تخلد جماعة العدل والإحسان خلال هذا الشهر، الذكرى الثانية لوفاة مؤسسها عبدالسلام ياسين، وهي مناسبة أحيت فيها الجماعة فكر الرجل، من خلال تنظيمها لندوات ومحاضرات نوقشت فيها مشروعه الفكري .
في هذا السياق أجرت جريدة نون الإلكترونية حوارا مع الأستاذة حفيظة فرشاشي نائبة رئيسة الهيئة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان، حوار ذكرت فيه هذه الأخيرة بمكانة الراحل، الذي ترك بصمة تاريخية على عدة مستويات، الفكرية منها والتربوية.
وذكَّرت القيادية في الجماعة بأهم المرتكزات التي بنى عليها الأستاذ ياسين مشروعه الدعوي، وحرصه على التأسيس للسلوك التربوي لأبناء الجماعة وفقا للنهج النبوي..
كما أكدت فرشاشي على الدينامية التي تسير عليها الجماعة لنشر فكر ياسين، والذي صار ينتشر خارج حدودها كما قالت، من خلال المؤتمرات والندوات التي تنظمها وتدعو لها مختلف رجالات الفكر الإسلامي وغيره خارج وداخل المغرب، وكذا من خلال ترجمة مؤلفاته لعدة لغات.
حاورها : عبدالرحيم نفتاح)
تخلد جماعة العدل والإحسان هذا الشهر الذكرى الثانية لوفاة مؤسسها عبدالسلام ياسين، قربينا من حياة الجماعة في غياب مرشدها، وإلى أي مدى استطاعت أن تحافظ على تماسكها وقوتها وسيرها التربوي والدعوي كما أسس له المرشد في منهاجه؟
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله خير الخلق أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مر على رحيل الإمام المرشد حولين كاملين، فارقنا بجسده أما روحه فلا زالت تلهمنا وتذكي فينا هم طلب وجه الله وابتغاء مرضاته، والجماعة بحمد الله ومنته لا زالت تسير على النهج الذي أسسها عليه، فهي منذ بداياتها كانت تعمل وفق رؤية واضحة، وبشكل مؤسساتي، بعيدا عن استبداد الرأي الواحد والقرارات الانفرادية، وبناؤها التنظيمي يعمل بانسجام تام، ولها من الآليات التنظيمية ما يسمح لها باتخاذ القرارات، وفق المنهاجية الديموقراطية وهذا ما يساهم في تماسك الجماعة ، مع الأخذ بعين الاعتبار طبعا الأجواء التربوية التي تسري داخلها وأن الأمر كله تربية ودعوة لله وليس طلب للرئاسات والزعامات.
عرف على الأستاذ ياسين، تركيزه على الجانب التربوي أكثر من غيره، حتى في أشهر أجوبته لوسائل الإعلام، ذاك الذي قال فيه عندما سأل عن مشروعه بعد رفع الحصار، التربية ثم التربية ثم التربية.. قربينا من أهم المرتكزات التربوية في الحياة الدعوية للرجل؟
بالفعل ما فتئ رحمة الله عليه يذكر كل من زاره وجالسه بالله تعالى وباليوم الآخر، وتركيزه على التربية من باب أنها أساس في سلوكنا وعملنا وليست جانبا أو مجالا من مجالات الاهتمام، وكان في مجالسه لا يفتر عن تحفيزنا على حفظ كتاب الله وأخذ تعهدات بالحفظ من باب رفع الهمم وكان بذلك سببا في حفظ كثير من أبناء الجماعة لكتاب الله والتهمم بتحفيظه للناس وتجويده والنهل من بحر علومه، كما كان دائم التذكير بالموت وأنها حقيقة يجب أن نستحضرها آناء الليل وأطراف النهار، وأن الموت ليس ذهابا إلى المجهول بل كان يشبهه بالانتقال من غرفة إلى أخرى، أما الدعاء فكان يقول عنه: ” الدعاء مهنتي”، وكان يفرح ويبتهل أيما ابتهال إذا عثر على سنة كان يجهلها ويحرص على تطبيقها اقتداء واتباعا وحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم…، هذه بعض من الملامح التريوية القليلة، وإلا فالمجال لا يتسع، وقد حرص رحمة الله عليه على صياغة برنامج يومي أسماه “يوم المؤمن وليلته” جمع فيه فضائل أعمال اليوم والليلة من سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم للراغبين والراغبات في الحياة لله وبالله.
