في حوار مع البوابة: د. بوعود يبرز جهود النبي ﷺ في إرساء تعايش سلمي مع المخالفين

بمناسبة صدور الطبعة الثانية من كتابه "محمد ﷺ رسول السلام" التي تزامنت مع ذكرى المولد النبوي الشريف، أجرت بوابة العدل والإحسان حوارا مع الدكتور أحمد بوعود، أستاذ فلسفة الدين بجامعة عبد المالك السعدي.
بين دفتي الحوار يجد القارئ تعريفا بالكاتب وبأهم مضامين الكتاب، الذي جاء ليؤكد راهنية السيرة النبوية في مواجهة القراءات المغلوطة التي تصوّر الإسلام دين عنف وصراع.
الكتاب يتصدى، من خلال دراسة معاهدات الرسول ﷺ وسيرته العطرة في الباب، للهجمات التي تلبس لبوسا معرفيا أكاديميا وتتجه نحو صلب المعتقدات الدينية للمسلمين قصد تشويهها ودفع الناس عن اعتناقها، ويوضح أن سيدنا محمدا ﷺ أسس للتعايش السلمي مع المخالفين، وربّى الإنسان على الرحمة بدل الانتقام، وعلى إنقاذ البشرية من الظلم والظلام. وهو ما يجعل السيرة النبوية اليوم - كما يرى المؤلف - المرجع العملي لفهم الإسلام في جوهره، والنموذج الأصيل لتجسيد قيم القرآن الكريم.
إليكم نص الحوار الذي عرج أيضا على تخليد الأمة لذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواجباتها تجاه غزة وأرض الإسراء والمعراج.
نحب بداية أن يتعرف القراء على الدكتور أحمد بوعود؛ مساره العلمي، وظيفته، إنتاجاته العلمية ومشاركاته...
بسم الله الرحمن الرحيم. بداية أشكر موقع الجماعة على هذه الاستضافة الطيبة بمناسبة صدور الطبعة الثانية لكتابي "محمد ﷺ رسول السلام" الذي تزامن مع ذكرى ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
عبد ربه أحمد بن أحمد بوعود، أستاذ فلسفة الدين بجامعة عبد المالك السعدي، تطوان، حاصل على شهادة دكتوراه في الدراسات الإسلامية، تخصص الفكر الإسلامي، وحاصل على دكتوراه ثانية في الفلسفة، تخصص فلسفة الدين.
صدر لي:
- الفلسفة والتواصل.. قضايا وإشكالات في مبحثي الحقيقة والحرية (طبع عام 2023).
- التربية الروحية مدخلا للإصلاح عند عبد الحميد بن باديس (طبع عام 2022).
- الفلسفة على حدود اللغة (طبع 2022).
- الأخلاق والإيمان في فلسفة محمد عزيز الحبابي (طبع عام 2021).
- علوم القرآن في المنظور الحداثي.. دراسة تحليلية نقدية لآراء الحداثيين في القرآن الكريم (طبع عام 2015).
- محمد ﷺ رسول السلام (طبع عام 2015 وأعيد طبعه هذا العام).
- الإنسان في القرآن.. دراسة فلسفية مقارنة (طبع عام 2014 وأعيد طبعه عام 2016 وعام 2024).
- مفهوم الجاهلية وعلاقته بالتكفير.. دراسة تقويمية (طبع عام 2013).
- مقاصد الشريعة من النظر إلى السلوك (طبع عام 2011).
- الظاهرة القرآنية عند محمد أركون.. تحليل ونقد (طبع عام 2010 وأعيد طبعه عام 2013).
- Muhammad Prophet for Our Time... An Evaluative Study of Karen Armstrong’s Point of View, (ed. 2010).
- البلاغ النبوي والبيان السياسي (طبع عام 2006).
- الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع (طبع عام 2005).
- فقه الواقع أصول وضوابط (طبع عام 2000 وأعيد طبعه عام 2006 وعام 2020).
أغلب هذه المنشورات ينتظم ضمن محددات ثلاثة:
- الانتصار للوحيين: القرآن والسنة واستخراج كنوزهما.
