من كتاب "تنوير المؤمنات" | عصر الهوائيات

التلفزيون نشتري آلتها الإلكترونية بدم الحياة وعرق الجبين، وتنهمر علينا بما يشبه المجّان مسلسلاته ودعايته وإشهاره من مَيازيب السطوح. خطفت الثقافة المرئية المسموعة المهرجة الخليعة المتلصصة من الأم أبناءها وبناتها. بل خطفتها نفسها وأخذت أفراد الأسرة رهائن في انتظار ملهوف للحلقة التالية. الأسرة تنتظر مصير البطل والبطلة الذي عُلِّق في الحلقة الأخيرة على عقدة مأساوية تتجدد في حلقات الخيال الماجن السخيف. تجلس الأسرة لمشاهدة ما كان منكرا يخدش الحياء ويجرح المروءة بعد أن وطَّأَته العادة واستألفه التكرار فأصبح أمرا عاديا. انتهك برقُع الحياء وأصبح ما كانت تنفِر منه الفطرة ويمجه الذوق ويضج منه الدين أمرا أليفا مألوفا.
الخلاعة والزنى واللعب بالأعراض فن أوربي ترعرع في أحضان الأدب الأوربي منذ قرون. في تاريخ انحطاطنا خلاعة مؤدبة شعرية تجد نموذجها في مثل كتاب الأغاني وجواريه ومجالس شرابه. لكن الخلاعة الأوربية شيء آخر، إن أضفت إلى أصالته وعراقته فَجاجة الأسلوب الأمريكي وواقعيته وتقنياته حصل لك ما تراه وتسمعه سائدا في العالم مبثوثا محترما.
أُتَرجم من دائرة المعارف الفرنسية «أُنيفرساليس» ما يلي: «الخلاعة إحدى التقاليد الأكثر رسوخا، إحدى السِّمات المستمرة -لا سيما في فرنسا. في الأدب- (...) روح الخلاعة في الحقيقة نظام مؤسس على الثلب والريبة والبذاءة، وعلى السخرية بالأفعال الجمالية والشؤون الخاصة بها: الفاحشة، والحياة الجنسية، والحب.
«ينبغي الانتباه. فالسخرية موجهة دائما إلى الأضعف وهو المرأة. يُسْلِم روح الخلاعة المرأة أحطَّ مرتبة ليستولي عليها، أو لتُشترى، أو لِتؤخذ مجانا.
«روح الخلاعة هو الذي يطلق على المرأة لقب «صاحبة» أو «إِوزة بيضاء» أو «أرملة مرحة» (...). وتحت هذه الإنارة تصير المرأة حيوانا نصف داجن ونصف متوحش يملك قدرات شيطانية». انتهى المقصود من كلامه.
نمسك لنتأمل فيمن حولنا وفي أنفسنا من الأثر البليغ للتزييف الإشهاري والتمييع الخلاعي وبؤس الدمية المرأة الحيوان الداجن المتوحش. تزييف وتخليع يلوث بالكذب السوقي عقل الإنسان، وبالخلاعة الدوابية قلبه، ويشكل أشواق نفسه وهواجس عاطفته ومرامي حاجته ويسرق من جيبه كما يسرق من وقته ومادة حياته ومن ذريته. عُمْرك يا هذا ما فعلت به؟ فغَرتَ فاك الأعوام الطويلة أمام نافذة الشيطان يغدو عليك ويروح بتحفه الخيالية الزائفة.
إنه هجوم على روح الإنسان بقوة تفجيرية تشتيتية. الأسرة تشتت، فالأم مربية الأجيال وصانعة المستقبل لم تعد تجلس إلى ذريتها، والأب مشغول في تتبع طوفان الأخبار وكأن على الإنسان العصري أن يَطرقَ أذنه خبر كل طائرة سقطت، وكل نأْمةٍ سُمِعت، وكل سخافة ضخمها الإعلام فأصبحت قضية، وكل نزاع عقدته الدبلوماسية السيطرية فطنّ به طنين الدعاية المخابراتية، فأصبح شأنا يهدد أمن الكرة الأرضية.
حتى الجدة تأقلمت مع بيئة الإعلام الملوِّث، فهي مشدوهة بما ترى وما تسمع، تساير عالم التواصل وإثارته وتهييجه وهي على أبواب القبر.
كل هذا يصب في التيار الجاهلي ويجرف إليه: الغفلة عن الله عز وجل، وعن المصير الأخروي. التيار الجاهلي تبذير ولهو ولعب وزينة وتكاثر يرقص على نغمة التجويع الاستهلاكي الذي يَنْخسك في غرائزك لتشتريَ ثم تشتري. ويضمك بين ذراعي الخلاعة والإشهار لتغرق في لجة الحياة الدنيا.
ليس باستطاعة المسلمين أن ينافسوا العالم في صناعة الآلة الإلكترونية والعلوم عنهم نافرة، والصناعة عندهم معدومة داثرة، والتكنولوجيا مضبوطة من خارج مستوردة بمقدار، مُقننة موسوقة في الصناديق بجنب أكياس القمح المستورد. عجزت الأدمغة الغائبة والأخرى المهاجرة المشتتة عن توطين العلوم والتكنولوجيا في بلاد المسلمين.
كيف نرد القافلة عن سير الجمال الوَئيدِ مشيُها إلى مسار إسلامي شامل يكون الإعلام فيه والأدب والفن حُداءً إلى العمل الصالح، وتكون فيه للمسلمين كلمة مسموعة ونموذج حضاري مبثوث الصورة جذاب القسمات، وتكون فيه المسرحية والأغنية -بعد تطهيرها من رجس الشيطان- نداء من جو السماء إلى أهل الأرض ليوحدوا الله، ويكرموا الإنسان، ويتجافَوا عن دار الغرور، متمتعين بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، تاركين زينة الشيطان وتبذير الشياطين ودعارة الأدب الخليع.
في الأدب الإسلامي قديمه وحديثه، وفي مواهب الشباب الإسلامي الصاعد، وفي الطاقة الجمالية الإسلامية وتطلعاتها للنعيم المقيم في الجنة، وفرحها بنعم الله على الناس وفضله في الدنيا، وفي جدية آلام الأمة، وفي طلائع البشائر لتحقيق آمالها، مواضيع لتنويع أدب إسلامي إيجابي تطرد منه روح الأسى على ما فات، ودمعة الحزن على الواقع، وترنيمة الارتخاء في الشكوى والاعتذار.
في القرآن الكريم وقصصه، وفي السنة النبوية والسيرة العطرة وحياة السلف الصالح كنوز ثرية نستخرج منها نماذج تحتذى، ونستأنس بثقتها بالله وبطولتها وجهادها لتتجدد لنا ثقة وجهاد وبطولة.
في قرآننا وسيرتنا وتاريخنا، وفي الطموح المتجدد لجند الله، وفي العاطفة الكامنة في صدور عباد الله وإماء الله المشربة بحب الله وحب رسول الله وحب دين الله، ما يحيي الهمم ويبُلّ النفوس الجافة، وينير الظلام أمام العقول الحائرة، لَوْ صُرِفَتْ جداول الأدب الإسلامي، واستُقرئت منابعه، ووجهت روافده لتشكل تيارا من النور يغمر أجواءنا ويُشع في قلوبنا وينبري لصد التيار الجاهلي المظلم الآيس من الإنسان، العنيف على الإنسان، الساخر من الإنسان، الـمُخَلّع للإنسان، المشَيِّئ للمرأة والرجل يتجر في جسمها وجمالها، وفي رجولته.
الإمام عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 1، ط 1996/1، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص 136 – 139.









