لنفرح على مائدة الإفطار

Cover Image for لنفرح على مائدة الإفطار
نشر بتاريخ

يعد صيام رمضان أحد أركان الدين الإسلامي، فالله سبحانه وتعالى فضل شهر رمضان على سائر الشهور، واختصه بفضائل ومزايا كثيرة، فهو شهر التوبة والغفران والصبر والدعاء، وهو شهر الجود والكرم، وفيه ليلة خير من ألف شهر.

تجتمع الأسرة على مائدة الإفطار، ينتظرون صوت الأذان بفرح وسرور. إنه مشهد تهتز له النفوس؛ إذ يتجلى فيه معنى مراقبة العبد لربه وابتغاء وجهه عز وجل.

مشهد جميل تقشعر له الأبدان؛ عند سماع الأذان “الله أكبر الله أكبر” نبدأ بالثمرات، اقتداء بأفضل العابدين، روى أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء” 1.

نأكل ونتقاسم أطراف الحديث بوجه بشوش وحيوية ونشاط. إنها فرحة الطاعة والعبادة ورجاء الثواب والأجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» 2. فأما فرحته عند فطره، فلأن الله عز وجل أكرمه بعد إمساك النهار بأن أباح له الطعام بدخول وقت المغرب، وفرح بإتمام صيام يومه. فالمؤمن تغمره فرحة لا مثيل لها؛ إذ النفس مجبولة على ما يلائمها من الطعام والشراب. وأما فرحته عند لقاء ربه، فلِما يجده عنده من ثواب الصيام، فيُدخله الجنة من باب الريان.

ولبلوغ مقاصد هذا الشهر الكريم لابد أن نراعي مجموعة من المعاني السامية:

إفطار الصائم: تفطير الصائم عمل عظيم يفيض أجره على صاحبه، ويجسد أسمى معاني التكافل والتراحم. فهو رسالة محبة صادقة، وإحياء لمعنى الأخوة بين الناس، وإدخال للسرور على قلب محتاج. إنه مدرسة في البذل والعطاء، يتربّى فيها القلب على السخاء، وتسمو بها الروح نحو معاني الإحسان.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا” 3.

الإفطار وتجديد معنى وحدة الأمة والمسؤولية تجاه قضاياها: عند إفطارنا نستشعر وحدة الأمة الإسلامية وهي تفطر في وقت واحد، نستشعر إخواننا في غزة وما يعانونه من العطش والجوع. وحدة الأمة لا تبنى بالشعارات، بل بالشعور المشترك بالألم والأمل معا. فإذا كان الصيام يذكرنا بحاجة الجائع، فإن ما يحدث في غزة يوقظ فينا فقه المسؤولية الحضارية: أن نربط بين العبادة والعدل، وبين الروح والواقع، وبين الإفطار والوفاء لقضايا الأمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل  المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” 4.

مائدة الإفطار مدرسة للحوار وغرس القيم: ولا ننسى أن على مائدة الطعام يجلس أبناؤنا، فلذات أكبادنا؛ وهي فرصة سانحة للحوار الإيجابي المثمر، وغرس قيم الخير، وتقويم بعض العادات السلبية، وتوجيههم إلى تصحيحها. فالتوجيه ليس خطبة طويلة، بل كلمة صادقة دافئة؛ إذ تكون الشهية مفتوحة، لا للطعام فحسب، بل لتقبل التوجيه أيضا.

الدعاء عند الإفطار واغتنام ساعة الإجابة: للدعاء مكانة عظيمة في الإسلام، ودعاء الصائم من أرجى أوقات الإجابة، ولا سيما في شهر رمضان المبارك. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: “اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت   العروق وثبت الأجر إن شاء الله” 5.

ولا ننسى الدعاء مع المسلمين في كل مكان، خاصة الفقراء والنازحين، فواقع المسلمين لا يخفى على أحد.

مائدة رمضان ليست مجرد طعام، بل فرحة تجمع القلوب، وفرصة للشكر والدعاء، وتجسيد لقيم الصبر والطاعة، فتجعل هذا الشهر تجربة روحية وجسدية مليئة بالخير والسكينة.


[1] أخرجه أبو داوود، صحيح أبي داود، رقم الحديث 2356.
[2] أخرجه البخاري، صحيح البخاري، رقم الحديث 1904.
[3] أخرجه ابن ماجه برقم (1746)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه بنفس الرقم، و أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (17033) بلفظ قريب.
[4] أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (4/ 1999)، برقم: (2586)، والبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، (8/ 10) برقم: (6011).
[5] رواه أبو داود.