القيادة الأخلاقية الغائبة وتغوّل القوة.. من فراغ المعنى إلى عسكرة السياسة وتهشيم المستضعفين

Cover Image for القيادة الأخلاقية الغائبة وتغوّل القوة.. من فراغ المعنى إلى عسكرة السياسة وتهشيم المستضعفين
نشر بتاريخ

عندما غير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اسم وزارة الدفاع لتصير وزارة الحرب، كانت الخطة مرتسمة في ذهنه، كاملة الأركان وواضحة المعالم، ولن يجد الباحث المراقب المتتبع مشقة في استدعاء الأمثلة من الماضي والحاضر ليضع سيناريوهات السلوك السياسي الأمريكي في المستقبل، ونتخذ من اختطاف رئيس دولة ذات سيادة (فنزويلا)، وتقويض النظام الدولي على علاته مناسبة لبيان ذلك السلوك بذكر الأمور الآتية:

1. منذ لحظة تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبروز الآباء المؤسسين الذين كانوا يمسكون بالعهد القديم في يد، وبالأخرى يمسكون خرائط التوسع والإبادة، نال “الهنود الحمر” النصيب الأكبر من سياسة الإبادة والتغيير الديموغرافي.

2. قامت سياسة بناء الدولة واعتماد الديموقراطية على نزوعات أنانية تقصر الانتفاع بمزايا الديموقراطية على “المواطن الأمريكي” في الداخل وتحرم منها “الأجانب والمهاجرين”.

3. اقترن بلحظة التأسيس اعتماد منطق “القوة” لاسيما في سلك الجيش والشرطة والمراقبة الأمنية والسجون، واختزلت الحرية في حرية السوق أكثر من أي شيء آخر، ومن يهدد السوق تشن عليه حرب لا هوادة فيها، وهو ما عكس ولا يزال استشعار العقل الأمريكي للتهديد الدائم من الداخل والخارج.

4. لتحييد ذلك التهديد تم اختلاق “إسرائيل الحديثة” (شعب الله المختار) كاستمرار “للاستثناء الأمريكي” (أمة فريدة اختارها التاريخ والعناية الإلهية لقيادة العالم)، وتم تمكينها من أدوات الهيمنة والقتل (النووي والتكنولوجي الرقمي)، وتوفير كل ضمانات الإفلات من العقاب والمحاسبة مهما قتلت وأبادت.

5. تجلت كل أعطاب التفكير الأمريكي في سياسة أمريكا الخارجية، فلا تتقيد بضوابط قانونية ولا أخلاقية لأنها – في نظر نفسها- تمثل “الخير المطلق” في مواجهة “الشر المطلق” وتقسم العالم إلى معسكر أخلاقي نقي، ومعسكر شرير، وتشيطن خصومها، وتفرض على الأمم والشعوب أن تجعل أعداء أمريكا أعداءها أيضا، وتجدد أعداءها دائما.

6. من آثار تلك الأعطاب أيضا اختلال الموازين وانقلاب المفاهيم، فالإسلام إرهاب، والمقاومة تطرف، والاحتلال والقتل دفاع عن النفس، أما الخطاب الذي يؤيد بشكل أعمى “إسرائيل” فيراها ويقدمها على أنها “الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، والفلسطيني “تهديد وجودي” يجب محوه.

7. الغريب في السياسة الأمريكية أنها لا تتعظ ولا تستخلص الدروس من الفشل والإخفاقات المتكررة في فيتنام وأفغانستان والعراق والصومال، بحيث تظل السردية الأيديولوجية ثابتة تفسر الفشل وتبرره وتدعو الناس للتصويت عليه في انتخابات “ديموقراطية” رست أخيرا على انتخاب رئيس عدمي يراكم الفضائح، ويتخذ الصفقات والدولارات آلهة من دون الله.

8. تمتح روسيا اليوم وجزء كبير من أوروبا، وغدا الصين من نفس الأيديولوجية الصراعية، وفي صراع الفيلة يبدو العرب والمسلمون كالنمل تطؤهم الأقدام من غير أن يشعر بهم أحد.

9. يرجع لـ “طوفان الأقصى” الفضل في إخراج كل هذا الخبث الغربي الرسمي بعد أن ظل كامنا ومتواريا عن الأنظار، وذلك الإخراج منفعة سيقت في قالب فواجع “غزة”.

10. إن كل المؤشرات اليوم تنذر بحرب عالمية ضروس تعقب هذه الفوضى المتنامية في العالم، حيث لا سلم ولا سلام، ولا أمن ولا أمان، ذكرني هذا بالكتاب الذي قرأناه ونحن شباب في أيام الطلب للعلامة الهندي أبي الحسن الندوي – رحمه الله- ووسمه بعنوان “ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”؟ فأحصى من الخسارات التي لم تنجبر إلى اليوم:

– خسر قيادةً رساليةً تهدي الإنسان: فترتب عن تراجع الحاملين لرسالة الأنبياء فراغ روحي ومعنوي عام.

– خسر التوازن بين المادة والروح: إذ انتقلت الزعامة إلى نموذج حضاري يغلب عليه المنطق المادي، فنتج تقدم بلا بوصلة أخلاقية وروحية.

– خسر معيارًا أخلاقيًا عمليًا في السياسة والعيش العام: لأن أثر التحول القيادي انعكس على الدين والأخلاق والسياسة ومصير الإنسانية

– خسر مقاومة “جاهلية جديدة” ظهرت في ثوب جديد: حيث تُعاد صناعة الإنسان على قيم المنفعة واللذة، وتُهمَّش رسالة الوحي لصالح “الحضارة المادية”.

– خسر مناعةً من القومية الضيقة والعنصرية.

– خسر السلم العالمي باندلاع الحروب

– خسر كرامة المستضعفين والفقراء

– خسر نموذج “صناعة الإنسان” الذي بناه الإسلام

بكلمة، خسر العالم القيادة الأخلاقية والأخلاق التي يذبحها ترمب كل يوم من الوريد إلى الوريد.

لكن البشارة الإلهية التي تطلب عملا دؤوبا، بقلب مع الله، ويد تعمل في البيئات المحلية والإقليمية والعالمية الملوثة تصلحها، لتفادي السقوط في انتظارية بليدة نقرِؤها (البشارة) في الكلام المجيد ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونمكن لهم في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين وولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين.