بناء الإنسان وحوار المشاريع الفكرية والحضارية... محور مداخلات أغنت الجلسة العلمية الثانية

تجدد موعد حضور ومتابعي المؤتمر العلمي الدولي الثالث في فكر الإمام، الذي تنظمه مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات عن بعد يومي السبت والأحد 4 و5 جمادى الأولى 1442/ 19 و20 دجنبر 2020، واختارت له موضوع: “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”، مع جلسة علمية ثانية ليلة السبت أدار فقراتها الأستاذ عبد الرحمن خيزران، وتمحورت مداخلاتها الأربع لأصحابها من المغرب حول “بناء الإنسان وحوار المشاريع الفكرية والحضارية”.
1- المداخلة الأولى: البعد الإنساني في مقاربة قضية المرأة عند الأستاذ عبد السلام ياسين.
اعتبرت الدكتورة صباح العمراني في مقدمة ورقتها أن قضية المرأة احتلت مساحة كبيرة في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين حيث كانت “حاضرة في جل كتاباته المتنوعة، وقد تناولها بشجاعة نادرة، تتحدى قرون الانحطاط، وأزمنة القهر والحيف والاستبداد، وفقه الانحباس والتخلف، لتستقي من معين الرحمة المهداة نورانية تحرير المرأة في زمن النبوة، متخطيا الرؤية المتقلصة التي تهمش المرأة في ركن بعيد ومعزول عن قضايا الأمة، او تلك التي تعتبرها قضية مجردة من كل أبعادها الإنسانية”، لتنتقل بعد ذلك إلى تلمس البعد الإنساني في مقاربة قضية المرأة عند الامام في محورين أساسيين.
في المحور الأول استجلت الباحثة في العلوم السياسية وقضايا المرأة مناط التكريم الإلهي للمرأة في خطاب الإمام ياسين رحمه الله، حيث الرجل والمرأة أكفاء في التكريم الإلهي، مستدلة بذلك بعدد الآيات الكريمة مثل قول الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وقول للإمام ياسين اعتبر فيه “المؤمنات والمؤمنون أكفاء في شرع الله المنزَّل بميزان العدل. لا ترجَحُ كفة الرجل ولا كفة المرأة إلا بالتقوى”، وأن قوامة الرجل لا تناقض المساواة، وليست، في نظرها، “درجة تفضيل بقدر ما هي إثقال ميزان الرجل بمثاقيل المسئولية مخففا الأعباء عن المرأة من أجل إتقان مهمة لا يمكن للرجال تقلدها”. بل إن المنهاج الإسلامي اتبع الفطرة في تقسيم الوظائف لتحقيق تكامل الوظائف بين الرجل والمرأة، معززة كلامها بكلام للإمام رحمه الله في كتاب المنهاج النبوي يقول فيه: “فالرجل مسؤول عن رعيته يربيها، ويطعمها، ويكسوها، ويحميها، ويقيها نارا وقودها الناس والحجارة بتوجيهها إلى الإيمان. والمرأة حافظة لغيب الرجل، حامية لظهره، كي ينبعث إلى جهاده آمنا أن تظهر من خلفه عورة تكسر صلبه”.