- إبراز مزايا الإسلام وتأكيد أن كله محاسن، وهو السبيل الأوحد لإنقاذ الإنسان.
- بيان أن الخلل إنما يكمن في أفهام الناس وتطبيقهم وليس في أصله.
وهذه المحددات جوهرها قولة قرأتها للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب المنهاج النبوي منذ كنت طالبا: "إننا بحاجة لنفهم العالم الإسلام". هذه القولة تلقي بالمسؤولية على كل مسلم أيا كان مستواه المعرفي لينهض من أجل التبليغ، كما تجعله يلتمس الأعذار لكل مخالف.
لماذا كتاب "محمد ﷺ رسول السلام"؟ وما أهم رهاناته التربوية والعلمية؟
هناك هجمات تلبس لبوسا معرفيا أكاديميا تتجه نحو صلب المعتقدات الدينية للمسلمين قصد تشويهها ودفع الناس عن اعتناقها، وعلى رأسها الطعن في القرآن الكريم وتشويه صورة النبي محمد ﷺ، كما هو الحال في سائر العصور. وهناك من ينساق إلى هذه التصورات بسبب قلة معرفته واكتفائه بما يتلقى، خاصة ونحن اليوم في عالم مفتوح، والأفكار تقذف من كل جانب، يتلقفها المتعلم والأمي على حد سواء، حتى صار الناس يرددون أطروحات من قبيل أن النبي محمدا ﷺ رجل حرب وقتال، وأنه فرض دينه على الناس الرافضين له بقوة السلاح، وأن الإسلام دين لا يمكن أن ينتشر إلا بالقتال والسيف، وأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب والقتال.
في هذا السياق جاء هذا الكتاب من أجل إبراز جهود النبي ﷺ في إرساء تعايش سلمي مع المخالفين، سواء كانوا داخل مجتمعه أم خارجه، وتأكيد أن علاقة المسلمين بغيرهم أساسها الرحمة والسلم والتعاون، وتحقيق تعايش سلمي، وليس الحرب والقتال. وقد بين الكتاب هذا من خلال معاهداته ﷺ وكذلك من خلال سيرته العطرة. كما أبرز الكتاب جهوده ﷺ في تربية الإنسان المسلم ليتحول من إنسان انتقامي إلى إنسان مؤمن همه إنقاذ الإنسان من ظلام الكفر والظلم كما بينت ذلك عالمة الأديان كارين أرمسترونغ.
بقيت إشارة إلى أن السيرة النبوية تمثل "النموذج" و"المرجع" لكل مسلم ولكل من أراد أن يعرف الإسلام وكيف يطبق القرآن الكريم، واتباعها يعني صحبته صلى الله عليه وسلم.
فعلا، يلاحظ أنه من الأسئلة التي حكمتك منذ مقدمة الكتاب قولك: هل كان النبي محمد صلى الله وسلم رجل قتال؟ وهل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الرحمة والسلام أم الحرب والقتال؟
كيف كان جوابك بعد رحلتك البحثية؟
تحتوي المعاهدات المختلفة التي أبرمها النبي ﷺ من أجل تحقيق تعايش سلمي مع المعاهَدين على بنود تهم إقرار التعددية الدينية، كما في معاهدة دستور المدينة التي تعلن أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ومعاهدة نصارى نجران التي تؤكد حفظ دور العبادة واحترام المعتقد. وهذا ما يشكل دعائم التعددية الدينية والعقدية. لكن، تجدر الإشارة إلى أن الإقرار بالتعددية لا يعني أن جميع الأديان، كما هي عليه الآن، على حق، وإنما يعني الاعتراف بحق المخالفين في العيش المشترك مع المسلمين داخل المجتمع الإسلامي والعمل من أجل صالح الإنسانية جمعاء.
كما سعت هذه المعاهدات إلى إرساء العدل الاجتماعي، وتحقيقه لغير المسلمين. وقد توعد رسول الله ﷺ مؤذي المعاهَد بأن يكون خصما له يوم القيامة.
