خير نساء العالمين 7: سند وعضد

الحمد لله ذي الملك والملكوت، الحمد لله ذي العزة والجبروت، أشهد أن لا إله إلا هو سبحانه يحيي و يميت و هو حي لا يموت، و أشهد ان سيدنا و حبيبنا محمدا عبده و رسوله جميل الصفات كامل النعوت، اللهم صل عليه و على آله و صحبه ما دام الملك و الملكوت.
أما بعد
فيقول المولى عز وجل: إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم، أمرا من عندنا، إنا كنا مرسلين، رحمة من ربك، إنه هو السميع العليم.
أحباءنا الكرام:
بعد زواج رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة رضي الله عنها، وبعد مرور العام أو بضعه ولد له ابنه الأول القاسم، وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم. لكن القاسم لم يعش طويلا، فلم تمض إلا سنتان حتى لحق بالرفيق الأعلى، تاركا ألما كبيرا في قلب الأبوين.
بعده ستأتي السيدة زينب عليها السلام، كبرى بنات السيدة الطاهرة رضي الله عنها، ثم بعدها رقية ثم أم كلثوم عليهما السلام، ولما بلغت أمنا خديجة خمسون سنة ولدت لها خاتمة العقد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
سيولد للسيدة خديجة رضي الله عنها بعد ذلك مولود ذكر ثان (في سنّ الخامسة و الخمسين) سموه عبد الله وكان يكنى الطاهر والطيب، لكنه هو الآخر أخذته المنية قبل أن يكمل عامه الأول، لتعيش السيدة الطاهرة رضي الله عنها ألم فراق فلذة الكبد مرتين.
تمر خمسة عشر سنة، ورغم هذه الآلام، كانت السيدة خديجة تعيش مع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، في حب ووئام، وهناء وإكرام، وتقدير واحترام.
لكن بعد 15 سنة، فجأة يتغير حال الصادق الأمين، وأصبح يحب إلى العزلة، ويريد الخلوة، كان يخلو عليه الصلاة والسلام في غار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، متعبدا متفكرا متحنثا متدبرا، كان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى غار حراء فيمكث فيه ليالي ثم يعود إلى بيته وإلى أمنا خديجة فيمكث معهم ليلة أو ليلتين ثم يستعد لخلوة أخرى.
دام هذا الحال قرابة الستة أشهر، والسيدة خديجة رضي الله عنها صابرة، لا تشتكي من هذا التغير المفاجئ، ولا تتذمر من هذا الهجران الطارئ، بل على العكس من ذلك كانت لزوجها سندا وعضدا.
كانت رضي الله عنها هي من تجمع زاده وهي من تطبخ طعامه، ولعلها ترسل خلفه من غلمانها من يحرسه في خلوته دون أن يفسدها عليه.
حتى كانت الليلة المباركة في الشهر الميمون، حينما أتى سيدنا جبريل عليه السلام، والتقى أمين الأرض بأمين السماء، وحل السعد والهناء، أتاه الملك وهو في غار حراء يتعبد ويتدبر ويتفكر، فقال له سيدنا جبريل: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثمّ أرسله وقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطّه الثانية حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله، وقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطه ثم أرسله، وقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وتركه سيدنا جبريل عليه السلام يرتجف فؤاده من الفزع، فلما سري عنه جرى مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى بيته هرع، ما تحمله قدماه من شدة الهلع. حتى دخل على السيدة خديجة رضي الله عنها فقال زملوني زملوني.
ضمته إلى صدرها وأدفأته في حضنها، وأفاضت عليه من عطفها وحنانها، وأدخلته غرفة نومها، ثم دثرته كما أمر، وما سألته عن الخبر.
لما ذهب عنه الروع نادى على حبيبة قلبه، وكاتمة سرّه، وأم أولاده، وقال لها: يا خديجة لقد خشيت على نفسي.
فماذا فعلت السيدة الطاهرة رضي الله عنها؟
أتراها تستغل الموقف وتؤنبه على العزلة والخلوة والهجران؟
أم تراها تقول له: أنت الذي جنيت على نفسك وجلبت الشيطان؟
هذا ما سنعرفه إن شاء الله تعالى في الحلقة المقبلة وصلى الله وسلم على سيدنا محمد و آله وصحبه وحزبه.
https://www.facebook.com/ChahedTv/videos/2570263099966211/








