خبراء في الاقتصاد يتدارسون وضع التنمية في المغرب ويطرحون مداخل للإصلاح

تناولت الجلسة الثالثة من ندوة "المغرب وسؤال المشروع المجتمعي"، صباح اليوم الأحد 7 جمادى الأولى 1443 / 12 دجنبر، سؤال التنمية. وأطرها الدكاترة: فؤاد عبد المومني، عمر الكتاني، نجيب أقصبي، محمد بن مسعود، وسيرها الدكتور هشام عطوش.
في محور أول حصص لمناقشة مقاربة مفهوم التنمية بالمغرب على ضوء بعض التجارب، شبّه الخبير الاقتصادي عمر الكتاني التنمية بالإنسان الذي يريد أن يسرع في عالم المنافسة والتحدي، لا بد له من رِجلين، وكذلك التنمية لابد لها من رجلين؛ واحدة اقتصادية والأخرى اجتماعية؛ الرجل الاقتصادية تمكن من التحكم في موارد الكم والمادة، وتحقيق تراكم فيها طريق التقنية والعلوم. وعن طريق المردودية الاقتصادية، التي لا ينبغي أن تغفل المردودية الاجتماعية، والتي يجب أن تستثمر في الإنسان من خلال تمكينه من الشعور بالأمن كي تكون مردوديته عالية ومثمرة.
وبالنسبة للمغرب، يرى الكتاني أنه حقق جزءا من التنمية الاقتصادية لكنها لم تنعكس على التنمية الاجتماعية، بل تحققت على حساب التنمية الاجتماعية، وعلى تهميش جزء كبير من المجتمع المغربي مقابل تركيز ثروة البلد في يد نخبة معينة.
نفس الفكرة ذهب إليها فؤاد عبد المومني، وهي عدم انعكاس المخططات الاقتصادية للدولة على المجتمع المغربي خاصة على الجيلين الأخيرين، وهو ما عده الأضعف مقارنة ببلدان انطلقت من نفس الموقع، وبالنظر أيضا لمقدرات البلد، ولانتظارات المواطنين، ولعدم مواكبة التطور الذي أصبح يعرفه المجتمع المغربي.
وأكد عبد المومني أيضا فكرة تغييب الاستثمار في الإنسان مقابل الغلو في استثمارات أخرى، منها: الاستثمار العسكري، والاستثمار الباذخ في مجالات ليست ذات أولوية مثل الاستثمار في الطاقات المتجددة، والاستثمار في شراء النخب لضمان ولائها للنظام.. والنتيجة، وِفقه، واقع اجتماعي مرير؛ حيث 10/9 من الساكنة النشيطة بالمغرب خارج الشغل اللائق المنتج للثروة.
الدكتور نجيب أقصبي أكد احتياج التنمية أيضا لعقل مدبر هو العقل السياسي، والذي بدوره ليس سوى النظام السياسي المنتج لقرارات التنمية.
وأورد أقصبي في مداخلته أرقاما تبرز تعثر عجلة التنمية بالمغرب، والتي أرجعها إلى الاختيارات السياسية التي جعلت البلد منذ 70 عاما يدور في حلقة مفرغة، فكانت نتائجها تنامي اقتصاد الريع واعتماد الاقتصاد الوطني على الواردات والمديونية.
وأضاف بنمسعود بعدا آخر ضروريا للتنمية، وغائبا في الحالة المغربية، وهو الإرادة، فغيابها جعل التنمية مستعصية منذ 50 سنة. ودعا إلى عدم التعامل مع الإنسان كمنتج ومستهلك فقط، واختزاله في أرقام ومؤشرات، مما يجعل التنمية بهذا المعنى نقمة على الإنسان والكون.
وكشف الكتاني في محور ثان، أن أكثر من 60 في المائة من سكان المغرب اليوم هم في وضعية هشاشة، وأن الطبقة الوسطى تتعرض للتقليل من نسبتها، ومعلوم أن هناك علاقة بين النمو والتنمية من جانب، وتوسيع الطبقة الوسطى من جانب آخر؛ إذ هي السوق الداخلية، يقول الباحث في اقتصاد التنمية والاقتصاد الإسلامي، ويضيف: "والسوق الداخلية هي صاحبة الطلب للمقاولات للرفع من استثماراتها والرفع من الإنتاج ومعها التشغيل".
وقدم أقصبي قراءة في بعض الأرقام التي وردت في تقارير رسمية للمجلس الاجتماعي والاقتصادي، مبرزا أن "الفوارق بين الـ10 من أعلى السلم، والـ10 من أسفله؛ تصل إلى 17 مرة في الدخل الشمولي فقط، أما إذا دققنا في التفاصيل والأصناف، مثل الأجور والدخل الفلاحي والدخل المختلط، فإننا نجد فوارق أكثر، تصل إلى 38 مرة”.
الدكتور بنمسعود لفت إلى كون الدول التي حققت قفزة في التنمية بدأت بالاستثمار السخي في إصلاح المنظومة التربوية التعليمية، مثل سنغافورة واليابان، وهذه الدول تنظر إلى الإنسان ليس بمعيار الكم ولكن بمعيار الكيف، فلو كان فردا واحدا فإنها توفر له حاجياته وتنظر إليه على أنه شخص مهم في المستقبل، مع تقدير كل المواطنين، يضيف بنمسعود، في حين بقيت المنظومة التعليمية في المغرب تدور في دوامة الإصلاح وإصلاح الإصلاح، فكانت الحصيلة ارتفاع نسبة الأمية، وتزايد معضلة الاكتظاظ، وتفشي المخدرات في الأوساط المدرسية..
وأكد بنمسعود، بعد حديث مستفيض عن حالة التعليم في المغرب، على أهمية إصلاح المدرسة والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي الذي يقع في عمق مشروع البناء التنموي.
وفي إطار التكامل الذي عرفته الجلسة، تحدث عبد المومني عن ضرورة الانفتاح على بقية دول العالم، وهو ما اعتبره مسألة مهمة جدا، والتنويع يعني أن ما سأنتجه أو أستورده، بقدر تنويعه، سأتحكم في التنافس مع المخاطبين المفترضين لي. وفصل في مسألة أن تكون هذه العلاقات محسوبة، مشيرا إلى أن اتفاقيات التبادل الحر التي ارتبط بها المغرب فيها العديد من القضايا المجحفة، وتحتاج إلى تقييم سديد، ومراجعة أحيانا، دون الانطلاق إلى الادعاء بأننا سنغلق على أنفسنا.
وتناول الأستاذ الكتاني جانبا آخر للتنمية الاجتماعية بالمغرب، ويخص الأمر العلاقة بين القرية والمدينة، حيث تؤدي الهجرة المكثفة من القرى نحو المدن (في الموسم الذي يعرف تساقطات يهاجر 60 ألف، وفي السنوات العجاف يهاجر 120 ألف) إلى تفاقم الفقر والبطالة والأمية، فيستهلكون ولا ينتجون. وهو ما أهمل النمودج التنموي التطرق إليه.
وللحد من الظاهرة اقترح الكتاني بناء مدن جديدة في المغرب، وهذه المدن يجب أن تكون في المناطق القروية، لأن الفرق بين البادية والمدينة هو المضاعف التشغيلي.. ولو أننا أنشأنا خمسة من هذه المدن الجديدة فإن المضاعف التشغيلي سيصبح كبيرا جدا، لأن المدينة توفر المئات من فرص الشغل، لكن هناك حاجة إلى التكوين، لأن الأمر لا يتم بين عشية وضحاها، كما لا ينبغي لأصحاب المدن أن يشغلوا المناصب في تلك المدن الجديدة، لكي لا نعيد إنتاج المشكل، يؤكد المتحدث.
وإذا حصل ذلك، يزيد الكتاني، فإن القرى ستتحول إلى مدن. مقترحا لنجاح الأمر أن ترصد له الدولة دعما، ويشارك فيه أصحاب المنطقة تطوعيا. ويحتاج كل ذلك إلى تخطيط بشكل نموذجي وبشكل ايكولوجي مع المحافظة على البيئة والمحافظة على التراث. وقد تمثلت هذه الفكرة على أرض الواقع من خلال مدينة سطات التي كانت قرية وحولها الوزير السابق إدريس البصري إلى مدينة، وكذلك كانت مدينة برشيد.







