تقديم:
تنهض هذه المقالة بدراسة تحليلية استقصائية شاملة للمتن الشعري في الجزأين الأول والعاشر من سلسلة ديوان “قطوف” لعبد السلام ياسين. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مؤداها أن “اللغة العربية”، في الوجدان الشعري والتربوي للكاتب الشاعر، ليست مجرد أداة للتواصل أو وعاء للمضامين، بل هي “كيان وجودي”، و”ثغر عقدي”، و”شرط حضاري” في استقامة العمران الأخلاقي والسياسي في نظرية “المنهاج النبوي” عنده.
لا تقف هذه الدراسة عند تخوم القراءة السطحية للنصوص، بل تنفذ إلى أعماق البنية الصورية، والتراكيب النحوية، والمعجم اللغوي الذي وظفه الشاعر للدفاع عن “لغة القرآن”. وعبر تحليل فحصي مجهري للقصائد الأربعة المركزية من “قطوف 10″، وهو في الجزء الأخير من سلسلة ديوان “قطوف”، والتي تنعى واقع الفصحى، ومن خلال الربط الجدلي مع التأسيسات النظرية في “ديباجة” “قطوف 1″، وهو الجزء الأول من السلسلة، تكشف الدراسة كيف تحولت القصيدة عند عبد السلام ياسين إلى ما يشبه “البيان الحربي” ضد الركاكة واللحن والتغريب اللغوي، معتبرة أن فساد اللسان هو المقدمة الطبيعية لفساد التدين، والمدخل الأفسح للتبعية الحضارية.
تتوسل الدراسة بمنهج تكاملي يمزج بين “النقد الفني” الذي يفكك الصور والأخيلة، و”التحليل المقاصدي” الذي يرد النص إلى سياقه التربوي والدعوي والحضاري، استئنافا لما دشنته في كتابي: “لغة القرآن في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين”، لكن مع الكلام المنظوم هذه المرة، بعد مرور عقد من الزمان على دراستي لكلامه المنثور.
1- المدخل التأسيسي: فلسفة “البيان” وميثاق الكلمة في “قطوف 1”
قبل الشروع في تشريح القصائد التي تناولت “أزمة اللغة” بشكل مباشر في الجزء الختامي العاشر، يحسن بنا تأصيل المنطلقات النظرية والفلسفية التي حكمت نظرة الشاعر إلى “الكلمة” و”الشعر” و”اللسان”. إن “قطوف 1” لا يقدم للمتلقي قصائد فحسب، بل يعرض عليه “الميثاق الغليظ” الذي يربط الشاعر بلغته.
1.1. “الديباجة”: إعلان البراءة وتأسيس “شعر الحكمة”
يفتتح الشاعر الجزء الأول بنص تأسيسي بالغ الأهمية وسمه بـ: “ديباجة”. هذا النص يتجاوز كونه مقدمة بروتوكولية، ليكون “إعلانا” أو “بيانا” يحدد فيه الشاعر إحداثيات موقعه في الخريطة اللغوية والأدبية، ويؤسس موقفه من “اللامسوؤلية” المهيمنة على الراهن اللغوي في مجالات وفئات ينتقيها بعناية.
