تابعت بإمعان مجريات الندوة التي نظمتها مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد برئاسة الوزير الاتحادي السابق محمد الأشعري، تحت عنوان: انتخابات 2026: الثقة تُبنى بالالتزامات لا بالوعود.
وخرجت بمجموعة من الخلاصات، كالآتي:
1- هناك تقييم عام سلبي لتجربة المشاركة في الانتخابات، ومآلاتها، من خلال اتفاق جل التدخلات على توصيف اللحظة الراهنة التي تعيشها التجربة ب: “الأزمة” أو “المأزق” أو “الغمة”… وهو تقييم يوعز الأسباب أحيانا للنظام السياسي وضربه للأحزاب والتنظيمات وتضييق الهامش، وغياب الإرادة السياسية، كما لم يتردد في تحميل الأحزاب مسؤولية التراجع عن رؤاها السياسية، وانفصالها عن قضايا المواطنين وأولوياتهم الحقيقية.
والتوصيات المجمع عليها تقريبا، هي أنه لا بد من إعطاء جدية أكبر في التحالفات السياسية، ولا بد من تبنّي شفافية أصدق مع الرأي العام، مع العمل على استرجاع النخبة الفكرية التي انسحبت وتوارت عن الصفوف القيادية أو تم تهميشها عمدا، إضافة إلى تفعيل “المتوفّر” من الصلاحيات التي نصّ عليها الدستور. وهي أمور اعترف المشاركون أنها عقبات عويصة وتحديات ليست سهلة أبدا.
2- تبدو مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، كمن يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل المقاطعة الانتخابية، و”العزوف” المتفشّي، على شاكلة مبادرة جمعية “2007 دابا”، التي أسسها نور الدين عيوش لمحاربة العزوف السياسي حينها. ولذلك جاءت المبادرة، على أهميتها في إطلاق نقاش صحي ومطلوب حول جدوى الانتخابات ورهاناتها، وحدود فعاليتها، في سبيل العمل على ترسيخ بعض الأدبيات الديموقراطية، على مستوى النقاش والتحالف وطبيعة التعاقد مع المواطنين، جاءت بدورها شبه يائسة، وهي تبدو مثل أنبوب أوكسجين عاجز أمام جثة تحتضر.
ولذلك فإن كلمة الأشعري الافتتاحية، على نباهتها، وحسها الوطني الذي لا يخفى، كانت محاولة ذكية للبحث عن عناصر معينة، جاذبة ومقنعة، يمكنها أن تمارس نوعا من التحفيز على المشاركة في الانتخابات المقبلة، وتقدم بعض الضمانات، في سبيل رفع منسوب الثقة النازل إلى أدنى مستوياته، كما تحاول أن ترتّق جزءا يسيرا مما تفتّق بفعل الانحراف والانجراف الذي طال اللعبة، أو ولدت به عاهة أصيلة مقيمة.
ومن بين “المفاتيح” التي ترددت بشكل كبير في أغلب المداخلات، نجد: “الميثاق” و”التعاقد الاجتماعي”، وهي مفاهيم لها أبعاد دلالية كبرى في الفكر السياسي، وتحمل نفحة تأسيسية وبعدا انعطافيا في الفكر والممارسة، غير أن المراد ب”الميثاق” هنا، كان مجرد محاولة للاتفاق بين أبرز الأحزاب المشاركة، وخاصة من العائلة اليسارية، على بعض الالتزامات القبلية، التي قد تشكل طمأنة معينة للناخبين كي يتوجّهوا إلى صناديق الاقتراع في شتنبر المقبل، وهم يحملون بعض الأمل، على شكل تعهّدات عامة، تطمح لكي تكون التزامات أخلاقية وسياسية مع المشاركين: وعلى رأس هذه الالتزامات، نجد: مناهضة التطبيع، تجريم تضارب المصالح، حماية السيادة الوطنية في التوجهات الاقتصادية والرقمية، إعادة الاعتبار للمرفق العمومي..
3- اعترف المشاركون جميعا، تقريبا، بالأجواء السلبية للغاية التي يتم فيها الحديث عن انتخابات عامة، على رأسها، الاعتقال السياسي لشباب حراك الريف، وجيل زيد، ومتابعة الصحفيين والمدونين، وهي جزء من حالة اقتصادية واجتماعية محتقنة، تشكل خلفية مسندة جدا لخطاب المقاطعة.
4- يبدو أن تيار المقاطعة كان حاضرا ضمنيا، وبقوة كبيرة، فغيابه عن المنصة لم يعنِ بتاتا غياب طرحه ورؤيته، وهو ما تجلّى بشكل أساسي في وجود اعتراف صريح بوجود أزمة ثقة، وغياب الجدوى، وسيادة الإحباط العام، وهو ما يجعل خيار المقاطعة مبررا، ومنطقيا، وذا أثر واضح.
