تقديم
في فجر دعوة الإسلام وعلى أرض مكة التي اشتد فيها الظلم والطغيان، برزت لوحة إنسانية مؤثرة تجسد أسمى معاني الثبات والبذل في سبيل الله تعالى. لم يكن الرجال وحدهم هم من يتحملون عبء الدعوة والاضطهاد، بل شاركتهم في هذا الشرف العظيم نساء مؤمنات، كنّ نجوما ساطعة في سماء الإيمان رغم ما لحق بهن من أذى نفسي وتنكيل جسدي، منهن من ينتسبن لأشرف البيوت القرشية، ومنهن مستضعفات في قيد الرق والمهانة والدونية، تعرضن لألوان العذاب الشديد، فصبرن صبرا نادرا، وكنّ شاهدات على أن الإيمان إذا ما سكن القلب وتمكن لا تهزه رياح الظلم العاتية.
في بيئة القهر هذه تبزغ نماذج مضيئة لصحابيات قابضات على الجمر، عصيات عن الانكسار في ساحة التعذيب بمكة، منهن:
أولا: زِنِّيرة الأمة الرومية
لم يمنعها قيد العبودية من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنال شرف السابقة في الإسلام، فسيقت إلى ساحة العذاب، حيث يخرج بنو مخزوم بمن أسلم من ضعافهم ليعذبونهم إذا حميت الظهيرة برمضاء مكة تحت إشراف أبي الجهل، أسلمت في أول الدعوة، وعذبها المشركون عذابا أليما، قيل كانت مولاة بني مخزوم فكان أبو جهل يعذبها 1. وتحت وطأة التعذيب أُصيبت رضي الله عنها في بصرها، نقل ابن الأثير خبرها فقال: “فلما أسلمت عميت، فقال: المشركون أعمتها اللات والعزى لكفرها بهما، فقالت: وما يدري اللات والعزى من يعبدهما إنما هذا من السماء، وربي قادر على رد بصري، فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد” 2.
كذبت ادعاءاتهم بثبات لا يهتز ويقين في الله تعالى لا ينقطع، فكانت البشرى والوعد الصادق، أيدها الله تعالى وخسئ المشركون الجاحدون القساة، الذين يمعنون في السخرية ونشر الأكاذيب والافتراءات المغرضة، قال البلاذري: “وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون لهؤلاء واتباعهم محمد؟ فلو كان أمر محمد خيرا وحقا ما سبقونا إليه. أفسبقتنا زنيرة إلى رشد، وهي من ترون؟” 3، قاتلهم الله أنى يوفكون وختم على قلوبهم، وانتصرت إرادة زنيرة رضي الله عنها ويقينها في الله تعالى الذي لا يضيع أجر الصابرين. ثم يرق أبو بكر رضي الله عنه لحالها ويعتقها لوجه الله تعالى، قال ابن عبد البر: “هي أحد السبعة الذين كانوا يُعذّبون في الله، فاشتراهم أبو بكر وأعتقهم” 4.
ثانيا: لبيبة جارية بني عدي
تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل إسلامه مهمة التنكيل بمن أسلم من بني عدي وبالمستضعفين والعبيد المنتسبين إليهم، فكان من بينهم فتاة حديثة السن اسمها لبيبة وقيل لبينة، جارية بني المؤمل بن حبيب بن تميم من بني عدي، روى ابن سعد قصتها فقال: “أسلمت بمكة قديما، وكانت ممن يعذب في الله. وكان عمر بن الخطاب قبل أن يسلم هو الذي يعذبها ليردها عن الإسلام، فيعذبها حتى يفتر ثم يدعها ويقول: “والله ما أدعك إلا سآمة” 5، مقابل شدة عمر بن الخطاب في الجاهلية صبرت صبرا نادرا، واحتسبت وانتظرت الفرج بإيمان الواثق في الله، شهد بذلك حسان بن ثابت رضي الله عنه قال: “قدمت مكة معتمرا، والنبي ﷺ يدعو الناس، وأصحابه يؤذون ويعذبون. فوقفت على عمر، وهو مؤتزر يخنق جارية بني عمر بن المؤمل حتى تسترخي في يديه. فأقول: قد ماتت. ثم يخلي عنها” 6، يدعها إذا تعب ومل، فتواجهه بجواب حكيم يخاطب فيه صفاء الفطرة، وتستنقذه من لوثة الجاهلية فتقول: “كذلك يعذبك الله إن لم تسلم يا عمر” 7، فكأنها رضي الله عنها تدعوه إلى اعتناق الإسلام إذ لا خلاص له من عظيم جرمه الذي لا يغتفر إلا بالإسلام الذي يجبّ ما قبله.
