ليست كلّ الكلمات سواء، فبعضها يُقال ليُنسى، وبعضها يُقال ليُرضي، وبعضها يُقال ليُخدّر الضمير. لكنّ القليل النادر من الكلمات يُقال ليُحاسِب، ليكشف، ليضع الإنسان وجهًا لوجه أمام مرآته الأخلاقية. في زمنٍ صار فيه الصمت سياسة، والرماد لغة، والمراوغة حكمةً زائفة، خرج صوتٌ واحد لا ليملأ الفراغ، بل ليكسره. لم يكن ذلك الصوت مجرّد خطاب، بل موقفًا مكتمل الأركان… بل الكلمة التي لم تخُن.
صوتُك الصدّاح يا أبا عبيدة ملك قلوب الملايين، نبرة صوتك كان لها وقع على قلوب أمة تاقت للعزة وللكرامة، أمة تاقت للنصر بعد ترسانة من الهزائم والإخفاقات.
كنا يا أبا عبيدة ننتظر صوتك الجميل وخطبك المتميزة كما كان الصحابة ينتظرون صوت سيدنا بلال الحبشي وهو ينادي بالأذان.
كان لظهورك وقع يا سيدي يا أبا عبيدة لا يعدله إلا حضور حبيب غاب عن أهله في سفر بعيد.
يا سيدي يا أبا عبيدة اشتقنا لك، ولا يضير إن غبت عنا واشتقت لإخوانك، ولا يضير والحبيب المصطفى يشتاق لك.
لا عليك وحبيبنا يقول: كما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: “السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا، فقالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم – متقدمهم – على الحوض” (رواه مسلم).
هنيئًا لك الحوض يا سيدي يا أبا عبيدة رشفة من يده الكريمة لن تظمأ بعدها أبدًا.
هنيئًا لك الشهادة يا سيدي وحبيب الملايين، يا أيقونة الجهاد.
لا عليك وفيت وكفيت، وقد أبليت البلاء الحسن، لا حرج عليك وقد اخترت أن تلتحق بهم، هم أصلك وفصلك، إليهم كان يحن قلبك، طال اشتياقك إليهم.
لا عليك يا سيدي سبقوك وكنت تنعيهم الواحد تلو الآخر، القائد بعد القائد، وكنت بلسما لقلوبنا وشفاء لصدورنا ونحن نسمعها منك: يخلف القائد قادة، والجندي عشرة، والشهيد ألف مقاوم، فهذه الأرض تنبت المقاومين كما تنبت الزيتون!
سبقك رجال وقادة عظام، كنت تعزينا فيهم، أما وقد حان دورك، فالأمة قاطبة تنعيك، والعالم الحر جميعًا يؤبِّنُك.
خطبك بقيت راسخة في قلوبنا، مزلزلة في أسماعنا، مدوية في وجداننا تهزنا هزا، تفعل فينا الأفاعيل، تدك فينا بعض ما بقي من عزة ومن كرامة.
وقد أحسن الشاعر العراقي المرتضى التميمي رثاء للملثم حيث قال:
ما مات فالأقمارُ ليس تموتُ
ولها على طول الزمان ثبوتُ
يتعاظمُ الحزنُ البليغ بداخلي
وكأنني لخلوده تابوتُ
أفشى بسرّ الحزنِ دمعٌ غامرٌ
وسعى إليه محطّماً طالوتُ
كان الرسولَ إلى مسامعنا التي
قد ضمّها لعزيفِهِ جالوتُ
يشماغُهُ كان الدليلَ لسترنا
فإذا اختفى أزرى بنا الطاغوت
بكت المنصات التي اعتادت على
صوتِ الرجولةِ والزمان صَموتُ
شفتانِ مهّدتا مدىً متشوّقاً
للصامتين وصوتهم مخفوت
هو آخرُ الرائين حين تضاءلت
لغةُ العيون ولفّها برهوتُ
يا سحرنا المرئيَّ حين تراقصت
كلُّ العصيِّ وهزّها هاروتُ
فأتت عصا صوتٍ فدائيِ الخطى
وتلقّفتها فامّحى ماروتُ
يا وجهنا المخفيَّ في كوفيةٍ
حين المرايا للغياب تفوت
رسمت وجوهاً للغياب وما التقى
في كسر مرآة الحياة شتيت
وجه الصباح بفجر فقدك مظلمٌ
والشمس قالت للكواكب موتوا
وعيون حبّ الأرض قالت للفتى
بعد ارتحالك من رؤاي عميت
معنى الرجولةِ غاب منا عنوةً
حين ارتقى لجنانه الكحلوت
لا يُقاس حضور بعض الرجال بما يشغلونه من مساحة في المشهد الإعلامي، بل بما يخلّفونه من أثرٍ في الوعي الجمعي. وأبو عبيدة كان من هذا الصنف النادر؛ لم يكن مجرد ناطق باسم حدث، ولا صوتًا ظرفيًا فرضته لحظة استثنائية، بل تحوّل مع الزمن إلى معيار أخلاقي تُقاس به المواقف، وتُختبر عنده الضمائر.
