مرثية الفصحى في “قطوف” عبد السلام ياسين: قراءة في محاكمة لغوية شعرية

Cover Image for مرثية الفصحى في “قطوف” عبد السلام ياسين: قراءة في محاكمة لغوية شعرية
نشر بتاريخ

في “قطوف 10″، الجزء الأخير من ديوان “قطوف”، يقول عبد السلام ياسين في القطف رقم 756، في قصيدة صغيرة من سبعة أبيات:

بَكَيْتُ عَلَى الْفُصْحَى الْجَرِيحَةِ آسِفاً

ومَا تَرْتَجِي الْفُصْحَى الْجَرِيحَةُ مِنْ دَمْعِي!

سِهَامُ الْعِدَا مِنْ كُلِّ صَوْبٍ تَنُوشُهَا

فَلَيْسَ يَقِيهَا مِنْهُمُ سَابِغُ الدِّرْعِ

فَهَذَا خَطِيبٌ نَاطِقٌ بِرَطَانَةٍ

جَفَتْهَا أُصُولُ النَّصْبِ والْخَفْضِ وَالرَّفْعِ

وَذَلِكَ دُكْتُورٌ فَصِيحٌ مُفَوَّهٌ

يُصَارِعُ فِي الْأَعْدَادِ قَاعِدَةَ الْجَمْعِ

وآخَرُ فِي الرَّائِي يُتَمْتِمُ جُمْلَةً

كَمَا تَمْتَمَ السَّحَّارُ فِي رُقْيَةِ الصَّرْعِ

تَحَارُ إِذا أَنْصَفْتَ أَيُّ ثَلَاثَةٍ

أَحَقُّ بِرَدْعِ الْمَنْعِ وَالدَّفْعِ وَالصَّفْعِ

فَصَلِّ إِلهِي ثُمَّ سَلِّمْ عَلَى الَّذِي

هَدَانَا بِمِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ لِلشَّرْعِ

تأطير نظري

تسعى هذه الورقة إلى تفكيك البنية الدلالية والجمالية لهذا القطف، متجاوزة حدود الرثاء التقليدي للغة إلى فضاء المحاكمة اللغوية الثقافية لنخبة المجتمع، منطلقةً من الرؤية التي صاغها الشاعر في نظريته الأدبية القائمة على أن الأدب جهاد كلمة في جهاد تربية، لتثبت أن القصيدة ليست مجرد بكائية على اللحن، بل هي بيان يربط سلامة اللسان بسلامة المنهاج.

لا يمكن قراءة هذه الأبيات السباعية عن الميثاق الغليظ الذي عقده عبد السلام ياسين في ديباجة ديوانه في ارتباط وثيق مع مشروعه التجديدي؛ فقد أعلن منذ البداية اصطفافه في خندق الشعر الحكيم (إن من الشعر لحكمة)، رافضاً نموذج “الشاعر الهائم” الذي يتبع زخرف القول. في هذه القصيدة، يطبق ياسين عملياً نظريته القائلة بأن الأدب الإسلامي يجب أن يكون ترياقاً أصيلاً موصولاً بالشفاء القرآني، وليس مجرد زخارف لفظية تدغدغ المشاعر؛ فلا خير في أدب يجول في عرصة الدنيا يداعب أهواء الناس.

إن “مرثية الفصحى” هنا هي ممارسة للأدب، كما تصوره عبد السلام ياسين رسالةً تربوية، وللشعر بوصفه حكمةً ومنافحة لا هياماً، مستلهماً نموذج “لبيد” في الصدق، ونموذج “حسان” في المنافحة والخصومة؛ فالشاعر هنا يصدق في تشخيص الداء، ويخاصم في الدفاع عن لغة القرآن 1.

تمهيد: اللغة جرح مفتوح

لا يخفى على الخبير بخطاب عبد السلام ياسين أن هذه الأبيات السبعة ليست مكتوبة بوصفها نظماً عابراً، وإنما هي مطرزة بمداد المنظّر المربي واللغوي الغيور الذي لا يسطر بكائية تسكّن الوجدان، بل يخط نصا مصمَّماً ليؤدي وظيفة مزدوجة: الاستثارة الوجدانية، والتحريض الإصلاحي، مشَكّلةً امتداداً مباشراً لتصوره الذي يعتبر الكلمةَ وسيلةَ تبليغ وتأثير تخترق الغفلةَ وتوقظ الفطرة، لا أداةَ تسلية واستهلاك.