وأيضا قصدت هذه المعاهدات إرساء الأمن والسلام. والقارئ ليس بحاجة إلى أن نذكره بأن الأمن قوام الحياة الإنسانية. ومن توفر له الأمن في حياته عاش عيشة هنية مطمئنة. وإن الناس اليوم لا همّ لهم سوى البحث عن الأمن والأمان في عالم يعرف أنواعا من الصراع. والمعاهدة على الأمان كانت سلوكا نبويا سواء في معاهدة الحديبية أو يوم الفتح وغيرهما.
تهدف هذه المعاهدات أيضا إلى الحث على التعاون والتناصح. وقد لا أجانب الصواب إن قلت إن ما سبق من بنود التعايش يمكن اعتباره ممهدا لهذا المقصد العظيم. والتعاون والتناصح دليل قاطع على أن الإسلام دين التعايش، وأن محمدا ﷺ قد أرسى دعائم هذا التعايش من خلال سيرته عموما، ومن خلال معاهداته خصوصا. وهذا ما نص عليه دستور المدينة. وهو أعز ما يطلب اليوم.
إن مقصد المقاصد الشرعية الإسلامية هو إخراج الناس من عبادة الأوثان ومن ظلمات الشرك إلى نور التوحيد. ولا يمكن أن يتحقق هذا المقصد إلا بتحقق مقصد التعارف والتعاون؛ إذ عليه تقوم الدعوة إلى الإسلام.
ولكن البعض قد يستدعي الفتوحات والغزوات والحروب على عهد النبي الأعظم والصحب الكرام ليقول بأن ديننا دين حرب وقتال وهجوم لا دفاع؟
نعم، هذا الاعتراض نواجهه كثيرا، إما من مغرض أو من قليل المعرفة بسيرته ﷺ. ويمكن الرد عليه بأن الأصل أن دم الإنسان معصوم، لا يقتل إلا بالحق، وليس القتل من أجل الكفر. والحرب في نظر الإسلام شر لا يلجأ إليه إلا عند الاضطرار، فكلما كان هناك سبيل لحقن الدماء كلما كان سلوكه مطلوبا. ويحضرني هنا دخول النبي ﷺ مكة يوم الفتح وقوله: "يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا: "أخ كريم وابن أخ كريم". فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
لقد عانى النبي ﷺ ومعه المسلمون الويلات من قبل قريش، بل طردوهم من مكة تاركين وراءهم ممتلكاتهم وعائلاتهم في سبيل إيمانهم، وحاربوهم حتى بعد الهجرة. وقد تمكن منهم النبي ﷺ ودخل مكة فاتحا لها فتحا مبينا يزيل الشرك والأصنام والأوثان عنها، لكنه طمأنهم بأنه قد عفا عنهم وغفر لهم ما كان منهم. وهذه من عظمة نبوة محمد ﷺ تنبئ عن رغبته في تعايش سلمي مشترك، وليس في الحرب والقتال. وهناك تفصيل في هذه النقطة أوردته في الكتاب.
إن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، ومن بلغته الدعوة فلم يسلم ولكنه سالم ولم يحارب، ولم يعترض طريق الدعوة ولم يقف في سبيلها وسالم الإسلام وأهله، فالعلاقة حينئذ ذات صبغة سلمية، وذلك لقوله تعالى: لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الممتحنة: 8-9). ونحن في عصر الكل يتحدث عن حقوق الإنسان فإن أسمى الحقوق أن يعرف الإنسان ربه، وبعدها فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولم يحفظ التاريخ أن النبي محمدا ﷺ قتل إنسانا لم يستجب لدعوته.