أ. الاشتقاق المقاصدي للشعر:
يقول الشاعر:
قُطُوفِي دَانِيَةُ الحِكَمِ … وَمَا أَنَا بِالشَّاعِرِ الهَائِمِ
مِنَ الشِّعْرِ حُكْمٌ رَوَاهُ البُخَارِي… عَنِ المُصْطَفَى السَّيِّدِ القَائِمِ
يؤسس الشاعر هنا لثنائية صارمة، يتقابل فيها تقابلا ضديا “الشعرُ الحكيم” و”الشعر الهائم”؛ والأخير هو شعر “الضلال اللغوي” حيث تنفصل الكلمة عن الحقيقة، ويصير البيان وسيلة للتيه في أودية الخيال الكاذب. إن استشعار الشاعر لخطورة “فساد الوظيفة اللغوية” حمله على رفض هذا النوع من الهيمان، ليصطف في خندق “الشعر الحكيم” الذي يستعيد وظيفة “البيان” أداةً للكشف عن الحقائق وتوجيه السلوك. واستناد الشاعر إلى الحديث النبوي: “إن من الشعر لحكمةً”، هو إضفاء للشرعية الدينية على ممارسته اللغوية وتعزيز لصدقيتها. ولهذا الاصطفاف دلالة تربوية لا تخفى؛ فاللغة في عرف “قطوف” ليست “لعباً”، بل هي “مسؤولية”. إن الكلمة الحكيمة “حُكْم”، والحُكم يقتضي الحزم، والجدية، والدقة، والعدل، ومطابقة الواقع، والنأي عن السفاسف التي يغرق في أوحال مستنقعها “الهائمُ”.
ب. تأصيل الانتماء التراثي:
يواصل الشاعر في الديباجة قائلا:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ خَلَا اللهَ زُورُ… كَلَامُ لَبِيدَ الذَّكِي الفَاهِمِ
يُصَدِّقُهُ المُصْطَفَى جَهْرَةً… وَيَدْعُو لِحَسَّانِنَا الخَاصِمِ
يستدعي الشاعر هنا نموذجين من الذاكرة الشعرية العربية التراثية، لكل منهما دلالته: فلبيد بن ربيعة “الذكي الفاهم” رمز “الحقيقة”، واللغة عنده وسيلة لتقرير الحقيقة الوجودية التوحيدية الكبرى. هكذا تكون “الفصاحة” قرينة “الوعي”. أما حسان بن ثابت “الخاصِم” فهو رمز “القوة” و”الدفاع”، حيث اللغة “سلاح” في معركة المنافحة: “ليهجو أعداءنا”، ووصفه بـ “الخاصم” ينقل اللغة من حيز “الإمتاع” إلى ميدان “الصراع”. إن الجمع بين “لبيد” و”حسان” في سلك واحد يكشف عن “عقيدة اللغة” عند عبد السلام ياسين؛ لغة يجب أن تكون “صادقة” في مضمونها، و”منافحة” في وظيفتها.
2.1. مركزية “القلم” و”الكلم”: أدوات التلقي
في القصيدة الأولى من “قطوف 1″، يربط الشاعر النجاة بالتمسك بأدوات اللغة والوحي، فيقول مخاطبا “النفس”:
وَاسْتَمْسِكِي بِكِتَابِ اللهِ عَلَّمَهُ … رَبُّ البَرِيَّةِ لِلْمَحْبُوبِ بِالقَلَمِ
وَاسْتَعْصِمِي بِمَتِينِ الهَدْيِ سُنَّتِهِ … وَمَا تُبَيِّنُ مِنْ مَعْنًى وَمِنْ كَلِمِ
يقرن الشاعر بين “المعنى” (المضمون) و”الكلم” (الوعاء اللغوي)، مؤكدا بهذه الثنائية أنه لا وصول إلى “الهدي المتين” إلا عبر “الكلم المبين”.
2- تشريح الأزمة: “الفصحى الجريحة” في “قطوف 10”
ننتقل الآن إلى القلب النابض لهذه الدراسة، وهو القصائد الأربعة الواردة في “قطوف 10″، الخاصة باللغة العربية، والتي تمثل “مرثية” لوضعية لغة القرآن عند أصناف محددة. إن تفكيك هذه القصائد بيتاً بيتاً يمكننا من استخراج الرؤية النقدية لواقعها المأزوم.
1.2. القصيدة الأولى: تشخيص الداء (بَكَيْتُ عَلَى الْفُصْحَى الجَرِيحَةِ)
أ. ثنائية البكاء والأسف في المطلع:
بَكَيْتُ عَلَى الْفُصْحَى الجَرِيحَةِ آسِفاً… ومَا تَرْتَجِي الفَصْحَى الجَرِيحَةُ مِنْ دَمْعِي!