في الجزء الثاني من مداخلتها وقفت الدكتورة صباح عن حضور المرأة الفعال في بناء مجتمع العمران الاخوي الذي يقترحه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، لأن المرأة المسلمة في نظر الباحثة “معنية بقضية البناء، ولا يمكن المراهنة على أي بناء مع إغفال الدور الحيوي والطليعي للمرأة، فلا يقوم به الرجل وحده بل مع المرأة وبمشاركتها الفعالة، تأسيا بالمدرسة النبوية فعلا وتفاعلا”؛ فالعبودية الكاملة لرب العالمين تتحقق بتلازم مقصد العدل والإحسان، وتحقيق هذا الواجب تكليف لم يخص الله به الرجال دون النساء، ولا يخضع لمقاييس الجنس، بل هو خطاب لكل عاقل رجلا أو امرأة، بل إن المرأة من منظور الأستاذة العمراني تضطلع “بدور استراتيجي في بناء مجتمع العمران الاخوي، فموقعها الاجتماعي بصفتها أما مؤمنة يلزمها العمل على تربية أطفالها نفسيا وعقليا ليتأهلوا في مهنة الاندماج الاجتماعي، ومهنة الإنتاج الاقتصادي”، وهذه المهمة المصيرية للمرأة حسب ذات الباحثة دائما “لا يعفيها من كسب الفضائل ومقاومة الرذائل، وامتلاك القوة الإيمانية الإرادية للترقي صعدا في معارج الكمال الروحي والكمال الخلقي والكمال الجهادي”؛ جهاد مختلف الأشكال، متنوع الوجوه، شاملا لكل مرافق الحياة، بناء الذات، ومشاركة في قيادة التغيير وصناعة المستقبل، ووعي بعظم المسؤولية لبناء الاسرة والأمة والإنسانية.
2- المداخلة الثانية: الفكر الإنساني عند الإمام عبد السلام ياسين بين مقصدي الحفظ والكمال
انطلق الدكتور محمد زاوي في مقدمة مداخلته من أن مشروع الإمام ياسين رحمه الله يقصد معنى الإنسان وعمقه، ومعاشه ومعاده، ودنياه وآخرته، حيث انطلق الإمام من مَشرب القرآن ونبع السنة باحثا عن حقيقة الإنسان ودوره المركزي في مهمة التجديد والإحياء. فالإمام ياسين حسب الباحث في الفكر الإسلامي ومشاريع التجديد ضمن حقيقة الإنسان في “وظيفته الاستخلافية التعبدية، لذا لزم حفظ كينونتها من عوامل الطمس والمسخ”، كما أنها في نظره “ليست رتبة واحدة، وإنما رتب متعددة تتسامى بالإنسان إلى أعلى عليين”، ليخلص أن “الفكر الإنساني عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى يتراوح بين مقصدين يؤطران مشروعه التجديدي: المقصد العدلي الاستخلافي، والمقصد الإحساني”.
وبغية تحقيق هذين المقصد حسب الزاوي ركز الإمام ياسين على حفظ ميثاق الفطرة بالتربية، وحفظ الكرامة الإنسانية بمختلف أبعادها الوجودية والمادية والروحية والمعرفية التي اعتبرها الإمام رحمه الله كنه رسالة الإسلام للعالم، والتي ترتب عنها تسخير الكون للإنسان، وتحريره ليسمو به إلى قيمة كونية؛ حرية قال عنها الإمام في كتاب الدعوة والدولة أنها “تزيل عن العقل أوهاقه، وعن الإرادة عبوديتها للمادة”، خاصة الأنانيات المستعلية والذهنيات الدعوية والعادات الجارفة بتعبير الإمام رحمه الله.
والإمام ياسين لم يكتفي بهذا الحد حسب الأستاذ الباحث بل صعد بالإنسان لبلوغ أفق كماله، لأن كمال الربوبية وكمال العبدية ، بحسبه، “صلة ونسب بعيدان موغلان في قديم الخلاّقية الأولى ـ ميثاق الفطرة ـ حين تجلى الرب سبحانه وتعالى على أرواح عبيده في ملكوت التجريد وسألهم: أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى”، بل إن الربوبية المطلقة لا تليق بها إلا عبودية مطلقة، وطلب الكمال خِصِّيصة إنسانية بامتياز تنعدم عند غيره، والإنسان الكامل، في نظره، هو الذي يسوق جميع لطائفه من قلب وعقل وروح إلى مقصوده الأساس وهو عبادة الله مع رغبة جامحة في الترقي من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، وفي هذا تفوق للإسلام على الحضارات المادية التي سادت الإنسان اليوم، فالإنسانية اليوم تنتظر روح الرحمة، وبالتالي اعتبر الإمام الإنسانية، بحسب ذات الباحث، أنها الرابطة الأم التي لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يتنكَّر لرَحِمِها بانصرافه عن مقتضيات التآخي والتراحم التي ينبغي أن تربط الإنسان بأخيه الإنسان.
