في أول صيامي...

في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وقفت بشرفة بيتي ليلا أترقب حضور الهلال الرمضاني بكل شوق بعدما أعددت كل ما يليق بمقامه، كيف لا وهو الضيف الذي يهل علينا كل سنة حاملا معه البشائر والخيرات، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه" البقرة الآية185... عاودتني الذكرى الأليمة مثل كل سنة، اغرورقت عيناي بالدموع، دققت النظر في النجوم فحسبتها تسائلني: أو لست مسرورة مثلنا بقدوم الهلال؟ قلت: والله إني لا أملك التعبير عن فرحتي"...
وجمَت صامتة عائدة بذاكرتها إلى يوم زارتها فيه أول حيض، حين كان عمرها اثنتي عشرة سنة، حصل ذلك في أواخر شعبان فأخبرتها والدتها بحلول وقت تحملها المسؤولية وضرورة الاستعداد لصيام رمضان كاملا.
وتسترسل حديثها قائلة بكيت كثيرا وصرخت: لماذا أنا ؟ صديقتي صفاء في سني وشيماء أكبر مني بسنة، لماذا يحصل هذا معي دونهما؟
كان وقع الخبر كالصاعقة علي فرجوت أمي أن لا تُعلم أحدا به، لكني فوجئت عند خروجي من البيت بكلام الجارات ـ الموجه إلي ـ الممزوج بالضحك والسخرية أحيانا، مما زاد وطأة الأمر علي.
وجاء رمضان فامتنعت عن الصوم بذريعة ألم الجوع وعناء الدراسة، كانت أسرتي تجبرني على آدائه فكنت أتظاهر بذلك لآكل عند اختلائي بنفسي، إني أتذكر هذه الفترة بمرارة لم أجد تفسيرا لما كنت أقوم به، مع العلم أني صمت الشهر بأكمله السنة التي خلت دون إجبار من أحد، لكني أول الأمر لم أستحضر سوى ما كانت تقصه علي أمي، كيف أنها لم تكن قادرة على الصوم عند بلوغها، لحداثة سنها وكيف أنها كانت تفطر بعض أيامه.
مرت بي أيام من رمضان كأنها أعوام، فشاءت الأقدار أن تتوطد علاقتي بمنال زميلتي في القسم، فتاة في سني مهذبة لطيفة مجدة في دراستها، لم تكن تشكو الجوع أو العطش إلا نادرا، وكانت تحادثني عن الحيض وعن صومها المبكر وتقبلها الأمر واستعدادها للصوم، وكيفية تهييئها من طرف والدتها منذ صغر سنها وتحاورهما دون حرج في الموضوع. أحسست كأنها تكبرني بسنين عديدة، كيف تعرف هذه الأشياء كلها وتتحدث بهذه الجرأة ؟ وأنا أرافقها صامتة، أخجل وتحمر وجنتاي كلما سألتني في الموضوع ذاته وأفر من الإجابة !
فضلا عن هذا لمست قدرتها على الصبر وتحمل المسؤولية في العديد من المواقف. وهمتها في الحديث داخل الفصل عن فوائد الصوم المتنوعة. أذكر أنها حدثتني يوما عن والدها الذي يُسَير حوار الأسرة في ليالي رمضان في جو من المرح والمنافسة والتشجيع.
دعتني يوما لأفطر في بيتها، استقبلتني والدتها بحفاوة لا توصف وكانت تردد باستمرار:" منال أكرمي ضيفتك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصانا بذلك".
لم أحس أبدا بالغربة بينهم، الأم بكلامها الطيب، والأب الذي كان يحادثني كما يحادث منال. والأخت
والأخ التوأمان الصغيران، أما فاطمة ففرحة، تنتظر هدية قدرتها على صوم اليوم كاملا، تحفزها والدتها أن هديتها من الله عز وجل أضعاف مضاعفة مما ستمنحها إياه، كيف لا وهو القائل في الحديث القدسي:" كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" رواه الإمام البخاري رحمه الله.