يقول أحد قياديي الجماعة “عبد السلام ياسين تجربة فريدة في تاريخ الفكر الرجل رحمه الله عاش تجربة روحية وفكرية ميزها انفتاحه الدائم على كل جديد في مجال الفكر، لكن تجربته ظلت رهينة الجحود الأعمى لمناوئيه، ظلت رهينة الصورة النمطية التي رسمها سلطان الإعلام والحصار السياسي عنه. ظلت تمارس حجبا مستمرا لأفكاره تزداد كثافته بسبب تقلبات أحوال الطقس السياسي، فعرف عنه العامة مثقفين وغير مثقفين الصورة المختزلة، وفي الاختزال يسقط الجوهر والمعنى كما يقول بول فاليري..”هل فكرت الجماعة في استراتيجية لإخراج هذه التجربة الفريدة من الصورة النمطية والمختزلة؟
عملت الجماعة دائما وأبدا مستعينة بالله على فك الحصار المضروب على الرجل وفكره وتجربته وهذا ديدنها من باب الوفاء والعرفان لفضله عليها ومن باب أن خيره ليس حكرا عليها فهو ملك للأمة والإنسانية جمعاء، فالحمد لله فرغم المنع والحصار والتضييق والتشويش والتشويه، استطاع فكره أن يكسر الأغلال ويجد موطأ قدم داخل المغرب وخارجه، وهو يحظى بتقدير واعتراف بالعمق والأصالة ومدى الحاجة إليه في مثل هذه الحقبة من تاريخ الإسلام والمسلمين، فلقد أغنى الفكر الإسلامي بإنتاجاته الغزيرة وطروحاته العميقة وسبر أغوار معارف شتى وله صولات وجولات، كانت له فيها الحجة البالغة والنظرة الثاقبة والتأليف المتقن لما يصعب جمعه، وبذلك يكون قد بنى لنفسه مكانة متميزة في تاريخ الفكر الإنساني. ولعل المشوشين يفهمون أن هذا الأمر بالغ مداه بإذن الله وستبقى فعلتهم النكراء وصمة عار سيدونها التاريخ في حقهم.
بعد المؤتمر الذي نظمته الجماعة بتركيا قبل سنتين ، حول فكر الأستاذ عبدالسلام ياسين، وهو حدث عرف نجاحا ملحوظا، شهد له العلماء والقياديين من دول عربية واسلامية مختلفة بتجربة الرجل المتفردة على المستوى العلمي، التربوي، الدعوي، لماذا لم تنظم الجماعة نسخ أخرى، بعد نجاح الأولى؟
شكل مؤتمر تركيا بداية فك الحصار الأكاديمي على فكر الرجل، تلته فعاليات إحياء الذكرى الأولى والثانية لرحيله واللتان كانتا بدورهما مناسبتين لنشر هذا الفكر والتعريف بالرجل وستعقبها إن شاء الله محطات أخرى لا شك في ذلك فالإقبال على هذا الخير كبير ولا زال أمامه متسع من الوقت للانتشار والتأثير.
