الحياة الثقافية في المغرب تتحلّل في صمت..

Cover Image for الحياة الثقافية في المغرب تتحلّل في صمت..
نشر بتاريخ

في ظل لهاثٍ على الريع لا يتوقف، واحتكار مَرَضِيٍّ لكل مجال، وإصرار على التصدّر المؤبَّد، واحتلال أكبر عدد من الوظائف المتاحة والمناصب الاعتبارية، وغلبة الادعاء، وانتشار التسرُّع، واستحكام التضخُّم..

وفي ظل تسطيح يشتغل بإصرار وعناد، ويحاول أن يمسح الطاولة، ويكسح التاريخ بضربة لازب، ويسجل براءات الاختراع الوهمية، كأن قدرنا أن نبدأ دوما من الأبجدية والتهجّي الأول على الدّوام.. وفي ظل ظهور العديد من الأمراض والأعراض والأعطاب المستفحلة، فإن سماء المستقبل الثقافي لا سحب فيها ولا أثر لغيث قريب، بل مجرّد وعد قاتم بامتداد التصحُّر والكآبة والعطش..

هكذا، يبرز “الكتاب” بشكل فجائي، بشكل نيّء وفج، كالوجبات السريعة، بلا نضج ولا اختمار ولا عمق ولا هدى ولا كتاب منير..

وهكذا تصدر الكتب تباعا بلا تأمل يُنْتِجُ جديدا، ولا طفرة ترسم منعطفا، ولا تجاوز يوسّع أفقا، ولا تريُّث يربط اللاحق بالسابق، ويبني بشكل تراكمي والتقائي، معرفةً صلبة، مؤسسة نظريا ومتماسكة منطقيا وتملك حدا أدنى من الاقتدار على النزول إلى الميدان، والإنصات، والاستقصاء، والفرك اللازم، والتقليب المستمر، والافتحاص الحريص قبل الكتابة..

لا شيء من ذلك يحدث، قامات ترمي في السوق كتابا قبل أن يلتقط أنفاسه الكتاب السابق عنه، متحدثة في غير مجالات اشتغالها، فتأتي بالعجائب، والابتسار المخل، والإنتاج المخيِّب للآمال مقارنة مع التمكن المعلوم في التخصص..

وفئة ترمي بالكتب تباعا، في تناسل عجيب، نكاد نهلّل له، ونفرح بثورة قادمة، لولا اطلاعنا على نزعة “تكثير سواد” الإصدارات، بهاجس جامعي، أو إعلامي، يقبس نفسَه من “الشّاو” الإعلامي المُعدي، فلا شيء هناك يبعث على الإبهار، ويزرع الرهبة الجمالية، ويزعزع الأنساق، ويجترح مسارات واعدة خلاقة، لا شيء، سوى التجميع، والتَّكرار، وإعادة التدوير..

كأننا صرنا بإزاء ورّاقين، لا كَتَبة مبدعين، فهذا يكتب رواية في شهر أو أقل، وذاك يكتب في كل موضوع، من أقصى يمين المعرفة إلى يسارها، ويضع نفسه، بخطوة واحدة في مصاف الأسماء التي كرّستها عقود من الاطلاع الدائم، وعركتها النقاشات الحقيقية، وصقلتها الموسوعية، وهذّبها التواضع المعرفي، فصارت الكلمة لديها تُنْحَتُ بعشق، وتُلمّع بحذق، وتُحْتَضَن كمولود رضيع، ولا توضع إلا في مكانها، بهندسة دقيقة، وحسابات محققة، وبمسؤولية أدبية وعلمية وأخلاقية..

ليس العيب، أن نكتب، وننشر، لكن العيب أن نقدم للناس طعاما نيّئا، تغيب عنه الأصول اللازمة، والضروريات البانية، والتوابل، وشرط المناسبة، والتوليفة الثقافية التي تعطي للخروج معناه وقوته.. هذا، دون أن نسائل الباعث والهمّة والأفق والاستعداد لأداء الثمن..

وإذا استثنينا بعض الأسماء التي تشتغل بدأب متواصل، في إصرار مهيب على استكمال مشاريع فكرية وثقافية، كانوا لها بناةً ورعاةً ومؤسسين، فهم مصابيح أمل، يمسكون سقف البيت أن يهوي على الرؤوس.. فإنني أقول:

لا غرو أن يصير الكاتب صيّاد صور، ولاهثا خلف منصّات جوفاء، ومتسوّلا على أعتاب الفُتات، أو منزويا في برجه الضّيّق، لا يجرؤ على النزول إلى الناس، وتسمُّع آهاتهم، والإفادة من نبضهم، ومقاومة الانجراف معهم في نفس الآن..

إنها صورة آخذة في تسيُّدِ المشهد، بفعل فاعل، وبفعل انكماش العديد من الأصوات الجادة في المجال، وميلها إلى الانعزال احتجاجا على ما بلغته الساحة، أو هزيمة أمام سيل الاستسهال والتقحٌّم والانحراف.