الشورى في المجتمع الإسلامي

Cover Image for الشورى في المجتمع الإسلامي
نشر بتاريخ

تقديم

الشورى هي الكلمة التي يستعملها القرآن للدلالة على الاستشارة، أي الجهد المبذول للتأويل والتكييف والفهم من أجل تطبيق الشريعة المنزلة التي لايحق للبشر أن يعدلوها 1، وهي مستوحاة من قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (الشورى، 38)، والشورى في السياق القرآني لا تنفصل فيه الحياة السياسية عنها في الحياة الاجتماعية، بل تنضاف لها صفات أخرى ليكتمل البناء العضوي للمجتمع الذي يمثل جزءا من الفضاء الديني، حيث تضفي عليه الصفات الأخرى  الألفة والقوة والقدرة على التعاطف والتفاهم والعمل الجهادي، وأول هذه الصفات المحبة، والنصيحة والشورى ثم الطاعة، فكيف يسند الحب في الله النصيحة والشورى؟

المحبة قبل الشورى

إن التناصح والتشاور بلا محبة تتجاوز عن الهفوة وتغطي العيب، أنانية وتأجيج خلاف، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحب في الله دستورا، قال صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه عز وجل: “حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء” 2.  إن أهم الروابط التي كانت تربط الصحابة بعضهم ببعض هي روابط التآخي والنصرة والولاية للمؤمنين، فكانوا ينتظمون تحت تنظيم جماعة عضوية يألم بعضهم لبعض وينصر بعضهم بعضا، وصور صلى الله عليه وسلم تلاحم مجتمع تسوده وتحكم حياته الوجدانية قيم الأخوة والبذل والحلم والتكافل في الحديث الشريف “مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” 3، حاذيهم في ذلك حب الله ورسوله ومحبة المؤمنين لحب الله. وهذا الحب في الله لا يقتصر على حدود البلد أو جماعة من المسلمين دون أخرى، بل إن الحضارة الأخوية ومجتمع الرحمة عمادهما على صعيد القلب حب الله ورسوله والمومنين على وجه الأرض جميعا، وعمادهما على صعيد الفكر والفهم والرأي والسياسة “النصيحة والشورى”، وهذه المحبة تقتضي أيضا لين الجانب وخفض الجناح والعفو والرحمة والرفق بالخلق والصبر عليهم قبل تطبيق العقوبة، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران، 159) صدق الله العظيم. وقد بعث الله تعالى الرسل والأنبياء رحمة للخلق وليبشروا الناس أنهم لم يخلقوا عبثا وأنهم إلى ربهم راجعون للحساب والعقاب، فكانوا هينين لينين يتحببون إلى الناس ليحببوا إليهم الله، وكانت دعوتهم حانية ميسرة لا معسرة يلتم فيها شمل الأمة بالمحبة الأخوية ويشتد ساعدها بقوة الدولة الحافظة القوية الأمينة. 

الشورى جامعة

إضافة إلى كون الشورى تدعم المحبة بين المؤمنين في المجتمع الإسلامي، وإلى كونها تحفظ علاقات الود بين أفراد الأسرة الواحدة، وإلى كونها وسيلة للإقناع وليس لفرض الرأي بالقوة، فإنها تعتبر جامعة للقلوب، ووسيلة للأمن والاستقرار والرخاء، وسببا من أسباب منع الظلم  والاستبداد. ولقد اتخذت الشورى في العهد النبوي شكلا بسيطا تتناسب مع بساطة العيش وقرب المسلمين بعضهم ببعض، وتعارف الصحابة العارفين بحكم الله فيما يتشاور فيه، ونظرا لأن الزمان والمكان غير الذي كان يعيشه الصحابة الكرام ونظرا لتشعب مشاكلنا وظروف زماننا ومكاننا فيمكن أن تتشكل الشورى وتنتظم على أحسن ما يأتي في الزمان والمكان، لأن القرآن الكريم في قوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم”، ترك المجال فسيحا لذلك عن طريق الاجتهاد في تنظيم الشورى دون الإخلال بروحها، والروح تتجلى في سياق الآيات الأربع الآتية من سورة الشورى؛ قال تعالى: فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39). من هذه الآيات الكريمة يظهر موقع التشاور من الترابط والتلاحم الذي يجمع المؤمنين أفرادا وجماعة، فالتوكل على الله إخلاص واتباع لأوامره، واجتناب الكبائر والامتناع عن المنكر ملازم للتسامح والرفق والرحمة والصبر، ثم الاستجابة لأمر الله وتلبية النداء بإقام الصلاة وإقامة الشورى والإنفاق مما رزقهم الله زكاة مفروضة وبرا عاما وبذلا سخيا يحفظ توازن المسلم الغيور على حقوقه المتأهب للدفاع عن نفسه ومقاومة الظلم والاستبداد، مما يجعل تلك الصفات كلها تتكامل وتتساند وتسري في الكيان كله فردا وجماعة. وهذه روح الشورى وسياقها الإيماني الواصل العباد آخرة ودنيا، توكلا ورفقا، صلاة وشورى.