هي إذن مرثية من نوع خاص؛ لا تبكي شخصاً استوفى أجله، وإنما يرثي اللغة العربية الفصحى بوصفها كائناً حياً يُحتضر، مُنزلاً إياها منزلة الكائن/الأم التي تُثخنها الجراح. وتكتسب القصيدة قيمتها من كونها خطاباً يباشر قضية عمومية تشَرّح أزمة اللغة والبيان، وتوجّه نقداً لاذعاً لطبقة النخبة في المواقع التي يُفترض أن تحرس اللسان وتكون حصنا منيعا لحمايته، فإذا بها تنقلب معاول هدم له.

أولاً: البنية الدلالية والصور الشعرية

تنتظم القصيدة في هندسة ثلاثية متكاملة، مقدمةً مشهداً تراجيدياً لواقع اللغة العربية.

اللوحة الأولى: البكاء والعجز (المطلع)

يستهل الشاعر بمطلع يقرر فيه حقيقة العجز:

بَكَيْتُ عَلَى الْفُصْحَى الْجَرِيحَةِ آسِفاً

ومَا تَرْتَجِي الْفُصْحَى الْجَرِيحَةُ مِنْ دَمْعِي!

إن وصف الفصحى بـ”الـجَرِيحَة” يخرجها من كونها أداة تواصل إلى اعتبارها جسداً ينزف، وتكرار اللفظ “الفصحى الجريحة” في الشطرين يفيد التوكيد وترسيخ صورة المعاناة والألم. أما الاستفهام الاستنكاري اليائس فتعبيرٌ عن عجز الحيلة أمام هول النزيف الذي لا توقفه دمعة، وهل تكفي العاطفة وحدها لإنقاذ هوية مطعونة غدرا في شخص لغة تتعرض لإبادة ممنهجة؟ يصنعه هذا الانتقال السريع من البكاء إلى نفي جدواه توتراً مفضياً إلى نقضٍ يؤسس لوعي وظيفي. وبما أن الأدب عنده ليس أداة تسلية أو تفريغ عاطفي، فإنه لا يريد للقصيدة أن تُستهلَك باعتبارها حزناً جميلاً، وإنما يريدها حزناً منتجاً يطلب علاجاً لا دموعاً، فالدموع لا تبني أمماً، والحزن السلبي لا يوقف زحف الركاكة.

وفي البيت الثاني ينتقل الشاعر إلى تقديم أسباب عدم كفاية البكاء فيقول:

سِهَامُ الْعِدَا مِنْ كُلِّ صَوْبٍ تَنُوشُهَا

فَلَيْسَ يَقِيهَا مِنْهُمُ سَابِغُ الدِّرْعِ

وفيه صورة حربية لمشهد معركة تنوش فيها سهامُ العدا جسم الفصحى. و”تنوش” فعل معبر بدقة عن التكالب والنهش المستمر من أطراف متعددة، مما يدل على أن الخطر هو هجوم محْكم وحصار شامل. وهنا لفتة دقيقة، فالشاعر يتحاشى نفيَ وجودِ الدرع مطلقاً، بل ينفي فاعليته على الرغم من أنه “سابغٌ”، في إشارة إلى أن الحصانة التقليدية الذاتية للغة لم تعد كافية، أو أنها معطلة، أو أن الهجمة أشرس من أن تصدها الوسائل المعتادة.

اللوحة الثانية: معرض النماذج المشوهة (من البيت الثالث إلى الخامس)

ينتقل الشاعر من التجريد إلى استعراض “الأدلة الجنائية” على الجريمة المرتكبة بحق الفصحى، مقدماً ثلاثة نماذج تمثل السلطة الرمزية في المجتمع، لكن على شكل تشخيص كاريكاتوري فاضح ساخر:

1. الخطيب الجاهل (النموذج الديني)

فَهَذَا خَطِيبٌ نَاطِقٌ بِرَطَانَةٍ

جَفَتْهَا أُصُولُ النَّصْبِ والْخَفْضِ وَالرَّفْعِ

المفارقة هنا صارخة؛ فالخطيب هو وارث المنبر النبوي، ومقامه يقتضي ذروة الفصاحة، لكنه خاصم قواعد الإعراب الأساسية وضيّع أصول الفصاحة ابتداءً، فطفق ينصب ويرفع ويخفض خابطاً على غير نظام. واستخدام لفظ “رطانة”، وهي الكلام الأعجمي أو غير المفهوم، لوصف كلام الخطيب، يحمل سخرية مرة؛ فالجريمة النحوية المشخَّصة على شكل الفوضى في الإعراب تنتهي إلى إسقاط هيبة الخطابة وتشويه المعنى وخيانة أمانة التبليغ.