شهد أبو بكر رضي الله عنه رحلة عذابها وصلابة إرادتها وقلة حيلتها، فاشتراها وأعتقها رضي الله عنه، قال ابن الأثير: “واشترى معها بلالا وعامر بن فهيرة وغيرهم، كانوا كلهم يعذبون في الله تعالى، فاشتراهم وأعتقهم، فقيل له: لو اشتريت ما يمنع ظهرك! فقال: منع ظهري أريد” 8.
ثالثا: النهدية وابنتها
تنتسب النهدية رضي الله عنها من جهة أمها أميمة إلى خويلد بن أسد، فجدتها رُقيقة أخت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، قال ابن سعد: “واغتربت أميمة وتزوجها حبيب بن كعيب بن عتير الثقفي فولدت له النهدية” 9، وهي مولدة لبني نهد بن زيد، ولدت بينهم ونشأت مع أَولادهم، وتأدبت بآدابهم، إلى أن صارت أمة عند امرأة من بني عبد الدار ومعها ابنتها، فأسلمتا رضي الله عنهما بمكة مع بداية الإسلام. وكانت مولاتهما تمعن في إذلالهما والتنكيل بهما، تأمرهما بتدبير شؤون البيت من تنظيف وعجن وطهي للطعام، ثم تنادي على بعض أهلها بإخراجهما لينالا نصيبهما من الضرب والجوع والعطش الشديد برمضاء مكة إذا اشتد الحر. نقل ابن الأثير خبرها فقال: “وكانت تعذبها وتقول: والله لا أقلعت عنك أو يبتاعك بعض أصحاب محمد” 10، فمر بدارها ذات مرة أبو بكر رضي الله عنه فسمعها تتوعدهما، قال ابن كثير: “بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر: حِلِّ يا أم فلان، فقالت: حِلَّ أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: أو ذلك إن شئتما” 11.
موقف نبيل للنهدية وابنتها رضي الله عنهما، لم تخرجا من بيت المشركة حتى أتمتا عملهما، وقابلتا الإساءة بالإحسان. قصة تختزل أقصى درجات الوحشية في مقابل أسمى درجات الصبر والإباء والتسامح، وتجسيد حي لقول الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34]، وصورة تبرز تفاصيل الأخلاق العظيمة التي تحلى بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خاتمة
بعد هذه الوقفة في رحاب الإيمان والصبر مع المستضعفات من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أود تسجيل جملة من الخلاصات، هي:
– لم تكن معاناة الصحابيات المستضعفات في مكة مجرد حلقات ألم عابرة، بل كانت محطات صقل للإرادة، وبناء لأمّة قادرة على تحمل الصعاب في سبيل دعوة الإسلام الخالدة، فهنيئا لمن صبر واحتسب وما هان أو استكان.
– أدركت زنيرة وأخواتها رضي الله عنهن أنهن جزء من مشروع إلهي عظيم لتغيير العالم، فوقفن بثبات على ثغر من ثغور الدعوة خشية أن يؤتى الإسلام من قبلهن، وتحملن المسؤولية بقوة وأمانة رغم استضعافهن، وتصرفن بحكمة المؤمنة الموقنة بأمر ربها المستجيبة لله تعالى ولنداء الإيمان، فأبدل الله تعالى صبرهن فرجا وأمنا.
– في لوثة الكفر والظلم تبزغ شرارة الأمل وصفاء النفوس المؤمنة، الصبر كان لله والتحمل في سبيله، والفداء أيضا لله تعالى وحده، يشترى المقتدر منهم إخوته من ضعاف الناس ليفوز كلاهما بالله تعالى، ولتحرير الرقاب من أجل أن يعبد الله تعالى وتتقوى شوكة الإسلام.
– توظيف ما بلغنا عن الصحابيات الجليلات من مواقف ومشاهد في بناء الشخصية المؤمنة المتوازنة على الرغم من شحّ مادة السير والتراجم.
سلام الله تعالى على زنيرة ولبيبة والنهدية وابنتها، رضوان الله عليهن في الخالدين. والحمد لله رب العالمين.
[2] المرجع نفسه، 7/425.
[3] أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى المعروف بـالبَلَاذُري، تحقيق: د محمد حميد الله، يخرجه: دار المعارف بمصر ضمن سلسلة ذخائر العرب، 1959م.
[4] الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية – مصر، ط 1، 2019م، 8/150.
[5] الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1990، 8/201.
[6] أنساب الأشراف، ص 195.
[7] المرجع نفسه، ص 195.
[8] أسد الغابة، 7/426.
[9] طبقات ابن سعد، 8/256.
[10] الكامل في التاريخ، علي بن محمد المعروف بابن الأثير، دار الكتاب العربي، 1997، 1/664.
[11] البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير، راجعه عبد القادر الأرنؤوط وبشار عواد معروف، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 3، 2013م، 3/ 269.