“المومنون في الدنيا لهم معنى واتجاه ومقاصد، لا يصح لهم معنى ولا يستقيم اتجاه إلا إذا طابقت مقاصدهم مقاصد القرآن. مقصدهم الأسمى في الآخرة يحكم مقاصدهم هنا ويوجهها توجيها، ليس بالإكراه و حساب المصلحة العاجلة، لكن بالرغبة فيما وعدوا به من غفران وجنة ونعيم ورضوان من الله أكبر ثم المصالح مرسلة مادامت في سياج المباح الشرعي” 4.

الديمقراطية والمجتمعات الغربية

كلمة “الديموقراطية تعني في الأصل حكم الشعب أي قدرة المنتخبين الممثلين للشعب على التشريع دون الخضوع لأي وصاية عليا” 5، ويتنافس الديموقراطيون في بلاد الديموقراطية على كسب ثقة الشعب ويناضلون للفوز بهذه الثقة، وتهفو أفئدة السياسيين المحترفين والمناضلين اللائيكيين إلى الديموقراطية بما هي حرية وحقوق إنسان وتعددية وتداول على السلطة وباب مفتوح على الرئاسة، وكذلك هي فرصة لمن يتطلع من المناضلين الانتهازيين إلى نصيب مما تنثره الديموقراطية على أتباعها من إمكانات لتسلق السلم الاجتماعي وقضاء الأغراض… وديموقراطية حرة نزيهة كبديل عن الاستبداد هي خطوة نحو التحرر.

 لكن عندما تنفصل الديمقراطية عن الدين بعكس الشورى التي هي عبادة قبل كل شيء وأمر إلهي، فإن  منطق الحرية والمساواة وحقوق الإنسان يكون له اختلاف جذري عما هو في منطق الشورى والعدل؛ فبما أن حقوق الناس موكولة للقانون والمحاكم لا إلى الضمائر الإنسانية فإن الحقوق في بلاد الغرب متوفرة لمن يدفع ومن يتحايل على القانون ومن يحكم “فعلاقات الناس بعضهم ببعض في الحضارة المادية المصنعة علاقات قانونية محضة، انمحت أو كادت تنمحي فيها كل عاطفة إنسانية، حتى الأمهات والآباء لا يجدون من البنات والأبناء الرعاية التي تعتبر في بلاد المسلمين حقا مقدسا، الأسرة مفككة ولا يكاد البنون والبنات يبلغون سن الثامنة عشرة حتى يدفعوا خارج الأسرة أو يندفعوا. فتنفصم عرى الرحم كما انفصمت عرى الزوجية” 6. كما أن من شأن الفردية المنعزلة والفردية الجافة التي يعاني منها الإنسان الغربي والتي تعزله في وظيفته التقنية ودوره الاقتصادي وتوكله إلى حيلته وماله في المجتمعات الرأسمالية، أو إلى الدولة في الدول الشيوعية التي تعتبره قطعة غيار ومادة أولية من موادها أو أداة فارغة في دولة فاشية، من شأن كل ذلك أن يفسد العلاقات الإنسانية أكثر مما هي فاسدة، ولا يتصور بديل للفردية إلا الاستبداد الشمولي.

في مجتمعاتنا أيضا بعد الانسحاب الصوري للاستعمار، دخل الانحلال علاقات المسلمين بعضهم مع بعض وانزوت علاقات التراحم بين المستضعفين، لكن لا تزال هناك مسكة من الرحمة خاصة في الأوساط الشعبية التي لم تبتل بالعدوى الجاهلية من قريب. “إن حاجة الأمة مزدوجة لإحياء الفقه الأول الدال على الله وعلى حب الله، وعلى حب رسول الله، وعلى الدار الآخرة ولبعث اجتهاد نستقل فيه عن تقليد ما بلي من اجتهاد، خاصة الفقه المكبوت المسكوت عنه: فقه الحكم والشورى والدولة والسياسة” 7.


[1] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص 333
[2] صحيح ابن حبان، 577.
[3] رواه الإمام البخاري ومسلم.
[4] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص 65.
[5] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص 333.
[6] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص 109.
[7] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ص 388 ج 1.