2. الدكتور المُفَوَّه (النموذج الأكاديمي)

وَذَلِكَ دُكْتُورٌ فَصِيحٌ مُفَوَّهٌ

يُصَارِعُ فِي الْأَعْدَادِ قَاعِدَةَ الْجَمْعِ

هنا يتهكم الشاعر باللقب العلمي الفخم الذي يحمله المتحدث، فينادى في المحافل بـ”دكتور”، ويوصف بـ”فصيح” و”مفوّه”، لكن المفارقة تكمن في الفعل “يصارع” الذي يكشف العجز الفادح، ويرسم صورة هزلية لمعركة بين الدكتور وقواعد العدد والمعدود، معركة يخسرها دائماً. وقد اختار الشاعر “الأعداد” تحديداً لأنها العقبة الكؤود التي تفضح مدعي الفصاحة، وتكشف هشاشة التكوين اللغوي وهزالة التأسيس المعرفي التخصصي لدى النخب المثقفة على الرغم من علو اللقب.

3. المذيع أو المتحدث الإعلامي (النموذج الإعلامي)

وآخَرُ فِي الرَّائِي يُتَمْتِمُ جُمْلَةً

كَمَا تَمْتَمَ السَّحَّارُ فِي رُقْيَةِ الصَّرْعِ

لفظة “الرائي”، كما هو مثْبت في صفحة شرح “الكلمات”، ترجمة عربية لكلمة التلفزيون، وقد كان في مقدور الشاعر أن يستعمل اللفظة الأجنبية بتعريبها الحرفي، فيقول، على سبيل المثال، محافظاً على وزن البحر الطويل بدون أي خلل: ” وآخَرُ فِي التِّلْفازِ تَمْتَمَ جُمْلَةً”، لكنه عمد إلى التعريب الذي أجازه المجمع اللغوي بالقاهرة، تجنباً لرطانة العجمة التي ينتقدها. وقد شبّه لغة المذيع بـ”التمتمة” التي هي نقيض الفصاحة والبيان، واستخدم تشبيها بليغا شديد الدلالة يربط بين لغة الإعلام الهجين وطلاسم السّحَرة، فكلاهما غامض مضلِّل. و”السّحّار”، هكذا بصيغة المبالغة، دأْبه وديْدنُه أن يتمتم بما لا معنى لها ليصرف الناس أو يسلب منهم العقول. إن هذه المماثَلة تجعل من لغة هذا الإعلام طلاسم لغوية تغيّب بركاكتها وعيَ الأمة كما يفعل الصرع، بدلاً من أن توقظه.

اللوحة الثالثة: الحُكم والمَخرج (البيتان الأخيران)

في البيت السادس، يضع الشاعر المتلقي في موضع القاضي، لكنه قاضٍ محتار أمام فداحة الجرم. يقول ملتفتاً إلى المخاطَب لإشراكه في الحكم:

تَحَارُ إِذا أَنْصَفْتَ أَيُّ ثَلَاثَةٍ

أَحَقُّ بِرَدْعِ الْمَنْعِ وَالدَّفْعِ وَالصَّفْعِ

هنا يصل الشاعر إلى ذروة الغضب؛ فالنماذج الثلاثة، الخطيب والدكتور والإعلامي، متساوية في الجرم لدرجة تُحيّر الحليم، لكنها ليست حيرة في البراءة، بل حيرة في الأحق بالعقاب أولاً منهم. ومن الجدير بالملاحظة أن الشاعر نوّع العقاب وعدّده في ثلاثية مطابقة لعدد المستحقين، ومتسلسلة من المنع إلى الدفع فالصفع. وهذا الجناس وتوالي المصادر والتوافق الصوتي بتكرار حرف العين يولد إيقاعاً صوتياً ذا جرس قوي يشبه وقع السياط في الجلد، ويماثل صوت اللطمات في الصفع، مما يعكس غضب الشاعر الشديد وغرض القصيدة التأديبي.