هذا بشكل عام. أما استدعاء الغزوات فلكل غزوة سببها ودوافعها. مثلا غزوة بدر الكبرى؛ لم يكن السلب ولا النهب ولا القتال سببا ودافعا لها. ففي بداية الدعوة كان يعتدى على المسلمين فيؤمرون بالصبر. والحياة التي عاشوها في مكة شهدت ألوانا من العذاب والاضطهاد حتى أذن الله لهم بالهجرة، تاركين وراءهم ديارهم وأموالهم التي استباحتها قريش. لذا، لما استقروا بالمدينة وتأسست دولتهم خرجوا يعترضون تجارة قريش، لأنها كانت في جملتها تلك الأموال التي تركوها واستولت عليها قريش. وهكذا وصل الأمر إلى أن تكون هناك غزوة. أضف إلى ذلك، أن القوافل التجارية لقريش كانت تمر عبر أرض المدينة...
كان لافتا العنوان الذي خصصت به فصلك الثاني "محمد ﷺ نبي لزماننا"، كيف ذلك؟
هذا العنوان هو في الأصل عنوان كتاب عالمة الأديان كارين أرمسترونغ ختمته بقولها: ما أحوجنا اليوم إلى تعاليم النبي محمد، وذلك بعدما استعرضت آثار تربيته الشريفة التي نقلت الإنسان من حالة الجاهلية إلى حالة الإنسان المؤمن.
ترى المستشرقة البريطانية الباحثة المتخصصة في دراسة الأديان كارين أرمسترونغ (ولدت عام 1945) أن محمدا ﷺ لم يكن قط رجل عنف، بل إنه نموذج لهداية العالم في زماننا. وتقترح للوصول إلى هذه النتيجة أن نقارب حياته بطريقة معتدلة حتى نستطيع تقدير إنجازاته المعتبرة، تلك الحياة التي كانت حملة لا تكل ضد الطمع والظلم والتكبر. كان اهتمامه الأكبر ﷺ، في نظرها، تغيير قلوب الناس وعقولهم، دون فرض معتقد ديني.
وللإشارة، تحظى كتابات كارين أرمسترونغ برواج لافت في الغرب (وبخاصة بريطانيا وأمريكا)، كما أن موقفها من النبي ﷺ ومن دين الإسلام يكاد يكون متميزا في زمن عُرف بالنيل من شخصية الرسول الكريم ومن شريعة الإسلام. وقد أخذت عالمة الأديان على عاتقها تصحيح صورة الإسلام وتقديم الصورة الحقيقية لنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام للغربيين. وكتبت في ذلك كتابين:
- الأول: Muhammad a Biography of the Prophet سنة 1991. وقصة تأليف هذا الكتاب ترجع إلى قضية سلمان رشدي وكتابه "آيات شيطانية" الذي اعتبره المسلمون إساءة إلى رسول الله ﷺ وآل بيته. وما أثار كارين أرمسترونغ هو تلك الفتوى التي أصدرها الإمام الخميني والتي قضت بإباحة دم سلمان رشدي وناشر كتابه، كما لم تعجبها الطريقة التي تعامل بها الناس في إنجلترا مع قضية سلمان رشدي، حيث انتشرت الإساءة إلى نبينا محمد ﷺ وإلى الإسلام.
- والثاني: Muhammad Prophet for Our Time سنة 2006، وقد ألفته بعد أحداث 11 سبتمبر حين انتشرت أطروحة أن محمدا ﷺ مدمن حرب، وأن الإسلام دين حرب وقتال. وقد نشرت دراسة تقويمية له باللغة الإنجليزية عام 2010.
تطرقت إلى وقائع تبرز جهود الرسول الأكرم في إرساء التعايش السلمي مع المخالفين، هلا أطلعت القراء على بعضها، وعلى دلالاتها الدعوية؟
أسوق هنا واقعتين:
- الأولى: طلب النبي صلى الله عليه جوار المطعم بن عدي، فأجاره وحماه، وقد قدر النبي ﷺ هذا الفعل ولم ينسَه بعد استقرار المسلمين بالمدينة ووفاة المطعم، وذلك حين قال فِي أسرى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له.