عُرف عبد السلام ياسين انفتاحه على مختلف الأطياف السياسية بالمغرب، من خلال دعوته ومؤلفاته ككتاب حوار مع فضلاء الديمقراطيين، كما كان يزوره في بيته كبار السياسيين في المغرب، بمن فيهم من خالفوه الفكر والرأي، لكن يعاب على الأجهزة التنظيمية في الجماعة سوء تواصلها مع مختلف الفرقاء السياسيين في المغرب، أين يكمن السبب؟
إسمح لي أستاذي الفاضل أن أخالفك الرأي في هذه المسألة، فالجماعة من صميم أدبياتها الحوار وهو مبدأ وخيار لا تنازل عنه وهو آلية مهمة في صنع الميثاق الوطني الذي لن نمل أو نكل في دعوة جميع الفرقاء السياسيين والمجتمعيين في المغرب إليه. أما عمليا فمارسنا ونمارس الحوار من خلال حرصنا على التنسيق في المحطات النضالية الوطنية أو فيما يخص نصرة قضايا الأمة، كذلك كنا الداعين إلى “اليوم الوطني للحوار” كما كنا من الداعمين والمساهمين الفعليين في حراك 20 فبراير وما يتطلبه ذلك من قدرة وحنكة في التواصل والحوار، وتشهد الذكرى الأولى والثانية لرحيل الإمام على حرصنا دعوة فرقائنا السياسيين والمجتمعيين للحضور والمشاركة والمدارسة بل أكثر من ذلك كان موضوع الذكرى الثانية هو “التغيير في نظرية المنهاج النبوي” وكان واضحا في طرح المادة الأكاديمية أن الحوار هو المدخل الحقيقي للميثاق في تصورنا، وهذه فقط بعض من النماذج الكثيرة التي لا يسع المجال لذكرها.
تعززت مؤخرا خزانة أدبيات الجماعة كتابان لكل من منير الركراكي تمحور حول جوانب من الفكر الدعوي لعبد السلام ياسين، والآخر لإدريس مقبول تحدث فيه بطريقة أكاديمية عن فلسفة فكر الرجل، لكن ألا ترين أن المؤلفات التي تزين هذه الخزانة لا تزال قليلة، بغض النظر عن مؤلفات ياسين، خاصة أن الجماعة تعرف برجال نهلوا من فكر الرجل وحاصلين على مستويات علمية متقدمة، ورغم ذلك تغيب كتب تتحدث عن تجربة مؤسس أكبر تنظيم إسلامي في المغرب، كما تغيب ترجمات الكتب التي ألفها؟
كما سبق وأشرت في معرض سؤال سابق فإن الإمام رحمة الله عليه تعرض لحصار أكاديمي ممنهج ولسنوات، فكتاباته الغزيرة لم تكن دور النشر تجرؤ على طبعها ونشرها وإن طبعت خلسة فما كانت لتجد من مكتبات لتباع فيها فيد المخزن الطولى ما كانت لتدع وشأنه من سولت له نفسه ذلك، بل الأدهى والأمر أن مخازن الكتب كانت تصادر وحتى النسخ التي توزع من يد ليد كانت تحجز كممنوعات عند مداهمة بيوت أعضاء الجماعة. مرحلة ما كان يمكن فيها التفكير في مدارسة هذا الفكر بل كانت الأولوية لنشره وفك الحصار عنه أولا، صفحة سوداء طويت بفضل انتشار استعمال الأنترنيت، ميسرا نشر هذا الفكر على نطاق واسع، والآن المواقع الإلكترونية التابعة لجماعة العدل والإحسان تعج بالمئات من الدراسات والأبحاث القيمة، كما أن مؤتمر إسطنبول خرج بخلاصات وأبحاث متعددة لأكاديميين من أقطار شتى نشرت في حينها وكذلك بالنسبة للأبحاث والدراسات المنجزة بمناسبتي الذكرى الأولى والثانية لرحيل الإمام، وهناك العديد من المراكز البحثية الدولية التي تناولت الموضوع بالبحث والتحليل، أما في ما يخص الترجمة فقد ترجمت بعض من كتبه إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والتركية والأردية…