إن لفظة “آسفاً” تعمق الدلالة؛ فالأسف هنا “حسرة” واعية، لا مجرد حزن عابر. إن الشاعر يجمع بين حرقة العاطفة (البكاء)، ووعي العقل (الأسف)، ويعامل “الفصحى” ككائن حي ذي جسد ومشاعر (“جريحة”، “ترتجي”). والجرح ليس مجازاً للكتابة الركيكة فحسب، بل هو “نزيف” في الذاكرة والهوية. وفي العجُز نقدٌ ذاتي للعاطفة السلبية؛ فالبكاء وحده حيلة الضعفاء التي لا تنقذ لغة.
ب. المشهد “الحربي”:
سِهَامُ العِدَا مِنْ كُلِّ صَوْبٍ تَنُوشُهَا … فَلَيْسَ يَقِيهَا مِنْهُمْ سَابِغُ الدِّرْعِ
إن استخدام الفعل “تَنُوشُهَا” دقيق وبليغ؛ فالنَّوْش هو التناول، أي أن سهام الأعداء “تتناولها” وتنقض عليها وتصيب منها مقتلاً من كل جهة. إن السهام ليست طائشة، بل هي “نائشة” تصل إليها وتتمكن منها، مما يوحي بتمكن العدو من جسد اللغة بعد سقوط “الدرع السابغ” الذي كان يحميها، فتركت عارية الجانب حسيرة الرأس.
ج. نماذج الجناية:
* الخطيب والرطانة: خيانة المنبر
فَهَذَا خَطِيبٌ نَاطِقٌ بِرَطَانَةٍ … جَفَتْهَا أُصُولُ النَّصْبِ والخَفْضِ وَالرَّفْعِ
الرطانة هي الكلام الأعجمي، ووجودُ “خطيب” ينطق بـ “رطانة” هو قمة التناقض؛ فالمنبر الذي هو “محراب الفصاحة” قد احتلته العجمة بشكل يؤشر على القطيعة والجفاء بين المتكلم ولسانه. وتخصيص “النصب والخفض والرفع” بالذكر يؤكد أن الخلل في “بنية” اللغة ونظامها الإعرابي هو خلل في ميزان المعنى، فلا يكاد صاحبه يُبِين.
* الدكتور والمصارعة: الخيانة الأكاديمية
وَذَلِكَ دُكْتُورٌ فَصِيحٌ مُفَوَّهٌ … يُصَارِعُ فِي الْأَعْدَادِ قَاعِدَةَ الْجَمْعِ
إن وصف “فصيح مفوه” يأتي في سياق تهكمي مبطن؛ فالدكتور لا يخطئ فحسب، بل “يصارع” لغته الأم، كأنه في عراك جسدي معها، خاصة في باب “العدد” الكاشف عن المتمكن من المدعي. إنها صورة كاريكاتورية مفجعة لمن غدت اللغة له “عدواً” لا “طبعاً”.
* الرائي / التلفاز: الخيانة الإعلامية
وآخَرُ فِي الرَّائِي يُتَمْتِمُ جُمْلَةً… كَمَا تَمْتَمَ السَّحَّارُ فِي رُقْيَةِ الصَّرْعِ
إن استخدام اللفظ العربي الفصيح “الرائي” للدلالة على الآلة الحديثة (التلفاز)، هو تأصيل لغوي مقصود، وليس اضطرارا يفرضه ميزان تفعيلات البحر “المتقارب”، بدليل إمكانية التعبير بلفظ “التلفاز” دون أن يختل الوزن ولا المعنى، فيقال على سبيل المثال: “وآخَرُ فِي التِّلْفَازِ تَمْتَمَ جُمْلَةً”، خاصة وأن الشاعر ضليع راسخ في النظم على مختلف البحور، كما هو متمكن من المتن اللغوي سواء بسواء. أما تشبيه لغة الإعلاميين بـ “تمتمة السحار”، ففيه نقد شديد لعدم الإبانة، وللمنحى الأيديولوجي الذي يستهدف تزييف الوعي بدلاً من تنويره.
