أعمال الإنسان تنقطع بالموت إلا الثلاث التي ذكرها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به بعده والولد الصالح الذي يدعو له.
الولد الصالح زاد لا ينضب معينه، يصل الأبوين الوقت الذي يكونان في أمس الحاجة إليه، هذا إن دعا الولد لوالديه فقط؛ فكيف إن ساهم هذا الولد في بناء أمة وسعى لتحقيق الخلافة الموعودة؟ يقول الإمام المجدد رحمه الله: «الولد الصالح ذخر للأمة في الدنيا ولوالديه في الدنيا والآخرة» (تنوير المؤمنات، 2/196).
ومن ثم وجب إيلاء تربية الأبناء عناية خاصة، تستوجب تنشئتهم تنشئة سوية، خالية من الأعطاب والمثبطات التي تسبب لهم عاهات نفسية مستديمة يستعصي علاجها؛ ومن ذلك الكلمة المحبطة واللوم المتكرر المصاحب لألفاظ القدح والتنقيص والازدراء.
هذه الكلمات تتحول إلى رسائل سلبية ترسَل للعقل فتستقر وتولد شعورا بالنقص والدونية كما يقول خبراء التربية وعلماء النفس، وهذا من شأنه أن يعيق تطلعات الطفل وطموحه، ويسبب له الفشل الدائم في الحياة.
لذا حث ربنا سبحانه على القول الحسن، قال تعالى: قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا (الإسراء، 53).
القول الحسن يسد منافذ الشيطان ويقطع حباله، لأن الشيطان ينتعش بالماء العكر، وينتهز القاذورات من قول وفعل ليؤجج بها الخصومات وينشب العداوات، فكلما استعمل المربي ألفاظا نابية من شتم ولعن إلا وتلقف الشيطان الكلمة وبدأ بها وسوسته وكيده، حتى يصبح ذلك الطفل قنبلة موقوتة أو معول تخريب في المجتمع.
لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما نفى الإيمان عن اللعان عبثا، بل لعلمه صلى الله عليه وسلم بأثر اللعن والطعن في العلاقات الاجتماعية، قال عليه السلام: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» (رواه الترمذي).
وإن مما ابتليت به الأمم اليوم تفشي الرذيلة والمجاهرة بها، في ظل هذا الانفتاح الشامل للعالم الذي أصبح قرية صغيرة؛ الشيء الذي يجعل المربي يفقد صوابه كلما رأى الطفل يسلك سلوكا سيئا، لكن ردة الفعل لا تحمد عواقبها دائما، وهي إلى الهدم أقرب منها إلى البناء، والمربي يبني شخصية الغد.
لهذا وجب التروي والتؤدة قبل اتخاذ أي قرار أو النبس ببنت شفة، كي لا نلقي بفلذات أكبادنا إلى أحضان الشياطين والأبالسة من الجن والإنس. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير إسوة، أليس هو القائل للقوم الذين قالوا للشخص الذي أقيم عليه حد شرب الخمر: أخزاك الله، قال لهم صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان»، وفي لفظ آخر «لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم» (صحيح البخاري).
هذا والمسيء رجل راشد يميز بين الخير والشر، فكيف بأبنائنا الذين هم في طور التعلم والنمو؟ إنه لمن أولى الأولويات أن نشنف أسماع أبنائنا بالكلمة الطيبة المحفزة، والثناء المعسول الذي يعمل عمل السحر في نفسيتهم؛ فيحرر إرادتهم وينمي كفاءاتهم. ولنا في قصة توماس أديسون، صاحب الألف اختراع، عبرة فهو ما كان له لينفع الأمة باختراعاته من مصباح كهربائي وهاتف وغيره… لولا احتضان أمه وتشجيعها له بالكلمة المحفزة بعد أن طردته المدرسة لضعف مستواه آنذاك، خاصة وأنه كان يعاني مشكلا في السمع.
رب كلمة لا يلقي لها الإنسان بالا تصنع رجالا، وكم من كلمة تركت جروحا وتشوهات في النفس يعاني منها الإنسان طوال حياته. والمسؤولية الجسيمة ملقاة على عاتقنا، فما نلفظ من لفظ إلا وعلينا رقيب يسجل أقوالنا، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (ق، 18). وإنما كب الناس في جهنم حصائد ألسنتهم. عطَّر الله أفواهنا بالكلام الطيب وجبر عثراتنا والحمد لله رب العالمين.