وفي البيت السابع يختم قائلا:

فَصَلِّ إِلهِي ثُمَّ سَلِّمْ عَلَى الَّذِي

هَدَانَا بِمِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ لِلشَّرْعِ

كعادة الشاعر في ديوان “قطوف”، يختم قصيدته بالخروج من دائرة اليأس البشري إلى الرحابة الإلهية، وينهي الأزمة بالعودة إلى الأصل، إلى النبع الصافي؛ بل إن الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم هنا ليست مجرد خاتمة تقليدية ولا تذييلا دينيا معتادا، بل هي حاملة لدلالات عميقة تتصل بموضوع القصيدة؛ ذلك أنها تشكل الملاذ، فبعد أن فشل سابغ الدرع وعجزت الدموع يلجأ الشاعر إلى الصلاة على النبي، إشارةً إلى “الارتباط العضوي” بشخص النبي المبين الذي هو أفصح العرب، وبمنهاج النبوة الضامن للسان العربي الذي نزل به الشرع. إنها دعوة لربط إصلاح اللسان بإصلاح الدين، وكأن الشاعر يقول إن الحل لإصلاح هذا اللحن والتشوه يكمن في العودة إلى النبع الصافي الذي قوم اللسان والسلوك معاً، وهي نتيجة منطقية ضمن نسق الشاعر؛ فإذا كانت الأزمة فساد وظيفة البيان، والحلّ في تصوره هو استعادة البيان بوصفه صدقاً وسلاحاً وتربية، فإن المرجعية القصوى للبيان العربي هي البيان النبوي والقرآني الذي به هُدينا للشرع، وبذلك تصبح الصلاة على النبي داخل القصيدة فعلًا حجاجيًا، أي انتقالٌ من الإدانة إلى اقتراح معيارٍ عملي هو أن إصلاح اللسان جزءٌ من إصلاح الدين والسلوك.

ثانياً: الخصائص الفنية والأسلوبية

* على مستوى الوحدة الموضوعية: القصيدة مترابطة عضوياً؛ فقد بدأت بالنتيجة (اللغة الجريحة)، ثم عرضت الأسباب (الخطيب، الدكتور، الإعلامي)، وانتهت بالحكم (المنع والدفع والصفع)، ثم ختمت بالدعاء.

* على مستوى المعجم اللغوي: زاوج الشاعر بين المفردات التي تنتمي إلى المجال الحربي (جريحة، سهام، العدا، تنوش، درع، منع، دفع، صفع)، في إشارة واضحة هذا يشير إلى أن الشاعر يرى أزمة اللغة معركة وجود لا مجرد خطأ تربوي، وبين المفردات التي تنتمي إلى المجال النحوي (رطانة، النصب، الخفض، الرفع)، تأكيدا منه على أن المعركة لغوية بامتياز.

* على مستوى الموسيقى والإيقاع: البحر الطويل منح القصيدة نفَساً كلاسيكياً رصيناً، يتناسب مع مقام الدفاع عن الفصحى. ورويُّ حرف العين المجرور (عِ) أضاف مسحةً من الانكسار والحزن، بينما صوت العين نفسه، وهو حلقي مجهور ذو جرس خشن عميق يتطلب جهداً في النطق لإخراجه من عمق الحلق، يوحي بحال الغضب والألم والاختناق والغصة التي تسيطر على الشاعر في مقام الشكوى والاحتجاج، ويعطي إحساساً بالاحتكاك والجرح، كأن القافية نفسها ندبةٌ سمعية، وهو ما يماثل حال الفصحى الجريحة.