د. حكم الردع: فقه العقوبة اللغوية
تَحَارُ إِذا أَنْصَفْتَ أَيُّ ثَلَاثَةٍ … أَحَقُّ بِرَدْعِ المَنْعِ وَالدَّفْعِ وَالصَّفْعِ
ردا على هذه الجناية اللغوية المتعددة المستويات والأصناف، يقترح الشاعر سلّم عقوبات متدرجا (المنع، الدفع، الصفع)، كاشفا عن “غيرة” تستخدم “القوة الرمزية” ضد من يشوهون اللسان العربي المبين.
2.2. القصيدة الثانية: “أَرِقُّ لِفُصْحَانَا الْعَزِيزَة” (سوسيولوجيا الانحطاط اللغوي)
أ. أرق الغيور:
أَرِقُّ لِفُصْحَانَا العَزِيزَةِ أَصْبَحَتْ … بِهَا عَادِيَاتُ المُسْتَبِيحِينَ تُحْدِقُ
إن “الرقة” هنا ليست مجرد قلق، بل رحمة وإشفاق من قلب حي تجاه “عزيزة” مكلومة، وكأن الشاعر يقول: من يلحنون في اللغة هم من القاسية قلوبهم، بينما المؤمن يرق لكل ما يمت إلى الوحي بصلة، فينشأ تماهٍ عاطفي كامل بين الشاعر ولغته التي تبكي وتشهق: “”فَذِي لُغَةُ القُرْآنِ تَبْكِي وَتَشْهَقُ”، وهنا تتصاعد أنسنة اللغة لتصل مرحلة “الشهيق” الذي هو البكاء بصوت عالٍ وحرقة، مما يستدعي نجدة “داعي الخير”: “وَحُقَّ لِدَاعِي الخَيْرِ أَنْ يَحْمِيَ الْحِمَى”.
ب. صورة “الضفادع”: المسخ الهوياتي
سَرَتْ لُكْنَةُ الْأَعْجَامِ فِينَا كَأَنَّنَا … ضَفَادِعُ بَاتَتْ فِي الظَّلَامِ تُنَقْنِقُ
تشبيه الشاعر للمتحدثين باللغة الهجينة (اللكنة) بـ “الضفادع” هو تصوير للصوت الرتيب الخالي من “البيان” ومن “المعنى”. وبما أن الضفادع تنقنق في المستنقعات والظلام، فالصورة توحي بأن هجر الفصحى هو انحدار إلى “قاع” التخلف و”ظلمة” الجهل و”قذارة” استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ج. نقد الإعلام: سوق الركاكة
وَفِي السُّوقِ مِنْ هَذِي المَجَلَّاتِ حُزْمَةٌ … رَكَاكَتُهَا غَرْسٌ يَهِيجُ وَيَبْسُقُ
في هذه الاستعارة الزراعية تصوير للركاكة كنبتة شيطانية تروج في سوق المتاجرة بالهوية، مجسدةً للدخيل الذي يتطاول ليخنق النبت الأصيل.
د. القوّال والنحو الملفق:
فَمَا خَطَبَ القَوَّالُ إِلَّا بِلَحْنِهَا … فَمِنْ نُطْقِهِ سَيْلُ الرَّكَاكَةِ يَدْفُقُ
وَمَا كَتَبَ الكُتَّابُ إِلَّا بِنَحْوِهَا … قَوَاعِدُهُ الخَلْطُ الرَّكِيكَ المُلَفَّقُ
تشي صيغة المبالغة “القوّال” بكثرة الكلام بلا علم، مما ينتج “سيلا” من الركاكة، و”نحوا” مشوها قواعده “الخلط” و”التلفيق”.
