الإمام عبد السلام ياسين شاعرا وكاتبا

محتويات المقال
تقديم:
مما لا شك فيه أن العارفين بالأستاذ عبد السلام ياسين من داخل المغرب وخارجه، يصنفونه على أنه أحد المفكرين والدعاة البارزين في العالم العربي، اشتهر رحمه الله بغزارة إنتاجه، وثراء فكره، جمع بين التصور الدعوي، والعمل الحركي الميداني، غير أن القليل ممن يعرف أن الإمام المجدد رحمه الله كان أديبا، سخر قلمه (شعرا ونثرا) لخدمة مشروعه الفكري الشامل. وقد ارتبطت أعماله بوعي لغوي وجمالي خاص، جعل من الكلمة وسيلة للتربية والإقناع والتأثير؛ إذ استطاع أن يقدّم نموذجاً لأدب مفعم بالقيم والإبداع، يجمع بين جمال اللغة وعمق الرسالة، ويخاطب الإنسان في أعمق معانيه الوجدانية والوجودية.
وتتيح دراسة هذا التوجّه إمكانية قراءة جديدة لأعماله لا باعتبارها نصوصاً فكرية فقط، وإنما باعتبارها تجربة أدبية متكاملة تستحق موقعاً مركزياً في الأدب المغربي المعاصر.
1- الشعر تعبير عن الذات
يقول العقاد في تعريفه لمفهوم الشعر: "إن الشعر تعبير، وإن الشاعر الذي لا يعبر عن نفسه صانع، وليس بذي سليقة إنسانية، فإذا قرأت ديوان شاعر، ولم تعرفه منه، ولم تتمثل لك شخصية صادقة لصاحبه، فهو إلى التنسيق أقرب منه إلى التعبير"1. والقارئ لشعر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، يجد أن شعره لم يحد عن مشروعه التغييري، بصفته حامل رسالة للإنسان.
يقول رحمه الله في قطف يوبخ نفسه، ويدعوها للتمسك بحبل الله المتين وسنة رسوله الأمين:
سَطَا عليكِ الهوى يا نفسُ فابتدِري .. رُجْعى إلى الله في تصميم مقتحم
لُوذِي بِذَيلِ أمين الوحي سيــــــدنا .. محمـــــد خير خلــــق الله كلهــم
واستمسكي بكتاب الله علَّمَـــــــــهُ .. رَبُّ البريـــــــة للمحبوب بالقلـم2
ينطلق الإمام المرشد رحمه الله من رؤية تجعل الأدب فعلاً رسالياً موجهاً نحو الإصلاح. فهو يرى أن الكلمة أمانة ومسؤولية، وأنها يجب أن تسهم في توعية الإنسان وتربيته، لذلك جاءت نصوصه حاملة لهدف واضح: بناء الفرد الصالح والمجتمع العادل. ويتجلى هذا المنظور في العديد من كتاباته شعرا ونثرا.
2- الأدب الرسالي ومحورية الإنسان
يحتلّ الإنسان موقعاً مركزياً في مشروع الإمام عبد السلام ياسين الفكري والتربوي، سواء في كتاباته النثرية أو الشعرية، وإذا كان "المنهاج النبوي" ينظر إلى الإنسان باعتباره محور الاستخلاف وغاية التربية، فإن شعره يعكس هذه الرؤية بعمق وجداني ووعي رسالي. فالإنسان في شعره ليس كائناً عابراً، بل هو كائن مُكرَّم، مُهيَّأ للسير إلى الله، ومكلفٌ بحمل رسالة الإصلاح.
يقول رحمه الله: "لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس. لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب. لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة الإيمان"3.
تتوجه كتابات الإمام المرشد -شعراً ونثراً- إلى الإنسان باعتباره محور الإصلاح، فيخاطب قلبه وروحه وعقله، وبذلك يندرج أدبه ضمن ما يمكن تسميته بالأدب الرسالي المرتبط بالهمّ الإنساني والوجودي، وليس بالأغراض الجمالية المنفصلة عن الواقع. فهو ينطلق من رؤية ترى الأدب أداة للتغيير وبناء الوعي، لا مجرد مساحة للترف الفني.
يقول رحمه الله:
أَنتَ مُستخلَفٌ لِتَعمُرَ أرضا .. سُخرَت للحكيم يَغنَمُ
تَعبدُ اللهَ في اكتسابِ حَلالٍ .. جَالِبا لِلعِيــــالِ رِزقا
أنتَ في الأرض مُخْلَفٌ فَتوكّلْ .. شَمِّرِ السَّاقَ لِاقتحامِ4
3- الشعر في خدمة المشروع التغييري للإمام المرشد
يُعدّ الأدب عند الإمام المجدد امتداداً لصرح فكري ينشد التغيير عبر الكلمة؛ ومن ثمّ فدراسة التوجّه الأدبي لديه تسهم في فهم أعمق لمشروعه الإصلاحي.
