ذة. البوكيلي ترصد عقبات بناء الأسرة وتقترح آليات للنهوض بها

بنت الأستاذة تورية البوكيلي، الباحثة في قضايا الأسرة والطفل، عرضها الموسوم بـ”الأسرة في عالم متغيّر: التحديات ومتطلّبات التحصين”، على مجموعة من الأسئلة هي:
1. أي بناء نريده للأسرة في عالم متغير؟
2. ماهي العقبات التي تحول دون تحقيق هذا البناء؟
3. ماهي متطلبات النهوض بالأسرة وكيف يمكن تطبيقها؟
جوابا على السؤال الأول، قالت البوكيلي “المطلوب هو بناء أسرة متماسكة باعتبارها وحدة أساسية من وحدات العمران، تتناغم مع مثيلاتها من أجل الغاية الكبرى وهي حفظ وحدة الأمة ومقصد وجودها”. وهو ما يقتضي استحضار أبعاد هذا البناء؛ المتجلية في البعد التعبدي ربطا للأسرة بالغايات التي خلق من أجلها الإنسان (العبادة)، والبعد الوظيفي المتجلي في ربط نظام الأسرة بالأمانة التي أوكلت للإنسان ليتحملها (الإعمار)، والبعد التغييري المتمثل في ربط وظيفة الأسرة بالمقاصد الاستخلافية التي انتدب الله الإنسان لتحقيقها.
البوكيلي التي كانت تتحدث خلال ندوة “مؤسسة الأسرة والتماسك الاجتماعي: التحديات والرهانات” التي نظمتها جماعة العدل والإحسان في فعاليات اليوم الثاني، صباح اليوم الأحد 17 دجنبر 2023، بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، أوضحت أن بناء الأسرة يستدعي أيضا تكامل الوظائف الأسرية التي أناطها التشريع الإسلامي بمؤسسة الأسرة؛ فكلف الله تعالى النساء بمهمة الحافظية كما كلف الرجال بواجب القوامة. وربط قوامة الرجل بالمسؤولية أمام الله، بما هي تكليف يوجب عليه رعاية الأسرة وإعالتها، وربط الدرجة أيضا بالمسؤولية بما هي تثقيل لميزان الرجل وتخفيف من أعباء المرأة.
أما مفهوم الحافظية عند النساء، فقد ربطها التشريع الإسلامي أيضا بمقصد العبودية لله تعالى، وبمقاصد الشريعة الضرورية حفظا للجنس البشري وتدبيرا لضرورات المعاش اليومي، وبالولاية العامة حفاظا على الدين وحملا للرسالة وإسنادا للدعوة.
الضرورة الثالثة التي يحتاجها هذا البناء، تضيف البوكيلي؛ هي صناعة الولد الصالح، وهي رهينة باستيعاب الوالدين لشروط هذه الصناعة؛ أولها رعاية الفطرة عبر حفظها بغرس الولاء لله ورسوله في نفوس الأطفال، وإحيائها بإعادة تأهيل الطفل وإحياء بذور الإيمان في قلبه، وحوطها بالاعتناء بوسائط المحيط التربوي للطفل. وثانيها صناعةُ الكثرة النوعية وهو ما يحتاج إلى عمل مستمر مترابط لجميع الوسائط التربوية التي لها علاقة بالطفل.
في المحور الثاني الذي خصصته الباحثة في شؤون الأسرة والطفل لبسط العقبات التي تحول دون تحقيق هذا البناء؛ تحدثت عن مجموعة من ملامح الضعف الذي طال الأسرة المسلمة، منها:
- هشاشة العلاقة الزوجية، من خلال ضرب الأساس الديني لهذه العلاقة، ومن صوره العنـف النفسي والمـادي وانتـشار ظـاهرة الجفاء العاطفي والطلاق الصامت، وغيرها من الظواهر التي تهدد استقرار الأسرة.
- إضعاف الوظيفة التربوية للأسرة، حيث أفرزت المتغيرات المعاصرة العديد مـــن الصــعوبات في مجال إعداد الناشئة، أهمها اتساع الهوة بين الوالدين والأبناء. ضعف ساهم فيه بشكل كبير الغزو الثقافي والتدفق الإعلامي الذي يسعى لطمس العقيدة الإسلامية، من خلال: الترويج للنظريـات الإلحاديـة، والسعي إلى محو أحكام الشريعة الإسلامية من عقل الأمة، وفــرض الحصـــار حـــول التعليم الديني، وترسيخ مبدأ الحرية المطلقة.