ويوسف الذي أوقف صيامه عند آذان العصر بسبب عطشه الشديد يخاطبه والده: "في المرة القادمة يأتي دورك يا رجل على أن تتتبع النصائح ولا تغفلها، أخبرتك أن الجهد الكبير في الجري ولعب الكرة يسبب إفراز العرق والجفاف فتحس بالعطش الشديد وهذا ما حصل بالفعل"، فيجيب يوسف:" لقد حسبت أن اللعب يساعدني على نسيان ألم الجوع والعطش " فتقول الأم هذا صحيح يا بني لكن إذا تجنبت كل ما يتطلب منك مجهودا عضليا كبيرا، وأنت يا فاطمة كم مرة أخبرتك ألا تفطري على الماء البارد أولا لأنه يعسر الهضم.
تتدخل منال وكأنها ترغب بجلب الاهتمام :" يوشك رمضان أن ينتهي وزرنا جل العائلة ولم نتذكر ابنة أختك ماما" ترد الأم : نعم ياابنتي لقد نسيت الأمر. أقحم نفسي في الحوار وأقول:"أرأيت يا منال كيف كان يتحدث المدرس عن أهمية وصل الرحم برمضان معتبرا ذلك بابا من أبواب الأجر المضاعف في رمضان. وكيف ركز على شرح قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"الرحم معلقة تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" رواه الإمام البخاري رحمه الله...
لكم تمنيت المكوث مع صديقتي في بيتها أستمتع بأحلى اللحظات مع أسرتها. من تلك الزيارة اكتشفت أنه ينقصنا الكثير وصرت أتعود على حديثها وأستفسر ها عن مصادر معلوماتها، ساعدتني منال كثيرا على تمتين روابط التواصل بين أسرتينا، قضينا أياما رائعة تتوسطنا مائدة الإفطار، توطدت من خلالها أواصر المحبة وعمت الإفادة، وكأن والدَي منال وجدا الفرصة لتنوير والدَي مما يسر لنا الكثير في شأننا.
وتمكنت من الإجابة عن أسئلة كانت بذهني مدة دون مجيب، فالطفلة تحتاج منذ صغرها تهييئها للتغييرات الجسدية المقترنة بظهور الحيض ووجوب الصوم وذلك بتدرج دون خجل.
كانت فرصة جددت فيها النيات كي تتحول العادات إلى عبادات حقيقية تزينها الفرحة السنوية الكبرى لاستقبال هذا الشهر العظيم والاستعداد له والقيام بالصالحات والسعي لنيل رضا المولى عز وجل.
وتأكدت أن الأب والأم هما الموجهان الأساسيان المساهمان في نضج تفكير الأبناء وتوجيه سلوكاتهم وترسيخ العبادات، كما رأيت صدْق حديث الرسول صلى عليه وسلم عن صحبة ومجالسة الصالحين الأخيار، فمنال وأسرتها كانوا بمثابة باعة المسك اللذين جعلوا حياتنا فواحة بالروائح العطرة للعيش السعيد المتوج بتذوق حلاوة التقرب من الله عز وجل والتسابق لنيل رضاه، رحمكما الله والداي الحبيبين وأسكنكما فسيح جنانه...
لازالت في الشرفة في تأملها، تناديها ابنتها: "ماما ماما أبشري فغدا رمضان" تلتفت إليها وتقول: "هل أنت مستعدة بنيتي للصوم؟" "بدون شك أمي لقد دربتني عليه في الأعوام السابقة بما يكفي... لن أفوت أجره بإذن الله وعونه وأثق بقدرتك على مساعدتي طيلة الشهر لقد وعدتني حبيبتي بذلك، هيا أساعدك في تحضير السحور فقد أحضرت وأبي كل ما طلبت وحرصنا ألا نسرف، لم نقتن الكثير لكن جلبنا الصحي المتنوع.. "ترد في فرح وسرور: "لقد كبرت يا منال وصرت فتاة عاقلة ناضجة...
وابتسمت الأم داعية الله الكريم: اللهم أهله علينا بالخير والبركات".