3.2. القصيدة الثالثة: الفخر والمناعة (لَنَا الفُصْحَى بِنَاءٌ مُشْمَخِرٌّ)
أ. شموخ البناء:
لَنَا الفُصْحَى بِنَاءٌ مُشْمَخِرٌّ … قِبَابُ المَجْدِ نَاطَحَتِ السَّحَابَا
يستدعي الشاعر القاموس الفخم “مُشْمَخِرٌّ”، الذي هو العالي جداً، ليقيم بيانا عمليا على قوة اللغة، فهي بناء وقباب تناطح السحاب شموخا، لا خياما تتداعى.
ب. جناية الأبناء وكرامة الأم:
جَنَى الْجَانِي عَلَيْهَا فَهْيَ تَبْكِي … مُرَاغَمَةً وَتَنْتَحِبُ انْتِحَابَا
ومَا ضَرَّ الكَرِيمَةَ لَوْ قَلَوْهَا … وكَالُوهَا المَلَامَةَ والعِتَابَا
تبكي الفصحى قهرًا من عقوق أبنائها، لكن هجرهم لا يضرها لكرامتها وعزتها.
إِذَنْ لاَرْتَاحَتِ الْفُصْحَى وَسُرَّتْ … بِمَا عَرَفَتْ أَعَادِيَهَا الصِّلاَبَا
هنا، يميز الشاعر بين نوعين من العداء:
* العدو الصريح (الراحة في الوضوح): إن “العداوة الصريحة راحة”، لأن “الأعادي الصلاب”، ممثَّلين في المستعمر الصريح، والداعين للغات الأجنبية علناً، يمثلون “الآخر” الواضح. وهذا الوضوح يثير مناعة الأمة ويحفز المقاومة. إن العدو الصلب كالجدار، تستند إليه الهوية لتعريف نفسها بالضد.
* العدو الداخلي (خطر الاتصال والزعم):
وَلَكِنْ سَاوَرَ الْفُصْحَى فِئَامٌ … بِهَا زَعَمُوا اتِّصَالاً وَاقْتِرَابَا
وهُمْ مِنْ لُكْنَةٍ نُعُقٌ كَمَا لَوْ … بِلَحْنِ الْقَوْلِ أَنْطَقْتَ الغُرَابَا
تدل “المساورة” على الاقتحام عن كثب والمغالبة عن قرب. وبالتالي فإن الخطر يكمن في “فئام” (جماعات) تزعم الوصل باللغة لخدمتها وتحديثها، بينما هم ينفثون سم “اللكنة” في عروقها. وفي صورة “الغراب” دلالة على أنه اتصال “مسخ”، فلا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى؛ لا هو حافظ على أصله، ولا هو أدرك طبع غيره، وعبثا تحاول بسعيك إلى إنطاق الغراب وحمله على الفصحى. إن “النفاق اللغوي” هو أشد فتكاً من العداء الصريح.
4.2. القصيدة الرابعة: “سَحْبَان” (نقد البلاغة المنفصلة عن القيم)
أ. الفصاحة الخادعة:
سَحْبَانُ إِنْ يَعْلُ المَنَا … بِرَ، سَاحِرٌ بِبَيَانِهِ
والطَّيْرُ تَخْرَسُ مِنْ تَصَنُّـ … ـتِهَا لِلَحْنِ لِسَانِهِ
يستهل الشاعر برسم صورة لـ “سحبان”، رمز الخطيب المفوه المنافق، كما يراه الناس: “عبقري زمانه”، يجر ذيول الكبر والخيلاء. هذا “الاستدراج الدرامي” يرفع سحبان لقمة الجبل، فيصفه بالعبقري، المتقدم، التائه، المتعالي، ليكون سقوطه لاحقاً مدوياً عندما يكشف حقيقة نفاقه. الشاعر يقر بسحر بيانه الذي يُخرس الطير، لكنه يمهد لكشف اللب الفاسد خلف القشرة اللامعة.