إن كون المطعم بن عدي مشركا لم يمنع النبي ﷺ من طلب جواره ما دام بإمكانه أن يخدمه دون أن ينال ذلك من دينه ودعوته شيئا. ولقد كان مطعم ذا مروءة. من هنا، يمكن أن نستنتج أن التعايش السلمي يقتضي التعاون مع ذوي المروءات، ولو كانوا على غير دين الإسلام، فيما يخدم الإسلام والإنسانية عموما. إن المروءة خلق يدفع صاحبه إلى رفض الظلم وطلب العدل ونصرة المظلوم واسترداد حقوقه. وخلق كهذا يلتقي مع الكثير من أخلاق الإسلام ولا مانع من التعاون معه، لأنه يستحق الاعتبار.
- الثانية: واقعة الغلام اليهودي الذي كان يخدم رسول الله ﷺ، ولما مرض عاده النبي ﷺ وقال له: أسلم، وكان أبوه عند رأسه، فنظر الغلام إلى أبيه (كأنه يستشيره)، فرد الأب: أطع أبا القاسم. فأسلم الغلام، وخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار.
هذه الواقعة فيها فوائد عظيمة جدا: منها أن القاعدة في التعامل مع غير المسلمين الثقةُ. ولا يهم دين الإنسان إن كان يصلح لعملٍ ما لدى المسلمين لا تؤثر فيه عقيدته. فالكفاءة في مثل هذه الحالات معتبرة بغض النظر عن الدين والعقيدة. وقد سار على ذلك الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم كعمر بن الخطاب. كما أن المقصد من هذا الاستخدام هو تبليغ دعوة الله عز وجل وعتق رقاب من النار، وهو ما تيسر للنبي ﷺ في آخر حياة هذا الغلام الذي أسلم وفرح النبي بإسلامه.
7- دعوت في آخر الكتاب إلى مجموعة من الخطوات التي ينبغي على المسلمين استحضارها حتى يُحْسنوا قراءة السيرة النبوية وعرضها خاصة لغير المسلمين، منها ما أسميته بالانتقال من العرض التاريخي لأحداث السيرة إلى الدرس الإشكالي الذي يتناول القضايا والإشكالات التي قد تلتبس بشأنها الأفهام وتثير الشبهات. ما أهمية تلكم الخطوات، خاصة هذه المنهجية التي تقترحها لعرض السيرة وأحداثها؟
نعم، في خاتمة الكتاب دعوت إلى إعادة كتابة سيرة النبي ﷺ ودراستها وإبراز جهوده في تربية الإنسان النموذج الذي يتعايش مع الجميع، محترما عقائدهم ومقدرا كرامتهم، ويدعو إلى دين الإسلام برفق. وهذا ينفع المسلمين مع بعضهم البعض كما ينفع المسلمين مع الآخرين؛ فالناس اليوم يعيشون أزمة قدوة وأزمة نموذج، وهذا النموذج لن يكون إلا في الإسلام. لقد جربت الإنسانية المعاصرة كل المذاهب ولم تعثر على الملاذ الأخلاقي، وهذا الملاذ لا توفره سوى طاقات الإسلام، كما يقول الفيلسوف محمد عزيز الحبابي رحمه الله.
كما دعوت إلى إعداد بحوث مقارنة، وبلغات أجنبية، تبين بنود معاهدات التعايش الدولية وبنود معاهدات التعايش التي أبرمها رسول الله ﷺ؛ ذلك أن الناس اليوم مستلبون، لا يسلمون إلا بما يأتي من عند الآخر، ولو عادوا إلى سيرة نبيهم ﷺ لوجدوا كنوزا تفوق ما هو متوفر اليوم من معاهدات وبنود. لذا، فنحن بحاجة إلى بحث مقارن لتظهر تلك القيمة، لنا وللآخر.
كما دعوت إلى الانتقال بالسيرة النبوية من الدرس التقليدي الذي يعرض السيرة أحداثا تاريخية فقط إلى الدرس الإشكالي الذي يتناول القضايا والإشكالات التي تلتبس بشأنها أفهام وتزل أقدام. وهذا الانتقال يتطلب:
- أولا: التحقق من الروايات من حيث ثبوتها، فكم من رواية يرددها المسلمون وهي تسيء إلى النبي محمد ﷺ وإلى الإسلام، ولكن، إن أعملنا ميزان النقد فإننا نجدها رواية ضعيفة أو مكذوبة.
