون صائبا لما توانى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على إقامة هذه المآتم بعد مقتل سيدنا حمزة رضي الله عنه الذي مثل به وأكلت كبده الشريفة، وقد خاض الصحابة رضوان الله عليهم بعد ذلك عدة معارك، بل بكاه صلى الله عليه وسلم لحظة استشهاده واستمر في تبليغ دعوته، ولم يكن في حاجة إلى هذا النوع من التدريب بل كانوا رضوان الله عليهم رهبانا في الليل فرسانا بالنهار، وبلغت الفتوحات الإسلامية مشارق الأرض ومغاربها الشيء الذي لم نقو نحن اليوم على تحقيقه.

كما أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة والندب وغيرها من مخلفات الجاهلية، فقد جاء في الصحيح «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». والحمد لله أن بعض إخواننا الشيعة بدؤوا يعون شناعة هذه الأفعال وقبحها فقد أصدر مكتب الفتوى لمسلمي القوقاز هذه السنة فتوى يدعو فيها مسلمي القوقاز إلى« تنظيم مواكب العزاء وعدم إيذاء أنفسهم من خلال جلد الذات أو جرح أجسادهم في أيام عاشوراء وأن يعوضوا عن ذلك بالتبرع بالدم…».

ومن جهة أخرى فلا ينبغي الإفراط في الفرح كذلك فلنعلم أن أول من اتخذ من يوم عاشوراء يوم عيد وانتصار واحتفال هم بنو أمية الذين أرادوا أن يطمسوا آثار فعلتهم البشعة وكأنهم كانوا آنذاك يشمتون بأتباع سيدنا الحسين كرم الله وجهه. كما ينبغي علينا أن لا نقوم بعمل دون أن نعرف دواعيه فلو سألت أحدا اليوم ممن يشعلون النار مثلا لماذا تلتفون حولها بالدفوف والإنشاد؟ لما قال لك شيئا معقولا.

فقد آن الأوان أن ننفض عنا غبار الجهل والفرقة ولنضع يدا في يد عسى الله عز وجل يجمع شمل هذه الأمة ويوحد صفوفها وينصرها على أعدائها آمين آمين والحمد لله رب العالمين.