في زمنٍ طغت فيه اللغة الرمادية، وتوسّعت فيه مساحات التبرير، بدا صوته مختلفًا؛ لا من حيث النبرة فقط، بل من حيث الوضوح. فقد أعاد للكلمة معناها الأصلي: أن تكون التزامًا، لا مهربًا، وأن تكون موقفًا، لا زينة لغوية. ومن هنا لم تكن كلماته تُسمع فحسب، بل كانت تُحمّل السامع مسؤولية أخلاقية تجاه ما يسمع.
مضى طاهرَ الأثواب، كأن الموت حين اقترب منه انكشف ضعفه، وكأن الأرض حين احتوته أدركت أن التراب لا يُسوّى على المعنى. هذه الصورة ليست تعبيرًا عاطفيًا بقدر ما هي توصيف رمزي لحقيقة أعمق: فبعض الأشخاص لا يرحلون باعتبارهم أفرادًا، بل باعتبارهم شواهد على عصرهم. لذلك لا تُدفن سيرتهم، بل تُسلَّم للتاريخ بوصفها سؤالًا مفتوحًا.
لقد تردّى ثياب الموت حُمرًا، غير أن الدم في مثل هذه السياقات لا يُقرأ بوصفه نهاية، بل باعتباره حدًا فاصلًا بين مرحلتين: مرحلة كان فيها الصمت مقبولًا، ومرحلة يصبح فيها الصمت إدانة. ومن هنا اكتسبت الشهادة معناها الرمزي؛ فهي لا تُنهي الحياة، بل تفضح زيف كثيرٍ من المواقف التي اعتاشت على الانتظار والحياد.
كان أبو عبيدة لسانًا لأمةٍ حين فضّل كثيرون الصمت، لا عجزًا عن الكلام، بل هروبًا من تبعاته. وفي هذا السياق، لم يكن وضوحه مجرد خيار لغوي، بل خيارًا أخلاقيًا. فالحق، حين يُقال بوضوح، يربك الباطل، وحين يُقال بلا مواربة، يُسقط الأقنعة التي اعتادت العيش في المناطق الآمنة بين الموقف ونقيضه.
وحين قال عبارته الشهيرة: «أنتم خصومُنا أمامَ الله يومَ القيامة»، لم يكن يمارس خطابًا تعبويًا، ولا لغة تهديد، بل كان يُعيد ترتيب العلاقة بين القول والفعل، وبين المسؤولية والمصير. لقد نقل الصراع من ساحته الظاهرة إلى مستواه الأخلاقي الأعلى، حيث لا تنفع البلاغة، ولا تُجدي الحسابات السياسية، ويصبح الإنسان وحده في مواجهة اختياراته.
إن خطورة التعامل مع تجربة أبي عبيدة تكمن في اختزالها في الرمز العاطفي، أو تحويلها إلى صورة للاستهلاك الموسمي. فالرجل لم يكن رمزًا للتعزية، بل مرآة للمساءلة. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلّق بما قيل عنه، بل بما سيفعله الآخرون بعده: هل سيظل الوضوح قيمة؟ أم يعود الصمت فضيلة؟ وهل ستبقى الكلمة التزامًا، أم تتحوّل مجددًا إلى أداة تبرير؟
سلامٌ عليك ما بقيتِ غزّة، وسلامٌ عليك ما بقيتِ المقاومة، وسلامٌ عليك في ضمير الأمة شهيدًا حيًّا عند ربك تُرزق.
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقَ روضةٌ
غداةَ ثوى إلا اشتَهت أنّها قبرُ
ثوى في الثَرى من كان يحيا به الثَرى
ويَغمُرُ صَرفَ الدهرِ نائلُهُ الغَمرُ
عليكَ سَلامُ اللهِ وَقفًا فإنّني
رأيتُ الكريمَ الحُرّ ليس له عُمرُ
لم يكن أبو عبيدة صوتًا عابرًا، بل معيارًا. قال كلمته ومضى، تاركًا خلفه سؤالًا لا مهرب منه: هل تبقى الكلمة موقفًا، أم يعود الصمت فضيلة؟ سلامٌ عليه ما بقي للوضوح ثمن، وما بقي في الأمة ضمير.