- ثانيا: يتطلب الأمر ربط أحداث السيرة النبوية بسياقها وبالمقاصد المتوخاة منها، وذلك وفق المقاصد الكبرى للإسلام، لتصير تلك الأحداث حية فاعلة في واقعنا، رغم بعد الزمان والمكان بيننا وبينها.
- ثالثا: دراسة السيرة النبوية وعيننا على الشبهات التي يطلقها المغرضون حتى نسلح الدارس بالحصانة الفكرية التي تعصمه من الانزلاق إلى مهاوي الإنكار والطعن في نبينا محمد ﷺ، ونزوده بآليات الإقناع وتمييز الصالح من الفاسد من الأقوال.
ونحن نعيش في ذكرى ميلاد رسول الله ﷺ العطرة، ما المنهج الأمثل لتخليد الذكرى؟
إن تخليد ذكرى ميلاده دلالة على حبنا له ﷺ، وأي عمل يحقق هذه المحبة فهو مشروع. والوسائل تعظم بعظم مقاصدها. لذا، يجب جعل هذه المناسبة فرصة من أجل:
- دراسة سيرته ﷺ والاطلاع على شمائله وأخلاقه، فمن شأن هذه الدراسة أن تعمق حبنا لنبينا ﷺ.
- الإكثار من الصلاة عليه ﷺ، فالصلاة صلة، وبهذه الصلة يقوى حبنا له ﷺ، مع الإكثار من العبادات من صلاة وصدقة وصيام، فالنبي ﷺ قال عن صيام الاثنين: ذلك يوم ولدت فيه.
- جعل هذه المناسبة فرصة لاكتساب خلق من أخلاقه ﷺ، فهو قدوتنا، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران: 31).
- إشاعة مظاهر الفرح به وحبه بأن جعلنا الله مسلمين ومن أتباعه ﷺ. وهنا، يمكن توظيف كل وسيلة مشروعة لتحقيق ذلك.
هذه بعض الإشارات، إن لم نستطع جعلها معالم للاقتداء طيلة السنة، فلا أقل من أن تكون هذه الأيام فرصة لاتباعها.
كيف نحيا حياتنا على منهاج رسول السلام؟
أول خطوة لذلك التربيةُ؛ تربية تجمع بين همّ الفرد وهم الأمة وهم الإنسانية، ومعنى ذلك أن نشعر بالأمانة التي في أعناقنا لكوننا مسلمين. هذه الأمانة مفادها أن يكون الله غايتنا وغاية كل فرد من العباد، وأن نحمل مع هم مصيرنا هم مصير العباد أينما كانوا وكيفما كانوا. هكذا كان رسول الله ﷺ، وهكذا ربى أصحابه رضي الله عنهم. لذلك كونوا عمرانا أخويا ومجتمعا تسوده تلك الخصائص التي سبق ذكرها.
تبدأ هذه التربية من الأسرة، يربى الطفل منذ نعومة أظفاره على هذه الخصال، ومن الأسرة إلى المدرسة، إلى الأمة، إلى الإنسانية.
لكن، قد تعترض على هذا الكلام بقولك إنه كلام حالم، فالواقع معقد متشابك، والعالم صار قرية صغيرة منفتحا بعضه على بعض، فلا يأمن الإنسان على نفسه، وكل جهود التربية للحياة على منهاج رسول السلام ﷺ قد تعصف بها فكرة واحدة يتلقفها المرء دون إرادة منه.
نعم، لذلك لا بد، كما سبقت الإشارة، من حصانة فكرية تشكل مناعة ضد الأفكار الهدامة، لا تكفي العاطفة الإيمانية، لا بد من علم. كما لا بد من محضن إيماني للفرد المسلم، يشعره بمهمته في هذه الحياة، تحقيقا لقول عبد الله بن رواحة لأبي الدرداء رضي الله عنهما: "تعال بنا نؤمن ساعة"، فالمؤمن قوي بأخيه ضعيف بنفسه.
