تأملات في آيات (7).. دعاة إلى آخر نفس

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى الآل والصحب ومن والاه. وبعد،
قال ربنا عز وجل: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)
في بيت النبوة وعلى عجل، يعقد سيدنا يعقوب عليه السلام مع بنيه اجتماعا عائليا طارئا حين وافاه الأجل.
إنه آخر اجتماع قبل أن ينتقل إلى جوار ربّه، اجتماع في غاية الأهمية.
دعاهم فاجتمعوا، وبالخبر اليقين فجعوا.
قد آن الأوان، وموعد الفراق حان.
إنا لله وإنا إليه راجعون، وكلّنا إلى ربنا منقلبون.
فلتصبروا ولتحتسبوا فكل من عليها هالك، ولن يبقى إلا وجه ربك الملك المالك.
لكن قبل أن شدّ الرحال، هناك أمر يشغل البال، ولن يرتاح نبي الله حتى يجيبه أولاده عن هذا السؤال؟:
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟.
كان لسيدنا يعقوب عليه السلام اثنا عشر ولدا.
لا شك حضروا جميعا ومعهم أزواجهم وذراريهم. فهذا لقاء الوداع، والكلّ سيحضره.
فاجتمع له جمّ غفير، وتحلّق حوله الكبير والصغير، والكلّ يبكي بدمع غزير.
إنه الشجرة المورقة المونقة التي كان يستظل تحت كنفها الجميع.
إنه الرجل المبارك الهادئ، والحضن الدافئ، ومقصدهم في كل طارئ.
الآن هو ذا على فراش الموت يودّعهم، وعن قضية هامة تشغله يسألهم:
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟
إنّه يود الاطمئنان على ملكه وتركته وإرثه وتراث آبائه وأجداده.
هذا الكنز الثمين الذي توارثه الآباء عن الأجداد، ما يفعل به الأولاد والأحفاد؟
أجيبوني: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟
فأجابوه وهو ينتظر على أحرّ من الجمر، وبصوت واحد يثلج الصدر. جوابا قضى في تعليمهم إياه كلّ العمر: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
قال الإمام القشيري رحمه الله تعالى: (لم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قدره، حيث سلموا له المزية، ورأوا أنفسهم ملحقين بمقامه، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طيّع له بقولهم وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
لا شكّ سعد سيدنا يعقوب عليه السلام وسرّ، كما سعد مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حينما أطل على أصحابه يوم موته وهم صفوف في صلاة الفجر، فعلم أن أمر الدين قد استقر.
ما كان من شيء أهمّ عند سيدنا يعقوب عليه السلام من هذا الأمر؟
أ ليس كلّ إناء ينضح بما فيه؟
أ ليس ينطق اللسان، إلا بما سكن الجنان؟
فإذا كان أهل الدنيا يُوصون عند الاحتضار بالدرهم والدينار، فأهل الله لا همّ لهم إلا الدعوة إلى العزيز الغفار، وتركها في أيدٍ أمينة تضمن لها الاستقرار والاستمرار والانتشار حتى تزول هذه الدار.
الآن، وبعدما سمع جوابهم، وعلم أن الأمانة لن تضيع وهي معهم.
فيا مرحبا بالموت مرحبا.
ومات سيدنا يعقوب عليه السلام. وبقيت الأمانة في أمان وسلام.
فسلام عليه في الأولين، وسلام عليه في الآخرين، وسلام عليه إلى يوم الدين.
وصلى الله وسلّم على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.