* على مستوى الأسلوب والتصوير: التزاماً بنمطه في النظم، يستخدم الشاعر لغة جزلة ليرفع مستوى القارئ من ركاكة اليومي إلى فصاحة التراث، فيختار لغة عربية فصيحة لرفع مستوى المتلقي من ركاكة لغة الإعلام إلى الفصاحة الأصيلة، لكنه ينتقي ألفاظًا قريبة الإدراك، وقد يستدعي بعضُها أحيانًا هامشًا محدودًا لغرس الفصحى، محققاً وظيفة تعليمية للنص الشعري. إن ألفاظاً مثل: تنوشها، سابغ الدرع، رطانة، جفَتْها أصول، وغيرها، ليست مصادفة، بل هي اختيارٌ يشتغل تربوياً ليعيد إلى التداول كلماتٍ ذاتَ جرسٍ عربي قديم، فيُقاوم سطحية لغة الإعلام من داخل القصيدة نفسها. كما أنه يوظف، حتى وهو يبتعد عن هيام الشعراء واستغراقهم في الخيال، آليات البيان والمعاني والبديع، وينتقل أحياناً من الأسلوب التقريري الجاف إلى التصوير الشعري المبدع. هكذا برع في توظيف الصور المركبة، مما أضفى حيوية وحركة على النص، خاصة باختيار ألفاظ تمنح الشخصيات هالة سرعان ما ينسفها من الداخل، وهذا التوتر بين اللقب والخلل يصنع ما يمكن تسميته مفارقة السلطة اللغوية؛ فمن يفترض فيه أن يحرس اللسان هو نفسه من يجرحه، خاصة صورة الإعلامي السحّار الذي يتمتم برقية الصرع، وهو تشبيه شديد القسوة من حيث المماثلة بين كلام المذيع والتمتمة التي لا تُفهَم، وهو تصوير فني دقيق يصف حالة شائعة تتمثل في وفرة الكلام مع فقر البيان وانعدام المعنى، ناهيك عن السخرية المُرّة في صورة الدكتور الفصيح المفوه وهو يصارع الأعداد بشكل يعَرّي فصاحته. إن الصورة الشعرية لا توظَّف هنا حليةً جمالية، بل تسخَّر سلاحاً للكشف، وأداةً لتحويل العبارة من الإخبار إلى المشهد حين تقتضي الرسالة ذلك، خاصة في تأطير الأزمة باعتبارها معركة، وتأطير اللغة الإعلامية بوصفها ضباباً يضلل الوعي.

ثالثاً: البعد الفكري

تعكس القصيدة فلسفة عبد السلام ياسين في التغيير، فوراء المرثية موقفٌ واضح:

* ارتباط اللسان بالهوية: تدهور اللغة عند النخبة هو مؤشر على تدهور الأمة؛ فاللحن في الكلام ليس خطأً تقنياً، بل هو تشَوُّه في الانتماء، واللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، إنما هي مؤشر صحة حضارية.

* نقد المؤسسات: الشاعر لا يلوم العوام، بل يوجه سهامه للمؤسسة الدينية (الخطيب) والمؤسسة التعليمية (الدكتور) والمؤسسة الإعلامية (المذيع). إن فساد اللغة يبدأ من الرأس، والتهديد الأكبر ليس فقط العدو الخارجي، بل انهيار القدوة اللغوية في المنبر والجامعة والإعلام.

* الحل في المنهاج: ربط اللغة بمنهاج النبوة في البيت الأخير يشير إلى أن إصلاح اللسان واستقامتَه ليس ترفاً جمالياً، بل له صلة وثيقة بالشرع والهداية، هو جزء لا يتجزأ من الاستقامة الدينية والسلوكية. فالخاتمة هنا ليست دعاءً خارج القصيدة، بل هي قفلٌ دلالي واضح: إنّ الدفاع عن الفصحى يدخل في باب الهداية لا في باب الحنين.

خلاصة الدراسة

هذه القصيدة وثيقة إدانة شعرية لواقع اللغة العربية، صاغها عبد السلام ياسين بأسلوب يجمع بين الجزالة التراثية والواقعية النقدية التي تحمّل النخب مسؤولية هذا الانهيار. لقد نجح في تحويل درس النحو إلى قضية ساخنة بدينامية ملفتة، ودماء تنزف، ومعركة تستوجب ردع الجهَلة والمتهاونين، مُنهياً صرخته بأن طوق النجاة الوحيد للسان العربي هو العودة للارتباط العضوي بصاحب الرسالة ومنهاجه القويم الذي يحفظ اللسان والدين معاً.

بهذا كله تصبح القصيدة وثيقةً صغيرةً تشخص أزمة البيان في المجال العمومي، مكتوبةً بأدوات العمود وحرارة الغيرة.


[1] انظر: – تقديم منير الركراكي لـ: المجموعة الشعرية الكاملة للإمام عبد السلام ياسين، دار إقدام للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1447ه / 2025م، خاصة من ص 18 إلى ص 21.

– دراستي المنشورة تحت عنوان: اللغة العربية في المتن الشعري لعبد السلام ياسين: دراسة تحليلية لنموذج ديوان قطوف، بتاريخ: 26 ديسمبر 2025، في: yassine.net