3- المداخلة الثالثة: الإنسان في المشروع الفكري للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله
أوضح الدكتور محمد سلمي أن "محورية الإنسان" هي أبرز معالم المشروع الفكري للإمام عبد اسلام ياسين، وذلك في مداخلته اليوم في الجلسة العلمية الثانية، وقد خلص بذلك من استقرائه للإرث الذي خلفه الإمام رحمه الله كتابة وتأليفا، ودروسا وخطبا ومحاضرات، منذ بدايتها سنة1962 وعمره 34 سنة، إلى آخر ما صدر له من مكتوبات في آخر حياته وهي "جماعة المسلمين ورابطتها" سنة 2011، وعمره 83 سنة.
وأشار سلمي إلى أن الإمام يملك خيطا رابطا جامعا يوجه فكره وعقله وقلبه ووجدانه وسلوكه صوب الوجهة التي يقصدها، وخلاصتها ثلاثية تبرز هذه المحورية، أولاها "تذكير بالأصل والهوية"، وثانيها "تذكير بالدور والرسالة، وثالثها "تذكير بالمآل والمصير".
ولفت الباحث إلى أن هذه الثلاثية تحمل أجوبة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، مصدرها الوحي المبين لأصل الإنسان ومنشئه، وغاية وجوده المنزهة عن العبث، ومصيره الأخروي الذي لا مفر منه.
وفي معالجته لموضوعه وقف الدكتور سلمي على منهج "التخلية قبل التحلية" موضحا أن تأكيد أصل الإنسان وهويته، يستلزم مناقشة الفلسفات والأطروحات والنظريات المناقضة: من عبثية، ودروينية، ولا أدرية، ومادية، وماركسية، وليبرالية... وغيرها، ولابد من إزاحة غشاوة الانبهار، وعقد النقص، لدى المتلقي، خاصة الإنسان المسلم، والمؤمن المرشح للطليعة. كما أنه لا مناص من إزالة غبار التقليد البليد، عن الفطرة الأصلية النقية المؤمنة بربها، إيمانا قويا مبنيا عن علم وقناعة ووضوح رؤية، ودعم هذا الإيمان بتدين ميسر محبوب مطمئن، لا تعقيد فيه، ولا تشدد ولا تكلف ولا تصنع ولا تعصب ولا نفاق. مشيرا إلى قوله الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسير سورة العلق: "فإنه إذا تطهرت النفس أشرقت فيها أنوار الهداية فعُلمت منافعها وأكثرت من الإِقبال عليها".
كما وقف عند منهج "الاعتدال والاعتراف" حيث أشار إلى أن الإمام عبد السلام ياسين، تميز في مناقشة مخالفيه، ومناظرة الأفكار السائدة الرائجة على منهج معتدل معترف بما لدى الغير من فضائل ومحاسن. مستندا إلى قوله تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى.
فالإمام وفق ما ذهب إليه الباحث "يستهدف بمشروعه الإنسان، ويتودد لكل إنسان، لعله يستجيب. يعترف للغرب بنجاحاته ومزاياه، وينوه بمكامن القوة في الماركسية والشيوعية. يذكر الرموز والقيادات والزعامات بإنصاف وموضوعية، فيقول عن ماو تسي تونغ: "يبرز وجه قائد جديد هو ماو تسي تونغ. إنه آية جديدة من آيات الله، رجل يحمل شعلة ويوقد شرارا. نفخ في أمته الخانعة بالأمس الذليلة المزمن إعياؤها وعياؤها روح الكفاح فقامت وشمرت عن ساعد الجد."
وشدد سلمي في مداخلته على أن الإمام ينطلق في الخطاب مما يجمع ولا يفرق مهما كان التوجه الفكري والعقدي والسياسي والمذهبي للآخر، فيبحث عن المشترك مع الآخر ليخاطبه متوددا، "فهو أشبه بالبائع في مخاطبة الزبون. بضاعته مشروعه التربوي الفكري، الذي يريد إيصاله إلى العالم". وقد تعلم من أجل ذلك العديد من اللغات، لفهم أصحابها، وقراءة ما يخطون دون احتياج لوسائط الترجمة. بهدف الوصول إلى قلب الإنسان لاستمالته.