الأسلوب الثاني، وفق مداخلة البوكيلي، هو تفكيك بنية الأسرة، من خلال: الاعتراف بأشكال متعددة للأسرة غیر القائمة على الزواج الشرعي، وتفريغ الأمومة من معانيها الرفيعة والانشغال باستقلال المرأة الاقتصادي، والتساوي المطلـق بـین الرجـل والمـرأة.
في مواجهة هاته التحديات عرضت البوكيلي العمل على مسارين: مسار حماية الأسرة من الهجمة الشرسة التي تستهدف استئصالها من الجذور، ومسار إصلاح البيت من الداخل، من خلال رصد الأسباب الحقيقية للتفكك الأسري ووضع حلول عملية لعلاجه.
ولبلوغ هذا الهدف اقترحت: ضرورة استحضار الاعتبارات المنهجية في الخطط الهادفة إلى النهوض بالأسرة؛ انطلاقا من المرجعية الإسلامية، واستحضارا للمفهوم البنائي للأسرة من حيث هي عمران، وتحولا من النظرة الجزئية إلى النظرة الكلية التي تقتضي إصلاح الأعطاب التي تعرفها الأمة الإسلامية، ثم تقعيدا للعمل المشترك المنظم الذي يعد من الوسائل الضرورية لوضع خطط إجرائية للمساهمة في عملية التغيير المرتقبة.
وعدّت البوكيلي هذه الاعتبارات المنهجية ضرورية لتحديد الآليات المناسبة للنهوض بالأسرة المسلمة، سواء الآليات التخطيطية منها أو الإجرائية.
الآليات التخطيطية تتقاسمها مجموعة من المؤسسات؛ حكومات الدول الإسلامية ومنها المغرب، المنوط بها بناء سياسات اجتماعية لرعاية الأسرة، والعمل على التحول من فلسفة الرعاية وتقديم المعونات إلى فلسفة البناء القائمة على الالتزام التام وعلى توظيف جميع الإمكانات والموارد في برامج هذا البناء. ثم المجتمع المدني بحكم أن منظماته هي الأكثر اطلاعا على المشاكل التي تعاني منها الأسر. ثم الدعاة والعلماء بنشر الوعي الصحيح حول الأسرة وبيان نظام الشريعة الإسلامية في بنائها وطرح وسائلها الفعالة لعلاج قضاياها. ثم المنظومة التعليمية، بمـراجعة المــناهج التعليمــية والتربويـة وتأهيل المعلم وتهيئة البيئة. ثم المؤسسات الإعلامية بوضع برامج إعلامية شاملة لصون الهوية الإسلامية والحفاظ على خصوصيتها الثقافية.
أما الآليات الإجرائية، فتقصد، وفق مقترح البوكيلي، السعي إلى تعميق الوعيِ الأسري، وهو ما يتطلب إطلاقا لدافعية الأسرة للنهوض بواقعها، وفق آليات التأهيل الأسري؛ عبر تقديم منهج تأهيلي تدريبي يشمل برامج وقائية مصممة لتحقيق أهدافه. والوساطة الأسرية؛ التي تهدف إلى تدبير الخلاف بأسلوب علمي وعملي ينظر إلى المشاكل من جميع زواياها الشرعية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية. والاحتضان الفعلي للأطفال؛ الذي يستلزم خططا وبرامجا، تتبنى نهجا شموليا في احتضانهم يتأسس عبر مسار تشاركي يجمع كل الوسائط التربوية في خيط ناظم وموزون، ويقتضي مراعاة حاجيات الطفل المتنوعة والمترابطة، تنعكس في خدمات مرنة ومتكاملة.
وختمت البوكيلي مداخلتها بالتأكيد على وجوب الانطلاق من أصول شريعتنا السمحاء في طرح مشروع تغييري على جميع المستويات؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. معتبرة أن قضايا الرجل والمرأة والشباب والطفل هي في حقيقتها قضية واحدة، تتطلب تمكين جميع أفراد الأسرة من أدوارهم.