فلا يمكن قراءة شعره رحمه الله بمعزل عن فكره، ولا فكره دون أدبه؛ إذ يشكل كلاهما وجهين لمشروع واحد، فالشعر عنده هو لغة الروح، والكتابة الفكرية لغة العقل، وقد صهَرَهما ليؤسس خطاباً يزاوج بين الروحانية التي تمنح الكلمة نورا، والعقلانية التي تمنحها اتزانا، ملتزما في ذلك بربط الكتابة بواقع الأمة ومصيرها.
وبهذا التكامل أصبح الإمام المجدد رحمه الله نموذجًا للمفكر الشاعر، والشاعر المفكر الذي يجعل من الكلمة جسرًا للإنسان ومصيره في الدنيا والآخرة.
يقول رحمه الله: "لا خير في أدب يجول في عرصة الدنيا وعرسها يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال"5.
فالأدب عنده ليس ترفا جماليا، وإنما هو جزء من المشروع التغييري، هو الذي يذكر الإنسان بمصيره الأخروي، ويحفزه على اقتحام العقبات والسلوك إلى الله عز وجل.
يقول شعرا:
أيا عهدَ الخلافة عُدْ إلينا .. نُجدد ما يلي في قلب الناس
نُمَسِّكْ بالكتاب وبالوصايا .. تراث محمد حِبِّي المواسي6
حيث وظف رحمه الله الألفاظ الدالة على مشروعه التجديدي من قبيل: الخلافة، التجديد... لبعث الهمة واستنهاض الإرادة.
4- خصائص الكتابة الأدبية عند الإمام المرشد
تقوم الكتابة الأدبية عند الإمام المجدد رحمه الله على جملة من الخصائص تميزه عن غيره من الأدباء والشعراء، بالنظر إلى رؤيته التغييرية، فهو يكتب ليُذكِّر، ولِيُرَبِّي، وليشحذ الهمم؛ لذلك فإن مُنجَزَه الأدبي يتميز ب:
- النفس التربوي الإحساني: ذلك أن أغلب كتاباته -شعرها ونثرها- موسومة بالشوق إلى الله، وطلب وجهه الكريم.
- النفس الاقتحامي الجهادي: وهو أمر طبيعي، ما دام مشروعه يجمع بين العدل والإحسان، كذلك شعره يجمع بين لغة التربية الإحسانية، ولغة الحفز لاقتحام العقبات.
- الصدق العاطفي: لأنه يكتب عن وعي وتجربة شخصية، غير متصنع ولا ممعن في الزخرفة اللغوية، مما يجعل شعره صادقًا، نافذا للقلوب.
- التعبير عن الذات الجمعية للأمة: رغم البعد التربوي الإحساني، فإن أدبه مرتبط بقضايا الأمة؛ يحمل همّ الإنسان وهمّ النهضة، ويزاوج بين الإيمان والعمل.
ويمكننا تلمس بعض هذه الخصائص في قوله شعرا:
سمعنا نداء الحق والحق ذائـع .. فأيقظنا قــــــول: استقيموا وسارعــــوا
أتانا رسول الله بالأمر صادعا .. أن اقتحموا واغْدُوا وروحوا وصارعوا
فما بلغ الغايات إلا مجاهـــــدٌ .. إلى قمة الإحســـان بالعزم طالـــــــــــع7
خاتمة:
ختاما، يمكن تصنيف التجربة الأدبية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله كحالة استثنائية فريدة، سمتها الأساسية أنها جزء من المشروع التغييري الذي تبناه، فليس الأدب عنده توجه فني جمالي محض، ولا تنميق لغوي معزول، بل هو فن رسالي يجعل من الكلمة أداة لبناء الإنسان وتذكيره بمعاني العبودية لله، واستنهاض همته لاستعادة كرامته وإنسانيته. وهكذا يتجاوز الإمام المجدد حدود القول الأدبي التقليدي ليؤسس مشروعاً كتابياً متكاملاً تُسهم فيه القصيدة كما يسهم فيه النثر، وتلتقي فيه التربية بالعلم، والفكر بالجمال. وبذلك يظلّ أدبه علامةً على وحدة الرسالة التي حملها؛ توجيه الإنسان إلى مصيره الأخروي، وتحرير إرادته، ودعوته إلى اقتحام العقبات في أفق الاستخلاف الموعود.
المراجع:
عباس محمود العقاد: مجلة الكتاب المصرية، عدد أكتوبر 1948.
عبد السلام ياسين: المنظومة الوعظية.
عبد السلام ياسين، ديوان قطوف.
عبد السلام ياسين، ديوان شذرات.






