تتعب لتسعد الإنسانية

Cover Image for تتعب لتسعد الإنسانية
نشر بتاريخ

تلك هي المرأة الصالحة كالشمعة تحترق لتنير درب الحياة. فهي لا تكتفي بإسعاد والديها وإخوتها، ولا يتوقف عطفها وحنانها على زوجها وذريتها، بل يسع قلبها الكبير الإنسانية جمعاء؛ ولا ترضى بتحقيق سعادة فانية زائلة، بل تبذل قصارى جهدها لتدل الناس على السعادة الأبدية وعلى النعيم المقيم.

إنها بحق النموذج الفريد الذي يسير على خطى الكاملات من النساء المختارات من رب العالمين؛ الذين وطنوا أنفسهم لإنقاذ الإنسانية من ضنك الدنيا وعذاب الآخرة. تلك هي صاحبة الرسالة التي تسترخص الغالي والنفيس لإسعاد أمتها في الدنيا والآخرة، فهي لا تعيش لنفسها بل للآخرين ولو سلب منها راحتها واستمتاعها بملذات الحياة الدنيا كلها.

وقد سطرت الصحابيات الجليلات هذه المعاني ببطولاتهن وثباتهن على الحق واقتحامهن لجميع العقبات. وما زحزحهن عن مبادئهن ابتلاء أو إغراء، بل تشبثن بالحق وبلغن دعوة الله وصمدن كالجبال الرواسي في زمن كانت فيه الدعوة الإسلامية في مهدها، وكان كيد الكفار على أشده. فهذه السيدة أم شريك رضي الله عنها تضرب لنا المثل في السعي لإسعاد بنات قومها وتحمل المشاق والتعذيب لأجل ذلك، فهي وكما يروي ابن عباس رضي الله عنه: «وقع في قلب أم شريك الإسلام فأسلمت وهي بمكة وكانت تحت أبي العسكر الدوسي، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها وقالوا: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، لكنا سنردك إليهم. قالت فحملوني على بعير ليس تحتي شيء وتركوني ثلاثا لا يطعموني ولا يسقوني، وكانوا إذا نزلوا منزلا أوثقوني  في الشمس واستظلوا هم منها وحبسوني عن الطعام والشراب، فبينما هم قد نزلوا منزلا وأوثقوني في الشمس إذا أنا ببرد شيء على صدري فتناولته فإذا هو دلو من ماء فشربت منه قليلا ثم نزع مني فرفع ثم عاد فتناولته فشربت منه… فشربت حتى رويت ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي. فلما استيقظوا فإذا هم بأثر الماء ورأوني حسنة الهيئة فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه. قلت: لا والله لكنه كان من الأمر كذا وكذا، قالوا لئن كنت صادقة لدينك خير من ديننا… وأسلموا كلهم عن بكرة أبيهم وكسروا أصنامهم بأيديهم» (1).

حظيت رضي الله عنها بالحسنيين معا؛ إسلام القوم الذين كانوا يعذبونها، ومعية الله الذي سقاها وأنقذها من موت محقق بالعطش في صحراء قاحلة حيث الماء أغلى وأثمن ما يطلب. وهو مقام عال لا يصله إلا من تحققت له محبوبية الله وعنايته. ورحم من قال: «العناية إذا لاحظتك جفونها نم فإن المخاوف كلهن أمان».

على خطى الصحابيات الجليلات رضي الله عنهن سارت التابعيات وتابعات التابعيات ومن تبعهن بإحسان إلى يوم الدين. وإن من قرأ كتاب «أيام من حياتي» للسيدة زينب الغزالي رحمها الله ليدرك جيدا معنى أن تفنى المرأة لتحقق السلام والأمن والسعادة لأمتها، فإنها رحمها الله لاقت جميع أنواع التعذيب وهي في عز شبابها في سجن عبد الناصر، لا لشيء إلا لأنها كانت تسعى لإخراج بنات جنسها من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، ومن جور الظلم والطغيان إلى عدل الإسلام.

وفي وقتنا الحالي نرى المؤمنات الصابرات على طريق الحق، الساعيات لتبليغ دعوة الله، المنافحات عن مقدسات الأمة الإسلامية، كيف يذللن الصعاب كلها بثباتهن وقوة عزيمتهن، كالنساء المرابطات في بيت المقدس اللواتي لا ترهبهن القنابل  ولا يزحزحهن تعنت وبطش المحتل الغاصب عن الذود عن المسجد الأقصى؛ وكيف نصبن أنفسهن لهذه المهمة الجليلة التي تكلفهن حياتهن أحيانا، فلا يغمض لهن جفن حتى يرين المسجد الأقصى محررا بإذن الله تعالى.

ولم تأل المؤمنات الداعيات إلى الحق في زماننا هذا وفي بلدنا الحبيب هذا، بل في العالم كله، جهدا في التأسي بذوات السابقة، واقتفاء أثرهن وقد وضعن نصب أعينهن الحديث الشريف الذي قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من أصبح وأمره غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم» (الجامع الصغير)، فيعملن بما أوتين من علم وقوة ومال لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ويبذلن أوقاتهن وأموالهن وجهدهن في نشر الأمن والسلام في زمان كثر فيه الهرج والقتل، ويتفانين في بث الفضيلة في زمان كثر فيه البغي واستفحلت الرذيلة، وفي تعليم بنات جنسهن الأمل واليقين والصدق في زمان تفشى فيه اليأس والقنوط والنفاق بارك الله سعيكن يا مجاهدات هذا الزمان، يا من اشتاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لرؤيتكن فأنتن مع إخوانكن المجاهدين إخوانه. أعز الله بكن وبجميع المؤمنين والمؤمنات الإسلام والمسلمين، وأعاد للأمة الإسلامية عزتها وكرامتها.


(1) سير أعلام النبلاء، 3/ 507.