حديث دستور المحبة

Cover Image for حديث دستور المحبة
نشر بتاريخ

اختلف المحدثون في أسباب تعدد روايات الحديث الواحد بصيغ متفاوتة إما بالزيادة أو النقصان، وردوه إلى أسباب شتى من قبيل تنوع السياقات وتكرر أسئلة الصحابة واختلاف طرق الرواة وتفاوتهم في الحفظ، وتبقى الفوائد المرجوة من هذا التعدد التأكيد على المعنى المقصود تجليته، ثم تناول فقه الحديث من وجوه متعددة، ومن ثم بيان مرونة الشريعة لتلبية الاحتياجات باختلاف الأحوال والأزمنة.

لقد أفرد علماء الحديث وحراسه رحمهم الله علوما خاصة بهذا الشأن من أمثال كتب العلل والأطراف والجوامع، وسيرا على نهجهم، رمت إلى بعض الأحاديث، خاصة أحاديث فضائل الأعمال والتي لا تنبني عليها أحكام عقدية ولا فقهية، والتي اشتهرت على ألسن الناس وتداولوها في منتدياتهم، بحيث يستشهدون بطرف من متنها أو بطريق واحد من طرقها، فسقتها في سياق حديث واحد، دون إخلال في صلب المتن ومقصد الحديث، وأدرجت فيها زيادات مكملة من طرق أخرى، فمنها الصحيح والحسن و ما قاربهما دون الضعيف ما أمكن بله الموضوع.

أول هذه الأحاديث حديث المتحابين في الله، فعنْ أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قالَ: دخَلْتُ مسجِدَ حِمْصٍ فجَلَسْتُ في حَلْقةٍ، كُلُّهم يُحدِّثُ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ، نحوٌ مِن عشرين وفي رواية ثلاثينَ وفي رواية اثنانِ وثلاثونَ كَهلًا مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ، وفيهم فتًى شابٌّ، أكحلُ العَينَينِ، بَرّاقُ الثَّنايا، حسَنُ الوَجْهِ، حسَنُ السِّنِّ، أدعَجُ العَيْنَينِ، ساكتٌ، إذا تكَلَّمَ أَنصَتَ القَوْمُ، وإذا حدَّثَ رَجُلًا منهُم أنصَتَ له القَومُ، إذا امتَرى القَومُ في شيءٍ أقبَلوا عليه فسَأَلوه، فتَفَرَّقوا ولم أعْلَم مَن ذلِكَ الفَتى، فقُلتُ لجَليسٍ لي: مَن هذا؟ قال: هذا مُعاذُ بنُ جَبلٍ، فوَقَعَ له في نَفْسي حُبٌّ، فلمّا كانَ مِن الغَدِ جئتُ، ثُمَّ هَجَّرتُ إلى المسجدِ، فإذا هُو يُصلِّي عندَ ساريةٍ، فحَذَفَ صَلاتَه، ثُمَّ احتَبى فسَكَتَ، ثُمَّ جَلَستُ فاحتَبَيتُ برِدائي، ثُمَّ جَلَسَ فسَكَتَ لا يُكلِّمُني، وسَكَتُّ لا أُكلِّمُه، ثُمَّ قُلتُ: واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، قال: فيمَ تُحِبُّني؟ قال: قُلتُ: في اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، (في رواية إنِّي لَأُحِبُّكَ مِن جَلالِ اللهِ)، فقال: آللهِ، فقُلْتُ: آللهِ، فأخَذَ بحُبوَتي فجَرَّني إليه هُنيَّةً، ثُمَّ قال: أبشِرْ إنْ كنتَ صادقًا؛ فقال: فإنَّ المتحابِّينَ في اللهِ -قالَ: أحسَبُ أنَّه قالَ- في ظِلِّ اللهِ يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه ، لهم مَنابرُ مِن نورٍ يَغبِطُهم النَّبيُّونَ والشُّهَداءُ، يُوضَعُ لهم كَراسِيُّ مِن نورٍ، يَغْبِطُهُم بمَجلِسِهم مِن الرَّبِّ تباركَ وتَعالى النَّبيُّونَ والصِّدِّيقونَ والشُّهداءُ.

قالَ: مَرَّ رجلٌ، فقُمْتُ إليهِ فقلْتُ: إنَّ هذا حدَّثَني بحَديثِ رسولِ اللهِ ﷺ، فهَلْ سَمِعْتَهُ؟ يعني مُعاذًا، قالَ: ما كانَ يُحدِّثُكَ إلّا حَقًّا، فأخبَرْتُه، فقالَ: قدْ سَمِعْتُ هذا مِن رسولِ اللهِ ﷺ، وما هو أفضَلُ منْه. قلْتُ: إي، رَحِمَكَ اللهُ، وما هو أفضَلُ منْه؟ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَأثُرُ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ: حقَّتْ مَحبَّتي للمُتحابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتَواصِلينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتي للمُتَزاوِرينَ فِيَّ، (وحَقَّتْ مَحَبَّتي للمُتباذِلينَ فِيَّ)، (وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتَصادِقِينَ فيَّ)، (وحَقَّتْ مَحَبَّتِي للمُتواصِلينَ فِيَّ)، (ووَجَبَتْ مَحَبَّتي للَّذين يَتَلاقَونَ فيَّ)، (وحَقَّتْ مَحبَّتي للذين يَتناصَرونَ مِن أجْلي)، ولا أدْري بأيَّتِهِما بدَأَ.

قُلْتُ: مَن أنتَ رَحِمَكَ اللهُ؟ قالَ: أنا عُبادةُ بنُ الصّامتِ.

فقه الحديث:

هذا الحديث الجليل هو بمثابة دستور الوفاق والوئام بل هو برنامج للصحبة والتحاب في الله، فلا غنى لنا اليوم في عالمنا المشوب بأخلاق الفردانية والأنانية المقيتة عن التزام مقتضياته أفرادا وجماعات، وعن التجالس والتلاقي والتزاور والتواصل والتعارف والتناصر والتباذل في الله، فلا شك أنه يزيد في آصرة الأخوة الإيمانية والرابطة الإنسانية، قد يكون التحاب فاتِراً في البداية، فيسخنه التجالس، ويمَشّي عراه التزاور، ويقوي أواصره التباذل، وتزينه الهدية، وينظم عقده الدعاء في ظهر الغيب.