الإنسان المعذب في الأرض

إن ما أوجبه الله عز وجل على المؤمنين من القتال من أجل المستضعفين يهدف بالنية الواعية إلى إزالة عوائق الظلم عنهم لتتأتى لهم فرصة الاستماع لبلاغ الإنذار وبيان البِشارة. فلا يسمع المشغول بقوت يومه مَن يحدثه عن غد بعيد. وما ابتلى به الله عز وجل العبادَ الـمُترفين من زينة الحياة الدنيا عائق آخر، يُكوِّن مع عائق الحرمان توازُنَ الشقاء والعذاب. فالدعوة تأتي هؤلاء وأولئك بالبلاغ، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ (الشورى، الآية 48)، ويفعل الله عز وجل بالعباد ما هم أهله، يُرديهم كفرُهم أو ينفعهم إيمانهم.
وإن من كمال الإيمان وشرط الدعوة أن يُؤَرِّقنا هَمُّ المحرومين من النوعين، وإن كان الهم بالمستضعفين أسبقَ فلا ينبغي أن يحجب عنا همّ الآخرين. فالعبادُ رَحِمٌ واحدة، وصِلَتُها بالشفقة والإحسان خصلة إيمانية إحسانية رفيعة. وأيُّ إحسان أحسنُ وأرفع من تنبيه الغافل وإعلام الجاهل وإنذار المستهين وتبشير السادِر بما ينتظر العباد بعد الموت.
رحِمٌ واحدة هي رحِم الإنسانية، وحقوق الإنسان، في مقدمتها حقه الأسمى، يُمليها على المؤمنين الأمر الإلهي العَليُّ إن كانت تُمليها على النظراء الفضلاء الخلُقيين ما فيهم من مروءة. قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (النساء، الآية 1).
تَسَّاءلون: تُسْألون عن الرحِمِ الآدمية هل أديتم حقها. في مقدمة حقها البلاغ والبيان والشهادة بالسلوك النموذجي والإحسان، والجهاد الدائم لكشف عوائق الظلم حتَّى يسمَع الناس جميعا كلام الله. تعالى الله.
(...)
لا نتنكَّر لنضال الشعوب وكفاح مروآت الأجيال ولا نتجاهله. ولا يقطعنا هذا الاعتراف عن منابعنا. فالله تعالى أمر ونحن نطيع. من هنا نبدأ.
من هنا نبدأ شوطا من أشواط جهادنا لإقامة دين الله في الأرض، نضُمُّ جُهدنا لجهود النظراء الفضلاء من بني جلدتنا ومن غيرنا. ومن بني جلدتنا مسلمون لعل في رحلتنا معهم يَصعَد الوفاق إلى الوَلاية التي أوجبها الله عز وجل على المؤمنين.
يناضلون ونجاهد، هم في حدود طموحهم السياسي ونحن في ركاب الشرع، من أجل رفع الظلم عن الإنسان.
من أجل كرامة المواطن وسلامته البدنية والنفسية، من أجل حريته. من أجل حقوقه المدنية الاقتصادية الاجتماعية السياسية الثقـافية التي لا تقبل التبعيض والتجزيء. ولنا مع النظراء الفضلاء المسلمين خاصة حوار لنحدد في أي سياق نفهم هذه الكلية ونطبقها. نجرهم لمنطق الإسلام وسياقه.
يناضلون ونجاهد من أجل استقرار سياسي تكون قاعدتُه سيادَةَ الشعب في تقرير مصيره وسياسته، وفي انتخاب حكامه وتبديلهم، وفي تنفيذ السياسة ومراقبة التنفيذ. نحاور النظراء المسلمين لننتهي إلى الشورى بآليات الديموقراطية.
يناضلون ونجاهد من أجل توفير السكن والعلاج والتعليم والعمل ووسائل النقل. ومن أجل العدل. ومن أجل التنمية. ومن أجل كرامة الأمة. الأمة في وعي النظراء الفضلاء المسلمين ينبغي أن تلتمس مقوماتها من الدين لا من القومية والوطنية المحلية التجزيئية الاستعمارية.
من أجل حرية التحزب والتنظيم النقابي، والإضراب. من أجل حماية المواطن من الاعتقال التعسفي والتعذيب والشطط في استعمال السلطة.
الإمام عبد السلام ياسين، الإسلاميون والحكم، ط 2018/1، ص 357 - 362.