أمة رسول الله ﷺ وهي تخلد هذه الذكرى العطرة، ما يزال جرحها نازف في غزة وعموم فلسطين، ليطرح السؤال: هل تَحْيا الأمة بالرحمة والتسامح والسلام وحده وهي يُعتدى عليها وعلى مقدساتها ويُذبّح أبناؤها ونساؤها ليل نهار؟ ما المطلوب إذا؟
لعله من السذاجة وسوء الفهم والخذلان أن نجيب عن الشق الأول بـ"نعم"! لأن أهل غزة وفلسطين، كان الله لهم، مستضعفون مجوعون مقتلون، سلبت أرضهم واعتدي عليهم بمختلف أنواع الاعتداء. والتمسح بالرحمة والتسامح والسلام إزاء كل هذا يعني الاستسلام لهذا الواقع. وهذا ما يحاول أن يفهمه للناس من ينادون بالتطبيع ويسوغون له. إن التطبيع استسلام واعتراف بالكيان المغتصب، ومن مآلاته مزيد تمكين له اقتصاديا وحضاريا، وفي الجهة المقابلة إضعاف للمسلمين عموما، ولأهل غزة وفلسطين خصوصا. وهذا لا يرضي الله ولا رسوله، ولم يثبت في سيرته ﷺ ما يدل على أن النبي ﷺ صالح كفارا استولوا على أرض المسلمين.
ولا يمكن أن نقيس الاستسلام بمعاهدات صلح وهدنة كما فعل رسول الله ﷺ؛ فالصلح يعني إيقاف كل عدوان ورد كل الحقوق. ومقتضيات هذا الصلح لا توجد على أرض الواقع.
إن القارئ لسيرته ﷺ حين يقرأ عن غزوة الأحزاب وعن أسبابها وتداعياتها، يكتشف غدر يهود بني قريظة بالنبي ﷺ، وكان له معهم عهد على عدم القتال مع الأحزاب، لكنهم خرقوه، فكان أن أعد النبي ﷺ لهم العدة فحاصرهم بجيش حتى استسلموا.
ختاما، كيف نجمع بين بعد الرحمة والتسامح والسلام في رسالتنا الإسلامية، وبين جانب القوة والعزة وإعداد الشوكة التي تدافع عن الحق لترسخ السلام لا الاستسلام؟
سؤال جيد يصلح أن يكون خلاصة لما سبق؛ إن الرحمة والتسامح والسلام أخلاق نبوية سامية تنبئ عن مقام رفيع، وهو مقام الإحسان. وتعني هذه الأخلاق عدم المبادرة إلى العنف أو الغلظة في الأفعال إزاء الآخرين. وهذا يعني أن تكون لك اليد العليا، بمعنى أن تعفو وأنت قادر كما في واقعة فتح مكة عندما قال لهم رسول الله ﷺ: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وكما وقع في صلح الحديبة، بعدما أصبح المسلمون، الذين كانوا بالأمس مستضعفين، يجلسون للتفاوض مع أعدائهم قريش، فكتب النبي ﷺ كتاب الصلح الذي جاء فيه الرجوع إلى مكة دون إتمام العمرة. لم يرض ذلك الصحابة رضي الله عنهم، لأنهم رأوا في شروط الصلح إجحافا ودنية في دينهم، حتى تدخلت المرأة الحكيمة أم سلمة رضي الله عنها بحسن رأيها وسداد مشورتها.
نخلص من هذا إلى أن سلوك طريق الرحمة والتسامح والسلام لا يتناقض مع سلوك طريق القوة وإعداد العدة، فلكل طريق حيثياته ومناسباته يقدرها إمام المسلمين ومن معه من العلماء والخبراء والعارفين. كل هذا، مع الحرص التام على ضمان عدم ضياع حقوق المسلمين. والله أعلم.
أجدد شكري لكم على دعوتكم الكريمة، بارك الله في جهودكم.








