أنوار الاقتباس وسلوة الأنفاس في زيارة الإمام المجدّد لمدينة فاس

Cover Image for أنوار الاقتباس وسلوة الأنفاس في زيارة الإمام المجدّد لمدينة فاس
نشر بتاريخ

هذه المرّة قررتُ أن أهتم ببعض التفاصيل؛ تلك التي قد لا يُلقى لها بال، وربما يظنّ بعضُ إخواني أنّ تركيزي على هذه الجزئيات الدقيقة قد يفسد عليَّ فوائد جمّة، أو أني قد أتيه في الشكليات، فيضيع مني اللُّب والجوهر. وقد يختفي عني النَّفيس والدرر بسبب حرصي الشديد على الفروع والجزئيات.

لكن شيئًا في النفس كان يُلِحّ عليَّ بتدوين هذه الجزئيات، والوقوف عند تفاصيل التفاصيل، وكأني مدرس جديد يزور فصلاً دراسيًا صحبة مفتش ممتاز ليسجّل رزمة من الملاحظات، ليدرجها لاحقًا في مفكرته ليستفيد منها أثناء إنجاز درس نموذجي يحضره السيد المفتش.

كانت تلك واحدةً من عشرات الزيارات التي تشرفتُ بحضورها، وكنتُ محظوظًا يومها إذ أجد نفسي مقصودًا ومدعوًا لمثل هذه اللقاءات النورانية الخاصة.

كنتُ فرحًا منشرحًا مسرورًا وقد حظيت بدعوة مباركة لحضور أوّل زيارة للإمام التي خصّنا بها يومها ونحن طلبةً بالعاصمة العلمية فاس. كانت فاس وجهتَه الأولى، وزيارته البِكر، ولقاءه المباشر الأول؛ حيث التأمت الصحبةُ بالجماعة، وبدّدت المجالسةُ المباشرة ظلمةَ الحصار الذي حرمنا عبقَ القرب وصحبةَ الوجه والحديث.
يزداد الشوق ويطرب الفؤاد لرؤيته ومجالسته، وقد قضيتُ إحدى عشرة سنة أنتظر ذلك اليوم، وأتشوّف تلك اللحظة التي أنعم فيها بحضن أبٍ رحيمٍ وعالِمٍ مجاهدٍ جمع الله فيه ما تفرّق في غيره.

أذكر يومها ونحن ننتظر في ذلك البيت الفسيح بفنائه الرحب الواسع لصاحبه هشام الفاتح، نترقّب بزوغ النجم الساطع، الذي طالما حدّثنا النفس بقرب الوصال وفكّ قيود البُعد الجسدي.

كانت النفس تطرب والفؤاد يرجف عند إشراقة قدومه، كأنه ملاك قادم من عالم آخر. تذكرتُ قوله تعالى: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا ۖ إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 31].

وتذكرتُ ذلك والإمام مقبلٌ علينا بطلعته البهيّة وابتسامته المشرقة التي عمّت المكان نورًا، ينثر سلامه علينا، ونحن جميعًا قلبُ رجلٍ واحد، كأن على رؤوسنا الطير، نتأهّب للتحليق عاليًا في سماء الإحسان، متخففين في تلك اللحظة من وباء الطين ودنس النفس والهوى.

حلّق بي الخيال إلى تلك الأوصاف التي لطالما حدّثنا عنها الأستاذ اللبيب، والمربي الأريب، الشاعر منير، وهو الذي إن حدّث كان سندُه عاليًا، وإن وصف كان وصفُه يفوق الجمال. تلك الأوصاف الحميدة التي كنتُ أقتنصها في أعظم مجلسَي فاس يومها: مجلس النصيحة، ومجلس الحديث. حفظ الله الأستاذ منير الرݣراݣي وهو يمتعنا في كل مجلس بدررِه وغرره.

قلت: ها أنا اليوم بين يدي الإمام، أراه لأول مرة في حياتي، فانكببتُ على نفسي أعالجها من هول ما أصابني اليوم، وما يعتري قلبي تلك اللحظة، ولا يعلم بحالي إلا الله. أنظر كيف دخل، وكيف مشى بيننا، وكيف جلس، وكيف يبتسم، وكيف بدأ الحديث، وكيف قدّم ضيوفه، وكيف كان حريصًا على صناعة تلك اللحظات الأولى التي بقيت مرقونةً في الفؤاد مكتوبةً في القلب إلى يومنا هذا.