ورمزية “سحبان وائل” هنا هو كونه مضرب المثل في الفصاحة؛ فالعرب تقول: “أفصح من سحبان”، و”أنطق من سحبان”، و”أبين من سحبان”. الشاعر يقر بـ”سحر بيانه” وتأثيره، حتى أن الطير المغردة طبيعةً وأصالةً تخرس من إنصاتها له.
وفي التفاتة خاطفة لتصحيح الوجهة، يصرح الشاعر:
قلْتُ: انظُرُوا أَفْعَالَهُ … هيَ تُرْجُمَانُ جَنَانِهِ
كَمْ نَاطِقٍ أَفْعالُهُ … شَهِدَتْ بِزَيْفِ دِهانِهِ
في هذا الموضع تتجلى فلسفة اللغة الأخلاقية: الفصاحة الحقة هي فصاحة السلوك، وإذا ناقض الفعلُ القولَ، أصبحت اللغة “زيفاً” و”دهاناً”، طلاء نفاقيا بلا قيمة. وبهذه الصورة تكتمل الدائرة: انتقاد الشاعر “اللحن” بما هو فساد في الشكل والمبنى، ينتهي بنقد “النفاق” بما هو فساد في السلوك والمعنى.
3 -الخصائص الفنية والجمالية: كيف دافع الشاعر عن الشعر؟
وظف عبد السلام ياسين أدواته الفنية ببراعة لخدمة قضيته من خلال:
أ. المعجم “الفحل”: الجزالة سلاحاً
استدعاء مفردات تراثية جزلة، مثل: “مشمخر”، “تنوشها”، “العاديات”، “الرائي”، “سابغ”، “قلوها”، “نعق”… هو توظيف لإضفاء هيبة على النص تناسب مقام “لغة القرآن” الضاربة الجذور في الأصالة البلاغية.
ب. الصورة الكاريكاتورية: السخرية سلاحاً
التصوير الكاريكاتوري الساخر كان بغاية تعرية خصوم اللغة؛ فصور مثل: الدكتور المصارع للأعداد، والساحر المتمتم في الرائي / التلفاز، والضفادع المنقنقة في المستنقع، والغراب الناطق عيا وفَهاهة، تستهدف “فضح السوأة” و”إسقاط الهيبة” عن المتجرئين على قداسة الوعاء القرآني النفيس.
ج. الإيقاع الخليلي: العمود الفقري
الالتزام الصارم بالبحر والوزن والقافية والروي هو بحد ذاته رسالة مفادها أن القوالب الأصيلة كفيلة باستيعاب المعاني المعاصرة والتحديات الراهنة، وأن الانضباط الموسيقي الرنّان وجه من وجوه الانضباط اللغوي للفنّان.
4 -الخاتمة التركيبية: اللغة العربية ثغر الهوية ورهان التحرر
تخلص هذه الدراسة الاستقصائية إلى أن اللغة العربية في ديوان “قطوف”، وبخاصة في الجزأين الافتتاحي والاختتامي، تحتل موقع “القلب” النابض، وأي ثلم في هذا الوعاء اللغوي هو ثلم في جدار الدين عقديا. أما حضاريا فهي “بناء مشمخر” وحصن للهوية ضد “الاستباحة”. وتربويا وأخلاقيا هي ميزان إحسان ينفي النفاق. والدفاع عنها، سياسياً، هو جهاد كلمة وحجة ضد “المستبيحين”.
إن عبد السلام ياسين يقف على “ثغر اللسان” ليصد عنه “سهام العدا” التي “تنوشه”، ويعلن أن تحرير الأمة يبدأ بتحرير لسانها من “الرطانة” و”النقنقة”، لتتجدد أصالته “بياناً” صادعا بالحق والصدق في القول والعمل.