العلم والإدراك

Cover Image for العلم والإدراك
نشر بتاريخ

قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 30]

وقال كذلك جل شأنه: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78]

فطرة الله التي فطر الناس عليها هي دين الإسلام، والنفس الجديدة التي أخرجها الله تعالى إلى الوجود عند الميلاد يشرع أن يؤذن لها في الأذن اليمنى وأن يقام في اليسرى “ليكون أول ما تسمعه الفطرة الكامنة عند خروجها للدنيا، التذكير بعهد الله وميثاقه أنه عز وجل ربنا. اللطيفة الدفينة في جسم الوليد تسمع جلال الله عز وجل ووحدانيته، وخبر رسالة محمد ﷺ، ودعوة الصلاة والفلاح، وكبرياء من له الكبرياء سبحانه” 1 وهو أول ما يسمعه الإنسان وما تخاطب به الفطرة.

كما شرع تلقين الميت من المؤمنين والمسلمين الكلمة الطيبة وشهادة الحق “لتتردد الشهادة في كيان النفس الغاربة عن الدنيا وقت سفرها عسى أن يختم لها بالفطرة” 2.

والفطرة إقامة الوجهة لله، وهي تستوي أو تعوج أو تحيد عن الجادة بالتربية،  وأول ما تحفظه الجماعة للناشئ والتائب هو الفطرة، فأول الرحلة سماع وآخرها سماع لتكتمل الرحلة إلى دار يستكمل فيها الإنسان معنى آدميته وتستكمل فيها الأمة وظيفتها الرسالية.

والنفوس الطرية تحتضنها الجماعة في كنف الصحبة ولا تتركها لهوس الأسئلة المزعجة الملحة: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وما معناي؟ ومعنى الوجود؟

تلقن النفوس الطرية وتخبر في مجالس الإيمان بالنبإ العظيم؛ نبأ ما خلق له الإنسان العابر من الدنيا إلى الآخرة، فيقرع هذا النبأ سماع القلوب فتفقه والعقول فتعقل وتتفكر وتتدبر وتصان ضد الغفلة والفساد والغزو الثقافي والفلسفة الإلحادية.. فتؤمر بأوامر الله فتنفذ.

والتربية والتعليم في جماعة العدل والإحسان تتماشى مع الفطرة التي فطرالله تعالى الناس عليها، فلا يمكن الحديث عن التعليم دون الحديث عن التربية ومركزيتها في العملية التعليمية، فالتربية يربطها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بالمعنى القرآني والنبوي، ويعطيها الأبعاد الأساسية لتكوين الشخصية الإنسانية السوية، فيجعل مناط بناء الشخصية الفاعلة في المجتمع قائم على مدى قدرة المربي على التنشئة الإيمانية في قلب المتعلم، وتنوير الفهم في عقله، وبعث الإرادة في سلوكه مما يجعله قادرا على الاندماج في محيطه بفاعلية وإبداع.

وللتربية والتعليم في المنهاج النبوي هدفان أساسيان مترابطان: الأول: غرس الولاء لله ولرسوله، والثاني: وهو مؤسس على الأول؛ هو إكساب الناشئ مهارات عقلية علمية وعملية تهيئه للقيادة والجهاد في سبيل الله، وللأستاذ عبد السلام ياسين توجيه في ربط التربية بالتعليم وذلك من خلال:

1. ربط النشء والمؤمنين والمؤمنات بالنبع الصافي: القرآن الكريم والسنة النبوية، لقوله رحمه الله: “والعلم آية محكمة، وسنة ثابتة” 3، حيث أعطى للقرآن الكريم الحظ الأوفر مدارسة وتلاوة وحفظا لأنه الوسيلة لتلقي الوحي وسماع النداء.

2. وصل قنوات الفكر والشعور والولاء بالنموذج المثالي؛ نموذج الصحابة والصحابيات، حتى يتربى النشء ويتعلم على منهاج النبوة، ويكتسب صلابة الإيمان من العلم الحق؛ وهو العلم بالله واليوم الآخر، ومن النبإ العظيم؛ نبإ ما خلق له الإنسان العابر من الدنيا إلى الآخرة، حتى يستقيم عود الفطرة في أرض النفوس الطرية فتثمر ويزهر عودها وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

3. بناء الحس الإيماني: فعندما ينشغل القلب بالله ويسمع عن الله ويتفكر العقل ويتدبر ما سمعه القلب وأبصرته العين، يصبح للناشئ حس إيماني ووحشة من بوار الكفر والشظف الروحي، فيخرج من غفلته بعدما انغرس الولاء لله ولرسوله في قلبه، وينقاد عقله لما سمعه قلبه من الحق وشهد به نطق لسانه واعتبرت صحته العين الباصرة التي ترى أن وراء الأكوان صانعا. قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179]. شبه الله سبحانه وتعالى بعض الخلق بالدواب، بل جعلهم أشد ضلالة من الدواب، حيث  تبلد حسهم وشعورهم لشدة غفلتهم عن الله وما خلق في السماوات والأرض وفي أنفسهم. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “وليس لوجود السمع الحسي، ولا الإبصار ولا النطق المشتركة بين البشر أي اعتبار في مجال الإيمان إذا كانت أذن القلب صماء عن سماع نداء الوحي، وكان اللسان معتقلا عن شهادة الانقياد، والبصر حائرا لا يرى وراء الأكوان صانعا” 4.