إن وصول العزوف الانتخابي إلى درجات قصوى حسب كل المتدخلين، يجعل العملية برمّتها شبه عبثية، وتدور بلا معنى، سوى إعطاء انطباع ديموقراطي مزيف لا يعدو أن يكون انضباطا زمنيا بموسم الانتخابات.
5- لقد بدا واضحا اتساع مدى المفارقة الغريبة بين الحرص على تمدد السلطوية والتحكّم المخزني، وبين تسويق السباق السياسي الشكلي على أنه الغاية والمنى والحيز المتاح الذي ينبغي للشعب أن يحمد الله عليه.
وعليه، فإن انتخابات بلا رهان سياسي، ولا أفق تغييري، ولا عرض واقعي ممكن، في ظل هيمنة التوجهات الرسمية نحو توسيع صلاحيات الولاة والعمال، وإعطائهم مسؤولية الإشراف على مشاريع تنموية وطنية كبرى، بميزانيات ضخمة، خارج الزمن الولائي للحكومة، وخارج آليات الرقابة الشعبية ولو في حدها الأدنى، بل خارج حتى جدل المشروعية الديموقراطية ذاتها. لهي انتخابات بلا طعم ولا رائحة، سوى إعادة تدوير الفراغ والبؤس والكلام الذي لا يشبع بطنا، ولا يضمن كرامة ولا ينتزع حقا.
6- إن تكريس منطق التنفيذ، ومنزع المناولة، والإصرار على ترسيخ فكرة الدولة/الشَّرِكة، في مقابل الاستمرار في محاولة الاحتفاظ بغطاء سياسي مضبوط، تتولى الانتخابات ملأ خاناته الشاغرة، في لعبة شكلية انكشفت بشكل تام أمام المواطنين، يعدا تلاعبا خطيرا بالوعي والأمل والمستقبل.
7- وعلى افتراض النية الحسنة المبدئية، التي تحاول الدفاع عن الآليات الانتخابية المعتمَدَة، على ضعفها البيّن وكُسَاحِها الحزين، في محاولة توظيف إيجابية للهوامش “المتاحة”، وهي محاولة للتحرك في الوقت الميت، بعد فوات الأوان، وفي الاتجاه الخاطئ حسب اعتقادي، وهي محاولة، إذا نزعنا عنها أثر السوابق الخائبة، والفشل المتوالي، قد تبدو حكمة وبناءً تراكميا، وصبرا استراتيجيا، بحس وطني نبيل، ونزع إلى التعاطي الواقعي، مع الظروف المعقدة، والسياقات الملتبسة، محليا ودوليا، لكن ذلك النّفَس، من وجه آخر، ليس إلا يأسا مغلّفا بأمل كاذب، وعجزا حزينا يفلسف انحساره.
8- لا ننكر أن النقاش الهادئ والعقلاني، كله فوائد، مهما كانت بواعث وحسابات من أطلقه، وحرّي بالجميع أن يسهم فيه، اختبارا لأفكاره، وتمتينا لطروحاته، وبحثا جماعيا عن مخرج من ذلكم “المأزق” الذي يتجاوز مجرد “أزمة” داخلية لنظام يجد صعوبة في تجديد واجهته السياسية في غياب ألوان براقة جديدة وعروض مغرية تجلب مشاركة مقبولة تبصم على وجود نوع من “التقدم” الديموقراطي، ولو بالصيغة المتعثرة على الدوام.
إن الأمر لا يتطلب مجرّد “تخريجة التفافية” تعطي جرعة للجسم المنهك، بل يتطلّب “ميثاقا” أكبر وأعظم، من مجرد ميثاق انتخابي، يتطلب ميثاقا سياسيا حقيقيا، يطرح على مائدة النقاش توجهات البلد وسياساته الكبرى، وطبيعة مؤسسات الدولة، وآليات التداول، وأسئلة العدالة، والحريات، والثروة.. في ارتباط مع بعضها البعض، ميثاق يعيدنا إلى نقاش الحكم، لا الهامش الحكومي الضيق فقط، نقاش يليق بمغرب جديد نطمح إليه جميعا.
ولعل أحد المتدخلين، أورد في ثنايا كلامه، مسألة “الحوار الوطني”، وهو حوار ينبغي أن يكون حرا أوّلا، ويناقش المسقبل المغربي بتجرّد، ويتّسع لكل مكونات الشعب المغربي وقواه الحية وحساسياته المختلفة، كي يكون حوارا ديموقراطيا أولا، ووطنيا ثانيا، ومغربيا فعليا ثالثا.