من الأحاديث التي سار طرف منها على ألسنة الناس حديث؛ “أحب مرافقتك في الجنة”، ولقد ورد بزيادات طريفة يحسن معرفتها، فهو أحرى أن يزيدنا محبة لراويها سيدنا ربيعة الأسلمي، وتشوقا لخدمة رسول الله عليه السلام، فلا غرو أن خدمة رسول الله عليه السلام قربة من القربات التي لا ولن تنقطع إلى يوم القيامة، إحياءً لسنته وتعريفاً برسالته في الآفاق، ونصرة وتهمماً لأمته صلى الله عليه وسلم.
فعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال كُنتُ أخدُمُ رَسولَ اللهِ ﷺ وأقومُ له في حَوائِجِه نَهاري أجمَع، حتى يُصلِّيَ رَسولُ اللهِ ﷺ العِشاءَ الآخِرةَ، فأجلِسَ ببابِه إذا دَخَلَ بَيتَه، أقولُ: لَعَلَّها أنْ تَحدُثَ لِرسولِ اللهِ ﷺ حاجةٌ؛ فما أزالُ أسمَعُه يَقولُ رَسول اللهِ ﷺ: سُبحانَ اللهِ، سُبحانَ اللهِ، سُبحانَ اللهِ وبَحمْدِه، حتى أمَلَّ فأرجِعَ، أو تَغلِبَني عَيني، فأرقُدَ، قال: فقال لي يَومًا -لِما يَرى مِن خِفَّتي وخِدمَتي إيّاه-: (فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحاجَتِهِ) سَلْني يا رَبيعةُ أُعطِكَ. قال: فقُلتُ: دَعْني حَتّى أُصبِحَ فأستَخيرَ اللهَ وأنظُرُ في أمْري يا رَسولَ اللهِ، ثم أُعلِمُكَ ذلك. قال: ففَكَّرتُ في نَفْسي، فعَرَفتُ أنَّ الدُّنيا مُنقَطِعةٌ زائِلةٌ، وأنَّ لي فيها رِزقًا سَيَكفيني ويأتيني، قال: فقُلتُ: أسألُ رَسولَ اللهِ ﷺ لِآخِرَتي؛ فإنَّه مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بالمَنزِلِ الذي هو به، قال: فجِئتُ، فقال: ما فَعَلتَ يا رَبيعةُ؟ قال: فقُلتُ: نَعَمْ يا رَسولَ اللهِ، مُرافقتَك في الجنَّةِ ، (أسألُكَ أنْ تَشفَعَ لي إلى رَبِّكَ فيُعتِقَني مِنَ النارِ)، (ادعُ اللَّهَ أن يجعلَني من أَهلِ شفاعتِكَ يجعَلَني معكَ يومَ القيامةِ). قالَ: أوْ غيرَ ذلكَ قُلتُ: هو ذاكَ. يا رسول الله هى حاجتى. قال: فقال: من علمكَ (أو أمركَ أو دلكَ) بهذا يا رَبيعةُ؟ قال: ربِّي، لا واللهِ الذي بَعَثَكَ بالحَقِّ، ما أمَرَني به أحَدٌ، ولكنَّكَ لَمّا قُلتَ: سَلْني أُعطِكَ، وكُنتَ مِنَ اللهِ بالمَنزِلِ الذي أنتَ به، نَظَرتُ في أمْري وعَرَفتُ أنَّ الدُّنيا مُنقَطِعةٌ وزائِلةٌ، وأنَّ لي فيها رِزقًا سيأتيني، فقُلتُ: أسألُ رَسولَ اللهِ ﷺ لِآخِرَتي. قال: (فصَمَتَ رَسولُ اللهِ ﷺ طَويلًا)، فرفَع رأسَه فتنفَّس وقال نَعَمْ إنِّي فاعِلٌ، فأعِنِّي على نَفْسِكَ بكَثرةِ السُّجودِ.
فقه الحديث
1. مكانة خدمة النبي عليه وسلم في حياته وبعد مماته.
2. مكافأة رسول الله كل من أسدل له معروفا، وكل المعروف منه عليه السلام، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم “ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة 1“، وهذا كان هديه الدائم-صلى اللَّه عليه وسلم- مع من يخدمه، حيث كان صلى اللَّه عليه وسلم مما يقول للخادم: “ألك حاجة؟ 2.
3. فضل الصلاة فرضا ونفلاً، وأن الإكثار منها سبب لعلوّ الدرجات، بل لمرافقة الأنبياء في جنات الخلد.
[2] مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421 هـ – 2001 م، مسند المكيين ،حديث خادم النبي صلى الله عليه وسلم.