قال تعالى: وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [النحل: 65]. فلا تأتي معرفة الله وخشيته ومعرفة الغيب والآخرة إلا من قناة السمع التي تسمع خبر الوحي أولا، ثم تأتي محبته والفهم عنه عن طريق فقه القلب وسماعه واستبصاره، فينطلق العقل المبدع من هذه النفس المطهرة المحررة من عبودية غير الله عندما تتخذه شعارا لكيانها ليشع بنور العلم الذي ينشئ صلابة الإيمان وطلب المعالي والهمم العالية.

العلم والعقل

لقد صاغ الإمام المجدد رحمه الله العلم صياغة تجديدية تتجاوز ما أفسد العلم والعلماء في عهد الانكسار من انقسام وتشتت، وتتجاوز العلم التقليدي الذي تكدست فيه النقول وقل الفهم وانتكست الإرادة، فجمع العلم ليخدم الهدف الأسمى وهو تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى وتحرير إرادته، ثم تسخير العلم لما فيه صلاح الفرد والأمة، ثم العمل على تحقيق الغاية الكبرى وهي الخلافة على منهاج النبوة، فجعل من العلم آلة تجمع شتات العلوم لخدمة هذا الهدف عن طريق ربط العلم بالعمل الصالح ثم الجهاد بالعلم؛ عن طريق بذله والنصح للأمة، ثم عن طريق محاربة الغثاء وبناء الشخصية القيادية المجاهدة لإنقاذ الأمة من التبعية الاقتصادية والهيمنة الاستكبارية، واسترجاع العلوم المنهوبة المحتكرة من قبضة المستكبرين وأسلمتها، ومن الذل والفقر والحضيض الذي آلت إليه الأمة. فإذا كان الإنسان المسلم يدرك حق الإدراك بفهمه العميق وحسه الإيماني ما خلق له وما سخر له وما سنه الله من سننه في الكون، فإن عقله الإيماني حري به أن يتفكر ويتدبر آيات الله في الكون، فيوقن أن لهذا الكون خالقا وحده الجدير  بالعبادة والخشية والتقدير، وأن علمه أمانة ونور جعله الله تعالى له ليمشي به في  الناس، قال جل شأنه: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 122].

مفهوم العلم

“والعلم هو القرآن والحديث، وأهل العلم هم أهل القرآن وأهل الحديث العاملون بعلمهم، وهم العلماء، وما عدا هذا من علوم آلية ضرورية لاكتساب الأمة منعة وقوة واكتفاء اقتصاديا فَلَاحِقٌ بذلك العلم ما دام يخدم مشروع الأمة ومشروع المومن في اقتحام العقبة إلى الله” 5.

فالنظرة التجديدية للعلم كما رسمها الأستاذ عبد السلام ياسين تبين أن العلم ليس بكثرة المسائل والروايات، إنما هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن فيفهم العقل الخاضع  لجلال الله ويتنور قلبه وتهفو جوارحه إلى الإرادة الجهادية.

نستنتج من كل ذلك أن العلم الذي لا يوصلنا إلى معرفة الله وقدره وكتبه ورسله والإيمان بلقائه وبمعنى الإنسان ومصيره وعلاقته بخالقه وبما يقربه منه خداج، والمعرفة التي لا تفتح البصيرة للقاء الله شوهاء، فالنداء نداء الوحي لفطرة أيقظتها صحبة مربية، وتوجيه الدين المبعوث به الرسل ودل على وجود الخالق عقل عالم متفكر مستجيب.

علم يورث الخشية

و”العالم في عصرنا هو من يسعى لفهم الكون من خلال معطياته الفيزيائية والكيماوية والبيولوجية والفلكية والرياضية.. وهو مدعو في كل آن وحين لأن يخشى الله “إنما يخشى الله من عباده العلماء” بما يكتشفه من النواميس الدقيقة المعقدة المتداخلة المتشابكة التي لا يمكن أن يكون من وراء دقتها وتعقيدها وتشابكها إلا خالق جبار يطلع بني آدم بمقدار ما يشاء من أسرار خليقته وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم6.

العلم والعمل والإرادة

العمل بلا علم ضلال وإضلال وتخبط وجنون، قال الإمام رحمه الله: “إن بين العلم والعمل الصالح أمراً، يمكن أن يكون هنالك عالم لا يعمل، يمكن أن يكون هنالك عامل يعمل على غير هدى فيفتي الناس على غير علم فيَضِلَّ ويُضِل. الأمر الذي بين العلم والعمل هو الإرادة القلبية، ويقظة الإيمان في القلب. يمكن أن يكون العلم متوفرا في أمةٍ فيسخره العالمون الظالمون للتخريب، لتخريب الإسلام (…) ﴿سارعوا﴾ و﴿سابقوا﴾، بم يكون هذا؟ لا يكون بالعلم وحده ولا بالعمل الذي لا يعتمد على العلم ولا بعمل منفصل عن الإرادة والإيمان، بل إنما يكون بالإرادة يحدوها العلم ويخدُمها العمل” 7.

العقل

لايمكن الحديث عن الاستجابة إلا إذا كان العقل الراشد المستجيب الخاضع لجلال الله يعمل على بناء آخرته ويعلم علم اليقين أن قيمة نفسه هي مقامه الأخروي عند الله تعالى وجزاؤه المرجو عنده، وأن ذخره هو عمله الصالح وجهاده لنيل رضاه. وبما أن عهد النبوات قد انتهى فإنه لابد من رفع العقل والعلم إلى أرفع المنازل، يقول الإمام عبد السلام ياسين: “إني لا أعتقد أن دينا من الأديان الأخرى أشاد بقيمة العقل والعلم كما أشاد بها الإسلام. ولا غرابة في ذلك، بما أن الرسالة المحمدية هي الخاتمة لعهد الوحي، والفاتحة لعهد العقل في آن واحد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوّل ما خلق الله العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر». ثم قال الله عز وجلّ: «وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم منك! بك آخذُ وبك أعطي، وبك أثيب وبك أعاقب». وقال صلوات الله عليه: «سألت جبريل عليه السلام: ما السؤدد؟ فقال العقل». وما إخالني في حاجة إلى سرد جميع الآيات والأحاديث التي ترفع من شأن العلم والعقل، ولكن أراني مضطراً إلى التأكيد على وجوب التأمل في قول نبينا الأكرم «العلماء ورثة الأنبياء»، من جهة، ووجوب التأمل في قول الإمام الغزالي رحمه الله: «العقل منبع العلم ومطلعه وأساسه»، من جهة أخرى. فلم يا ترى نُصِّبَ العلماء ورثة للأنبياء؟ أليس لأحقيتهم بإنارة طريق البشر وإطلاعهم على أسرار المخلوقات الكامنة في الآفاق وفي النفوس؟ أليس لكونهم يجعلون العقل المروض والـمُجرَّب منبعاً لعلمهم؟ وهذا يقتضي أن يكون لكل زمن علمه النابع من ظروف ترويض العقل وتحنيكه. والمستخلص من هذا أن العلم لا يمكن أن يكون جامدا، بل هو في تطور مستمر” 8.

وينقاد العقل المؤمن للحق عندما يكون إيمانه مبني على التسليم بجبروت الخلاق العليم من خلال علمه بحقائق الأشياء من مكونات عالم الشهادة، بينما سرعان ما ينقاد العقل الجاهل بحقائق الكائنات الدنيوية للطغيان والضلال. ويفرق عبد السلام ياسين بين العقل الراشد والعقل السفيه فيقول: “ونَظَرَ العقلُ الراشد إلى نفسه وضآلتها بإزاء الكون وفنائها فازداد إيمانا، بينما لا يزداد العقل السفيه إلا طغيانا كلما توغل في كشف السماوات والأرض. قال الله تعالى يخاطب العقلاء السفهاء: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ (…) إن ترشيد العقل شرط مسَبَّق على كل عمل لتحوير الحضارة المادية إلى عمارة استخلافية. وإن مكتسبات العقل المخترع ليست سفاهة إلا إن استُعمِلت لأهداف سفيهة” 9.

إن طلب العلم الحق وبثه في الأمة والعمل به، وترشيد العقل والنهوض به لاقتحام عقبات الجهل بالدين وبما سخر الله لنا من قوة ومن نواميس كونية، أمانة في رقاب المؤمنين والمؤمنات لتقوية صف الجهاد وتحقيق موعود الخلافة على منهاج النبوة.


[1] عبد السلام ياسين، الإحسان، ط 2018/2، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج 1، ص 67.
[2] المرجع نفسه، ص 68.
[3] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ط 2018/4، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج 1، ص 236.
[4] عبد السلام ياسين، الإحسان، م. س. ص 69.
[5] عبد السلام ياسين، شعب الإيمان الجزء الأول، ط 2018/2، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ص18.
[6] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ط 2018/2، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ص 15.
[7] عبد السلام ياسين، سلامة القلوب، ط 1998/1، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص18-19.
[8] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، م. س. ص 14.
[9] عبد السلام ياسين، الإحسان. م. س. ج2، ص26.