4- المداخلة الرابعة: البعد الإنساني في فكر الإمام عبد السلام ياسين تحرير المرأة نموذجا
انطلقت الدكتورة وفاء توفيق في مداخلتها من سؤالين محوريين، هل المرأة المسلمة حقا مسلوبة الحرية؟ وهل حقا تتنعم المرأة بكامل الحرية في الإيديولوجية الحداثية اللائيكية؟ وحاولت الإجابة عنهما من خلال الاطلاع على المفهوم التجديدي لقيمة حرية المرأة عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى.
اعتبرت توفيق في المحور الأول الذي رصدت فيه وضعية المرأة عبر التاريخ البشري، أن المرأة كانت وما زالت مستضعفة ومظلومة عبر تاريخ البشرية اللهم إلا من بعض الاستثناءات. حتى جاءت رسالة الله إلى الناس بدين الإسلام الذي يُعد تحرير الإنسان كل إنسان من كل أنواع العبوديات أعظم غايات نزوله، فتبوأت بذلك المرأة زمن الوحي المكانة الطبيعية التي تستحقها كإنسان، جنسه مكمل للجنس الثاني (الرجل)، وسرعان ما انحطت المرأة خلال مرحلة الملك العاض والجبري ورجعت القهقرى؛ فسلبت إرادتها وخمدت همتها وخرس صوتها وانحبس مجال حركتها.
ثم هجمت –تضيف المتحدثة- في هذا الواقع المستبد المنحط المهين، رياح التغريب والإباحية واللايكية، تدعي تهممها بالواقع المزري الذي ترزخ تحت وطأته المرأة، وتزعم عتقها من ربقة دين هي فيه كما مهملا وأداة ترفيه ومتعة، مقنعة المرأة أن المدخل الأوحد إلى ذلك هو التنكر للدين وأحكامه، والتمرد على المجتمع الذكوري الذي قهر المرأة المسلمة فعلا.
وفي حديثها عن حرية المرأة في الفكر المنهاجي كمحور ثان لمداخلتها، أقرت المتحدثة بأن الفكر المنهاجي عند الأستاذ ياسين يعتبر أن أول وأولى محدد لحرية المرأة (والرجل معا)، هو تحرير عقلها وقلبها وروحها لمعرفة خالقها وفهم معنى وجودها واليقين بالبعث والاستعداد للحياة الأخرى... فذاك هو أس كل الحريات ومجمعها، وما سواها تابع. وتلكم هي أصل الحريات وما عداها نابع منها أو مغذي لها... وبدون تحقيق وتحقق هذه الحرية الأصل، يكون الحديث عن حرية المرأة (والرجل معا) أبتر ناقصا. وإن اكتساب المؤمنة هذه الحرية الأصل سيحفزها لا محالة على استكمال نيل باقي حرياتها الفرعية التي سلبت منها عبر تاريخ بلائها ومظلوميتها.
وفي المحور الثالث الذي قدمت فيه مكملات حرية المرأة، قدمت رؤية الأستاذ ياسين الذي يرى أن استرجاع المرأة المسلمة حريتها الحقيقية والكاملة، واستردادها مكانتها الريادية التي مكنها منها الشارع الحكيم، لن يكون إلا بالوقوف على الأسباب الحقيقية والجوهرية التي كانت وراء انحدارها دركا دون درك، والتي يمكن اختزالها في معولين اثنين قاصمين لظهر الأمة ومعه بشكل أفظع ظهر المرأة، وهما الانكسار التاريخي والاستعمار الغربي. وبعد ذلك رصدت جملة من المظالم التي تجثم على صدر المسلمة، مقدمةً مقترحات ومداخل لاسترجاع المرأة حريتها المسلوبة.