بدأ حديثه بآية من كتاب الله، كما هي عادته، ثم يردف بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يأخذ ورقة صغيرة بحجم الكف، يقرأ منها حديثًا رواه أبو هريرة: “الرَّجُلُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أحدُكم من يُخالِلُ” (صحيح أبي داود).

وبلغة بسيطة، وبأسلوب سلس، بدأ يشرح لنا الحديث بعد أن طلب منا حفظه في الحال. وكأني اليوم أسمع الحديث مباشرة من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. قلت: هكذا يتحدث العلماء! فكيف بمن خطّت يمينه: “الإسلام غدًا”، و”الإسلام بين الدعوة والدولة”، و”رسالة الإسلام أو الطوفان”؟

كنتُ أظن أن كلام الإمام سيكون صعبًا متينًا، وقد خفتُ أن أجد فيه تلك الصعوبة التي واجهتني أيام الباكالوريا عندما قرأت بعض كتبه: “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية” و”الإسلام والقومية العلمانية”، وكتابًا آخر لم أفرغ منه: “محنة العقل المسلم”. فقد وجدت يومها بعض الرموز والنظريات تحتاج سنوات لأفهمها، وكنت أستعين بدعاء: “يا رب زدني علمًا وحلمًا وصبرًا وفهمًا، وأبعد عني النسيان والتشتت”… إلى آخر الدعاء المعروف.

وكان في نفسي شوق لسماع شيء عن الصحبة. فإذا بالإمام يشرحها وكأنه سمع ما في نفسي وأنا صامت لا أنبس ببنت شفة: “ليست الصحبة تطبيقًا مجردًا للنصوص وامتثالًا جافًا عسكريًا للأوامر، إنما هي محبّة تثبت وترسخ وتنمو وتتجذر في القلب” [الإحسان، 1/101].

وكنت أحفظ حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن “الفئام من الناس”، وكنت أتشوف إلى سماع تعليق منه يزيد يقيني، فإذا به يشرحه شرحًا سيظهر بعد خمس سنوات في كتاب “تنوير المؤمنات”.

وعن يمينه كان يجلس العلامة الحافظ المحدّث صاحب القراءات العشر، الأستاذ عبد العلي المسئول، يشير إليه الإمام، ويسأله عنه، ويستفسره، وكأنه يعلمنا الأدب مع العلماء، وكيف نأخذ عنهم، ونجلّهم.

رحم الله الإمام، فقد غرس فينا حب العلم، وتعظيم العلماء، وزرع فينا قيمًا ما كنا لننتفع بها لولا مائدة الصحبة في مائدة الجماعة.

وختامًا…
أكتب اليوم بعضًا من تلك اللحظات الراسخة في قلبي، وقد مرّ عليها ربع قرن. أكتب حتى لا أنسى عهدًا قطعته مع نفسي يوم حضرت مع الإمام، ولعلّ بعضًا مما كتبت ينفع جيلًا من المؤمنين التحقوا بالجماعة ولم يكتب لهم أن ينعموا بصحبة مباشرة.

أكتب لنفسي، لعلّي أنتفع بما بقي في ذاكرتي، حتى لا يضيع مع الزمن، ولا تنسيني الغفلة آثار نعمة من نعم الله عليَّ وعلى المؤمنين.

أكتب اليوم وقد مرّت ثلاث عشرة سنة على رحيل الإمام، وقد ترك لنا الخير في الجماعة، وجعل لنا الصحبة فيها، ودعا أن تمسك هذه الصحبة كما يمسك الله السماوات والأرض؛ “… أوصي أن يدعو أحبابي إخواني وأخواتي من جماعة العدل والإحسان ربَّنا عز وجل أن يُمسك وحدة الصحبة والجماعة في جماعتنا كما يُمسك السماوات والأرض أن تزولا”. وذلك مصداق قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا.