القدس لنا أم لهم؟

بقلم: فدوى أزطوط
يعد قرار ترامب، المتحدي للعالم والسائر في تجاه تطبيق "صفقة القرن" لإنهاء "الصراع" الفلسطيني-الإسرائيلي - حسب زعمه – والذي يهدف بشكل رئيسي إلى توطين الفلسطينيين في "وطن بديل" خارج فلسطين وإنهاء حق اللجوء، مشروعا يضاف إلى المشاريع العديدة التي حاولت وتحاول الحركة الصهيونية بأدرعها المالية والإعلامية إلى جانب الأنظمة الاستبدادية في العالم الإسلامي نزع فلسطين الأرض من أصحابها تحت ذريعة "حق اليهود التاريخي"، ولتحقيق مرادهم يتم الترويج عالميا وعند المسلمين بالخصوص لفكرة أن فلسطين للفلسطينيين وأن الاستيطان الصهيوني هو صراع بين شعبين، تزييفا للتاريخ وانتزاعا للروابط الدينية والتاريخية التي تجمع المسلمين من بقاع الأرض على قضية حب فلسطين والدفاع عنها.
وفي خضم تسارع الأحداث لابد من توضيح الموقف؛ يجب الإدراك جيدا على أننا في تدافع مستمر بين الحق والباطل، هذا التدافع أمر لابد من وقوعه فلا يمكن بقاء أحدهـما دون مغالبة الآخر، يقول تعالى مقرراً هذه السنة الكونية: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض (1)، وسبحانه تعالى وهو يقرر هذه الحقيقة فإنه يعلن أنه يؤيد الحق وينصره ويمحُ الله الباطل ويحق الحق بكلماته (2)، ويقول سبحانه بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق (3).
لذلك يجب أن نعلم يقينا أن الدفاع عن القدس بكل ما استطعنا إليه سبيلا من واجباتنا كمسلمين، لأن من الغباء الاعتقاد أن الحق سينتصر بدون الأخذ بالأسباب والسعي إليه، و فلسطين حق انتزع بقوة السلاح والمؤامرات بين دول الاستكبار، والدفاع عنها دفاع عن العقيدة والدين الذي نؤمن به، لأن فلسطين بأرضها وزيتونها وجدرانها ومساجدها.. ذاكرة تاريخية تحمل مبادئ العقيدة، فالدفاع عنها واجب ديني يحمي وجودنا كأمة إسلامية، والنبي صلى الله عليه وسلم حدّثنا عنها في أحاديث شتى: [إنّ الله بارك فيما بين العريش إلى الفرات، وخصّ فلسطين بالتقديس] (4)، وفي حديث أخرجه الترمذي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: [كنا يوماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلِّف القرآن من الرِّقاع: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لأهل الشام. فقلت لِم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنّ الملائكة باسطة أجنحتها عليه] (5).
لذلك ففلسطين ليست أرضا، بل هي عقيدة، لأنها القبلة الأولى للمسلمين، وأرض الأنبياء، وهي أرض المحشر والمنشر، قال الله تعالى: واستمع يوم يُنادِ المُنادِ من مكان قريب (6)، قال يزيد بن جابر في هذه الآية: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس، فينفخ في الصور، فيقول: أيتها العظام النخرة، والجلود المتمزقة، والأشعار المتقطعة، إنّ الله يأمرك أن تجتمعي ليوم الحساب، وذُكر أنه ينادي بها من صخرة بيت المقدس.
فلسطين هي الأرض المباركة التي وقعت فيها معجزة الإسراء والمعراج، وهي الليلة التي فرضت فيها على المسلمين الصلوات الخمس، وقد عظم الله تعالى الحدث فذكره في كتابه الكريم في بداية سورة الإسراء؛ قال الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (7).
والأقصى هو المسجد الذي أم فيه الحبيب المصطفى الصلاة بالأنبياء، قال نبينا صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري: (لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى). وفيه يوجد حائط البراق الذي ربط إليه خاتم الأنبياء بيديه الشريفتين دابته استعدادا للعروج إلى السماء مع سيدنا جبريل عليه السلام.
أفمن الإيمان أن نتنازل عنه ليسمى عندهم بحائط المبكى؟ وهل من الإيمان أن نفرط في شبر من أرض كان الحبيب المصطفى يوصي بها؛ قالت ميمونة مولاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أفتِنا عن بيت المقدس، قال: نعم المصلى، هو أرض المحشر وأرض المنشر، إيتوه فصلوا فيه. فإنّ الصلاة فيه كألف صلاة. قلت بأبي وأمي أنت، من لم يطق أن يأتيه. قال: فليُهد له زيتاً يسرج فيه، فإنّه من أهدى إليـه، كان كمن صلّى فيه" (8).
زيت يهدى لأهل فلسطين؛ وصية الرسول الأكرم للمسلمين في كل زمان ومن كل مكان، فهو أضعف الإيمان.
تبدأ أولى خطوات الانتصار باليقين في موعود الله تعالى بالانتصار و بالأخذ بالأسباب كل من موقعه، الأم مع أبنائها في ترسيخ حب فلسطين في قلوبهم الطاهرة، وطالب العلم تلميذا وطالبا بالكد والجهد في دراسته، والمدافع عن حقوق فلسطين من خلال الهيئات الحقوقية، والمعرف بالقضية.. كل من ثغره في مشارق الأرض ومغاربها، كل حسب استطاعته وجهده فالقضية قضية إيمان ويقين.
(1) سورة البقرة، الآية 251.
(2) سورة الشورى، الآية 24.
(3) سورة الأنبياء، الآية 18.
(4) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، 1/ 140.
(5) رواه الامام أحمد في المسند، 5.184.
(6) سورة ق، الآية 41.
(7) سورة الإسراء، الآية 1.
(8) رواه ابن ماجة برقم (1407)، وأبو داود برقم (457).







